قبل توريط العرب فى العراق ....

 فهمى هويدي .... السفير

هذا أحدث المشاهد العبثية في الساحة العربية. فالعراق يحتله الاميركيون، ولكن واشنطن المقبلة على الانتخابات الرئاسية تكتشف بعد مضي 15 شهراً ان كلفة العملية عالية، الامر الذي يهدد فرصة الرئيس بوش في الفوز، فتظهر مصادفة فكرة إرسال قوات عربية وإسلامية، لا لمساعدة العراق على التخلص من الاحتلال، ولكن لتأمين ظهر القوات المحتلة وحمايتها من المقاومة العراقية، صدق أو لا تصدق!!
لم يقل شيء من ذلك بهذه الصراحة، لان الرسالة وصلتنا بسمات اخرى وبلغة مغايرة، لم تذهب الى ذلك المدى في الوضوح. فالبيانات والتصريحات الرسمية تحدثت عن اقتراح عربي بإرسال قوات عربية وإسلامية، <<لمساعدة الشعب العراقي للوقوف على قدميه>>. وان ثمة ترحيباً أميركياً مريباً بذلك، عبر عنه وزير الخارجية الاميركي كولن باول، الذي وجد ان الاقتراح <<إيجابي>>، وان الظروف الراهنة <<قد تشجع الأشقاء العرب والمسلمين على مساندة الشعب العراقي وهو يبني مستقبله الواعد بعد تحريره>>.
لكي أكون أكثر دقة وإنصافاً، فإنني أسجل ابتداء ان هذه الخلاصة التي بدأت الكلام بها تعكس قراءتي لمآلات المشهد. وهي قراءة لا تمانع في افتراض البراءة في إطلاق الفكرة، لكنها تنفي البراءة تماماً عن كيفية استقبالها واستثمارها من جانب الولايات المتحدة، التي لا نعرف لها ترحيباً بأي عمل عربي مشترك، إلا اذا كان يخدم مصلحة حقيقية لها أو لإسرائيل. من ثم فإن الترحيب حين يقع، فلا بد ان يكون باعثاً على التوجس وإساءة الظن.
سألت السيد عمرو موسى الامين العام لجامعة الدول العربية عن الموضوع، وهو الذي كان عائداً لتوّه من تونس ومتأهباً للسفر الى السعودية لمناقشة تفاصيل الاقتراح. ومعلوم انه في تونس شهد اجتماعاً نوقشت فيه الفكرة، بحضور وزير خارجية العراق، اشترك فيه ممثلو تونس والبحرين وهما الدولتان اللتان رأستا القمة العربية في العامين السابق والحالي، إضافة الى وزير خارجية الجزائر التي سترأس دورة القمة في العام المقبل.
مما قاله عمرو موسى انه ليس هناك قرار عربي بإرسال قوات الى العراق. ولكن هناك مناقشات واستفسارات حول الظرف المناسب لإرسالها، وطبيعة الدور الذي يمكن ان تنهض به، وموقعها في الساحة العراقية، وهل ستكون تابعة للامم المتحدة ام بديلاً عن قوات التحالف، بمعنى ان الفكرة مطروحة للمناقشة وهي الآن موضع دراسة مفصلة. ومن السابق لأوانه التنبؤ بما اذا كانت نتيجة المناقشة ستكون إيجابية أو سلبية. وفي كل الاحوال فإن نتائج تلك الدراسة ستوضع أمام مجلس الجامعة العربية، وقد تعرض على منظمة المؤتمر الاسلامي لإبداء الرأي فيها، باعتبار ان بعض الدول الاسلامية مرشحة للإسهام فيها (رئيس الحكومة الانتقالية العراقية بعث برسائل الى 5 دول آسيوية طلب فيها المشاركة في قوات <<حفظ السلام>> المقترحة. وهذه الدول هي: ماليزيا، باكستان، بنغلادش، أندونيسيا، الهند).
