فكرة عن الإصلاح... في حاجة إلى إصلاح....

محمد عابد الجابري ... الاتحاد

ثمة مفارقة خطيرة في المرجعية التراثية، بين الصورة التي يقدمها عنها الرواة والدعاة منذ أن بدأ تدوين "العلم" (والمقصود الحديث) في العصر العباسي الأول من جهة، وبين الصورة التي وظفها ويعمل على توظيفها، منذ بدء اليقظة العربية الحديثة إلى اليوم، ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم "التيار السلفي في الفكر العربي"، من جهة أخرى! وفضلا عن أن هذه المفارقة تضع موضع السؤال مجمل الموروث الديني الذي يتناول القضايا السياسية في الإسلام، فإنها تطرح تناقضاً حاداً يهز الفكر والوجدان عندما يتعلق الأمر بموضوع "الإصلاح".
ذلك أن فكرة "الإصلاح" في الفكر السلفي الحديث، سواء تعلق الأمر بسلفية محمد بن عبدالوهاب أو بسلفية جمال الدين الأفغاني أو سلفية محمد عبده أو بأي تيار سلفي آخر قديم أو حديث أو معاصر، تنبني وتتأسس على مضمون تلك المقولة التي تنسب إلى الإمام مالك، والتي جاء فيها: "لا يُصلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". لا يهمنا هنا أن نتساءل: كم كان مدى النجاح الذي حققته الدعوات السلفية التي اعتمدت هذه المقولة مبدءاً ومنطلقاً، فقد نجد في ترهُّـل العالم الإسلامي وتمزقه وتكالب الدول الاستعمارية عليه ما يبرر عدم بلوغها أهدافها كاملة، وإنما يهمنا أن نتعرف على أفق تفكير أولئك الذين ندبوا أنفسهم لـ"تدوين العلم" في العصر العباسي الأول، أي بعد نحو قرن من وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فنتساءل: هل كانوا مشدودين إلى الأفق الرحب، أفق التفاؤل والثقة بالمستقبل، الذي فتحه الإسلام أمام معتنقيه لكونه جاء "ليخرج الناس من الظلمات إلى النور" وليجعل من أمة الإسلام "خير أمة أخرجت للناس"، أم أنهم كانوا بالعكس من ذلك قد فقدوا الأمل في أي إصلاح بسبب ما عاناه المسلمون من الفتن التي لم تهدأ منذ أن انطلقت شراراتها في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أي بعد ما لا يزيد عن عشرين سنة فقط بعد وفاة الرسول.

وبعبارة أخرى هل المحدثون والفقهاء في العصرين الأموي والعباسي كانوا يفكرون، كما يفكر السلفيون في العصر الحديث، في أن الإصلاح لابد أن يتحقق إذا تم الرجوع إلى "ما كان عليه السلف الصالح"، أم أنهم قد وقعوا في إحباط خطير جعلهم يرون رأي العين أن المستقبل محكوم عليه بالفساد والإفساد والتدهور والانحطاط؟!

الواقع أننا إذا تفحصنا المرجعية التراثية فإننا لا نجد في ذلك الزمان ما يشير –ولو إشارة بسيطة- إلى رضا الناس بالحاضر ولا إلى تفاؤلهم بالمستقبل. لقد كانت النظرة التشاؤمية سائدة ومهيمنة على والفكر والوجدان، وذلك إلى درجة توحي بأن فكرة "الإصلاح" لم تكن من المفكر فيه قط. أما تلك القولة التي فاه بها الإمام مالك والتي ذكرناها قبل ("لا يُصلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها") فلم تتردد لها أصداء في مرجعيتنا التراثية، وما كان يمكن أن تتردد لها أصداء وهي قد قيلت في مجال محدود جداً كما سنرى بعد. هذا في حين أن الأصداء، كل الأصداء، كانت تأتي من أقوال أخرى تروى في صورة أحاديث نبوية، مدعومة بالإسناد، وبعضها –إن لم يكن كلها- مذكور في الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم. ومن هذه الأحاديث التي تعكس الإحباط وتكرسه تكريسا ما يلي:

1- حديث الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً:

نقرأ في البخاري ومسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً. فَطُوبىٰ لِلْغُرَبَاءِ". وفي مسند ابن حنبل جاء نص الحديث مطولا هكذا:"بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومَنْ الغرباءُ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده ليَنْحازَنَّ الإيمانُ إلى المدينة كما يجوز السيل، والذي نفسي بيده ليأْرَزَنَّ (يتقلص) الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأرَزُ الحية إلى جحرها".

2- حديث "خير أمتي قرني" :

في البخاري أن الرسول عليه السلام قال:"خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" والمقصود بـ"قرني" هنا: زمني، عهدي. قَالَ الراوي:"فَلا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثًة"، ثم أورد بقية الحديث وهي قوله عليه السلام:"ثمَّ يأتي بَعْدَكُمْ قَوْم يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يَفُُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". وقريباً من هذا المعنى الحديث الذي ذكره البيهقي في سننه، ونصه:"إن الله بَدَأَ هَذَا الأَمْرَ نبوةً ورحمةً، وكائِناً خلافَةً ورَحْمَةً، وكائِنَا مُلْكاً عَضُوضاً، وكَائِنَا عُتُوَّةً وجَبَرِيَّةً وفساداً فـي الأُمَّةِ، يَسْتَـحِلُّونَ الفُرُوجَ والـخمورَ والـحريرَ، ويَنْصُرُونَ علـى ذلِك، ويُرْزَقُونَ أبداً حَتَّـى يَلْقَوُا الله عَزَّ وَجَلَّ".