في حدود علمي فإن ثمة معارضة قوية للاقتراح في داخل مجلس الجامعة، الامر الذي يشكك في إمكانية تمريره، ناهيك عن المعارضة الاخرى التي أعلنتها بعض القوى الاسلامية والقومية العراقية. ولكن ذلك لا ينفي أن هناك جسماً حقيقاً له، يجري التعامل معه وتقليب أوجهه المختلفة.
الاقتراح قدمته السعودية. وطبقاً لما نشرته <<الشرق الاوسط>> في 29/7، فإنه يقضي بما يلي: تشكيل قوة حفظ سلام إسلامية وعربية للمساعدة في تحقيق الاستقرار في العراق تأتي تلك القوة بطلب من الحكومة العراقية ويجب أن تكون تحت إشراف الامم المتحدة يحل جنود حفظ السلام المسلمون محل العدد نفسه من مجموع 160 ألف جندي في تحالف تقوده أميركا الدول المجاورة للعراق، السعودية والكويت وتركيا وسوريا والاردن مستثناة من المشاركة.
الفكرة ليست جديدة، فثمة سابقتان على الاقل في التاريخ العربي المعاصر، صدر خلالهما قرار عربي بإرسال قوات لحفظ السلام الى بلد عربي آخر. في عام 61، حين هدد العراق باحتلال الكويت، ودعا أميرها قوة بريطانية للتدخل ومساندة بلاده في صد العدوان المحتمل، قررت الجامعة إرسال قوة لحفظ السلام. واشترطت سحب القوات البريطانية قبل وصولها، وتم لها ما أرادت. وفي عام 76 حين صدر قرار عربي بإرسال قوات <<ردع>> الى لبنان لإخماد حريق الحرب الاهلية هناك، وهو ما تم تحت القيادة السورية.
(2)
غير ان الفارق الجوهري بين هاتين السابقتين وبين الحالة العراقية التي نحن بصددها يتمثل في وجود قوات الاحتلال الاميركي على أرض العراق. رغم انها تحتمي بلافتة التحالف الدولي، ورغم التسليم الشكلي للسلطة الى العراقيين الذين اختارتهم الادارة الاميركية. وهذا الظرف بالتحديد يضع القوات العربية والاسلامية في موقف دقيق وحرج للغاية، من حيث انه لا بد ان يعرّضها للاشتباك مع المقاومة، التي لن تتوقف طالما بقي الاحتلال. صحيح ان الاقتراح ينص على تبعيتها للامم المتحدة وحلولها محل قوات <<التحالف>> الذي تقوده أميركا، إلا ان الاميركيين استقبلوه ورحبوا به انطلاقاً من قراءة مغايرة له.
فقد أعلن وزير الخارجية الاميركي في مؤتمر صحافي يوم الخميس الماضي (29/7) ان القوات الاسلامية المقترحة <<ستعمل إما كجزء من قوات التحالف، أو كمنظمة منفصلة، تعمل في إطار جهود التحالف. ولكنها ستكون موجودة هناك، ربما لتقديم التسهيلات الامنية، أو لتوفير الحماية للامم المتحدة>>.
كلام باول الذي قاله في ختام مباحثاته في جدة واضح ولا لبس فيه. فالقوات الاميركية (التحالف) باقية ولن تغادر، والقوات الاسلامية ليست بديلاً، ولكنها إما أن تعمل كجزء من قوات التحالف، وإما أن تستقل وتظل تتحرك في إطار استراتيجية تلك القوات الاخيرة. وليس هناك خيار ثالث. ورغم التباين بين الموقفين، إلا اننا لا نستطيع أن نعتبرهما متكافئين في الوزن أو الفاعلية، لسبب أساسي هو ان الولايات المتحدة في الموقف الاقوى، أولاً لأنها الولايات المتحدة، وما أدراك ما هي، وثانياً لأنها موجودة على الارض في العراق، وهي لم تأت لكي تسقط النظام البعثي وتسلم السلطة لأهل البلد ثم تعود الى قواعدها راضية مرضية، ولكنها جاءت لتبقى، ولتحقق أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى لها ولإسرائيل، بالتالي فإن أي كلام عن إحلال القوات الاسلامية محلها، يظل من قبيل الامنيات التي تطلق لتبييض الوجه وترطيب الجوانح، ولا سبيل الى تحقيقها على الارض.
يذكّرنا المشهد بقصة إرسال القوات المصرية الى غزة، التي قبلت بها مصر انطلاقاً من تصور معين وثيق الصلة بتنفيذ خريطة الطريق ومواصلة الانسحاب من الضفة الغربية، في حين رحبت اسرائيل بالفكرة من زاوية اخرى، حيث أرادت للوجود المصري ان يكون محصوراً في الجانب الامني وحده، الذي يختزل في كبح جماح المقاومة وتأمين ظهر الاسرائيليين، وبسبب ذلك التفاوت في المقاصد وتمسك كل طرف بتصوره، فإن القوات المصرية لم ترسل، ولا يزال الموضوع معلقاً منذ ثلاثة أشهر.
(3)
دعك الآن من مفارقة استدعاء قوات إسلامية لتأمين الوضع في بلد كان يملك جيشاً قوياً قوامه أكثر من نصف مليون جندي، ولكن جرى حله وتشريد عناصره. ولنسأل: ما هي المشكلة الحقيقة في العراق، التي يراد لتلك القوات المقترح استدعاؤها ان تحلها؟
اذا قال قائل ان الامن هو المشكلة فإن ذلك سيعد تشخيصاً ناقصاً ومغلوطاً، رغم ان ظاهر الامر يؤيده. لان هناك أمناً منفلتاً حقاً، لكن ذلك الانفلات هو من تداعيات المشكلة الاكبر وأعراضها الجانبية. ان شئت فقل انه نتيجة وليس سبباً، ذلك ان الاحتلال هو جوهر المشكلة وأصل الداء، بما استصحبه من تدمير للبلاد وإذلال للعباد، وإهانة لكبرياء شعب عريق معتز بعروبته وإسلامه. والتركيز على مشكلة الامن مع تجاهل حقيقة الاحتلال، الذي هو المصدر الاساسي للخلل، هو طرح قد لا يخلو من خبث، يماثل في فداحته خطأ الذين يركزون على العمليات الاستشهادية في فلسطين ويتجاهلون بشاعات الاحتلال الاسرائيلي، التي استدعت تلك العمليات وفرضتها على الساحة كأسلوب للرد والردع.
ان بعض التحليلات المسمومة التي تعرضت للسيناريوهات العراقية اعتبرت كل ما يحدث في العراق الآن إرهاباً، هكذا دون تفرقة بين المقاومة الوطنية وبين عصابات القتل والنهب. وذهبت الى ان الوضع الراهن هو أفضل الممكن، ومن ثم دعت الى <<تطويره>>، ومساعدته على الاستقرار لإنجاح الامل في تحوله الى سلطة دائمة قبل نهاية عام 2005، يكون بوسعها مطالبة القوات الاميركية والاجنبية بالانسحاب الكامل من البلاد. لكنها هدمت ذلك السيناريو الذي اعتبرته <<الاكثر منطقية>> حين لم تستطع ان تتجاهل حقيقة <<ان الولايات المتحدة وحلفاءها جاؤوا الى العراق بلا نية للخروج منه مرة ثانية>>، وهو الامر الذي يعيد المناقشة الى نقطة الصفر.
(4)
المشكلة أميركية بالدرجة الاولى. صحيح ان العراقيين يعانون وان عشرات منهم يقتلون كل يوم، كما ان الساحة العراقية تعج بالمشكلات الاخرى التي نشأت عن انفلات الوضع وتعطيل المرافق وتدمير القوات الغازية وجود الدولة ومؤسساتها، إضافة الى المشكلات المذهبية والعرقية التي جرى استدعاؤها وإذكاؤها. لكن ذلك كله لا يحتل الاولوية في الشواغل الاميركية.