3- الخلافة ثلاثون سنة:

وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْخِلافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ". قَالَ الراوي: أَمْسِكْ مدة خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَخِلافَةَ عُمَرَ وَخِلافَةَ عُثْمَانَ وخِلافَةَ عَلِيٍّ، فالمجموع ثَلاثِينَ سَنَةً". وعندما سئل:"إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلافَةَ فِيهِمْ، قَالَ: كَذَبُ بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ".

4- نقص الإسلام:

وفي سنن الدارمي ومسند ابن حنبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"والذي نفسي بيده ليَخْرُجُنَّ من دين الله أفواجاً، كما دخلوا فيه أفواجاً". وعن الصحابي الكبير عبدالله بن مسعود "قال: أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا: نعم، كما ينقص صبغ الثوب، وكما ينقص سمن الدابة". وفي هذا المعنى ينقل عنه أنه قال:"ليس عامٌ إلاَّ الذي بعده شرٌّ منه، لا أقول عامٌ أمطَرُ من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيُهدمُ الإسلام ويُثلَمُ".

5- كل عام ترذلون:

روى البخاري أن أنس بن مالك أتاه ناس وشكوا إليه ما يلاقونه من الحجاج بن يوسف وبطشه فقال:"اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه، حتى تلقوا ربكم"، وأضاف:"سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم". ومن هذا الحديث صيغت العبارة الشائعة "كل عام ترذلون"... الخ.

من السهل أن يشكك الإنسان في صحة مثل هذه الأحاديث التي تشم فيها بوضوح رائحة السياسة. وبالنسبة لي شخصياً، فإن مثل هذه الأحاديث يجب وضعها بين قوسين، أعني تجنب أخذها بعين الاعتبار، لأن القرآن لا يشهد لها بالصحة، فاتجاه القرآن غيرٌ، واتجاهها هي غيرٌ! ومع ذلك فثمة حقيقة لا ينبغي إغفالها وهي أن هذه الأحاديث تعبر عن حالة الإحباط التي أصابت المسلمين بعد ما عانوه من "الفتنة الكبرى" وما شاهدوه منها وما سمعوه عنها. وقد بلغت حالة الإحباط هذه مبلغاً جعلهم لا يرون في الحاضر والمستقبل إلا المأساة، ولا يتبينون أي طريق لاستئناف المسيرة على طريق الإصلاح.

قد يعترض معترض بالحديث الذي صار مشهوراً في القرنين الأخيرين، حديث:"إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها". ومعلوم أن التجديد ينطوي على فكرة الإصلاح. غير أن منزلة هذا الحديث اليوم غير منزلته بالأمس. نحن نحتفي به اليوم، فنكثر من ذكره، وكلنا أمل في التجديد في الدين. أما في صدر الإسلام فالأمر على ما يبدو لم يكن كذلك. ومما يزكي هذا الانطباع أنه حديث مرفوع، رواه فرد واحد وانفرد بذكره مؤلف واحد من جامعي الحديث هو أبو داوود في سننه. لقد تجاهله جامعو الحديث وفي مقدمتهم البخاري ومسلم بينما أورد معظمهم وبألفاظ متنوعة عدداً كبيراً من أحاديث الإحباط كالتي ذكرنا.

يبقى بعد هذا قول الإمام مالك:"لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" وهو القول الذي قلنا عنه قبل إنه "المبدأ والمنطلق" في الفكر السلفي الإصلاحي الحديث والمعاصر. والواقع أن توظيف هذه المقولة لتأسيس فكرة "الإصلاح" كما فعل ويفعل التيار السلفي في الفكر الإسلامي الحديث، ينطوي على تجاوز كبير. ذلك أن الإمام مالك لم يقصد، بقولته تلك، "الإصلاح" بهذا المعنى، بل قصد شيئاً أكثر تواضعاً. فقد ذُكر أن ناساً من أهل المدينة كانوا يقفون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومهم من أسفارهم أو أيام الجمعة، "فيسلمون ويدْعون ساعة"، فسئل الإمام مالك في شأن ذلك فقال:"لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك".

المسألة كانت تتعلق بزيارة القبور، بما فيها قبر النبي. وهو شيء لم يكن يفعله أهل المدينة من قبل. وإذا كان في قولة الإمام مالك شيء من معنى "الإصلاح" فهو إصلاح السلوك الديني بالرجوع به إلى الأصل، والأصل في الدين الإسلامي هو تجنب التوجه بالدعاء لغير الله. وزيارة قبر النبي والدعاء فيه، هي من هذا المنظور، زيادة في الدين لا تجوز.

يتعلق الأمر إذن بنوع خاص من الإصلاح، هو ذلك الذي نهض له ابن تيمية وتابعه فيه محمد بن عبدالوهاب، وقوامه الرجوع إلى ما كان عليه "أول الأمة" من عدم زيارة القبور وما أشبه، مما يخدش في مفهوم التوحيد في الإسلام، ويذكّر بسلوك المشركين من العرب وغيرهم إزاء أصنامهم.

ذلك أيضاً هو المنطلق في إصلاحية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهو شيء يستوجب قولا مفصلا.