فقد بات معلوماً من السياسة بالضرورة ان الاميركيين جاؤوا ليبقوا الى ما شاء الله، رغم ان أكثر مسؤولي الادارة الحالية تفاؤلاً تحدثوا عن ست سنوات قادمة. ولكن تصاعد المقاومة العراقية أصبح مصدراً لإزعاج الاميركيين، ليس فقط لأنه يرفع من تكلفة البقاء ويعرّض أرواح الاميركيين للخطر (قتلاهم اقترب عددهم من ألف شخص بعد الاعلان الرسمي عن تحقيق الانتصار وانتهاء الحرب)، ولكن ايضاً لان من شأن ذلك ان يضعف فرصة الرئيس بوش للفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد ثلاثة أشهر. وخسارة بوش لن تنهي مستقبله السياسي فحسب، ولكنها ستغدو ضربة قاصمة ونهاية بائسة لفريق المتطرفين المتصهينين من المحافظين الجدد، الذين أحاطوا به، وورطوه في غزو العراق، تنفيذاً لبرنامجهم الذي أعلنوه في عام 1997، قبل وقوع هجومات سبتمبر.
من هذه الزاوية، فإن تسكين الوضع في العراق وتقليل الخسائر الاميركية أو إخفاءها قدر الامكان عن الرأي العام، بات يحتل أولوية قصوى في حسابات الادارة الاميركية، التي تدرك جيداً ان الامر بالنسبة لها أصبح مسألة حياة أو موت. غير ان الرياح أتت بما لا يشتهون. فقد افتضح أمر التعذيب في سجن ابو غريب، من حيث انه كشف للجميع عن وجه بشع للتحرير والمحررين، أعاد الى الاذهان صورة مظالم العهد السابق. وتصاعدت المقاومة في مختلف أنحاء البلاد ضد قوات الاحتلال الاميركية وغير الاميركية، الامر الذي أوقع بها خسائر يومية. وبسبب هذه المقاومة فإن الدول <<المتحالفة>> أعادت النظر في موقفها من المشاركة العسكرية، وبعضها سحبت قواتها بالفعل، وكانت اسبانيا أولها والفلبين أحدثها. وهذه الانسحابات أحدثت شروخاً في صورة التحالف لم يعد ممكناً إخفاؤها، الامر الذي اذا استمر، فقد يبقي القوات الاميركية والانكليزية معها وحدها متورطة في المستنقع العراقي.
لم يقف الامر عند ذلك الحد، وانما ارتفعت الاصوات في واشنطن ولندن منادية بإعادة النظر في التعامل مع الملف العراقي. وهي أصوات لها وزنها، لأنها ضمت دبلوماسيين متمرسين وخبراء عسكريين، وهم الذين نددوا بالغزو واعتبروه خطأ فادحاً نال من هيبة أميركا وأفقدها رصيدها السياسي والاخلاقي، وهو ما أسفر عن نتيجتين كل منهما أخطر من الاخرى، الاولى انه ضاعف من رصيد كراهية العرب والمسلمين (وأوروبا أيضاً) للولايات المتحدة، الامر الذي يؤثر سلباً على مصالحها الحيوية في المنطقة. والثانية انه وسع من نطاق الجماعات الارهابية وغذى وجودها، حتى غدا الاحتلال الذي تم باسم مكافحة الارهاب، أكبر مشجع على استنبات وتفريخ الجماعات الارهابية.
(5)
في مواجهة هذه الورطة/ المأزق لجأت الادارة الاميركية الى حيلتين على التوالي. الاولى تمثلت في استدعاء أطراف اخرى، مثل الامم المتحدة أو حلف الناتو، لإضفاء شرعية على الاحتلال وتخفيف الضغط على القوات الاميركية. وحين لم تنجح هذه المحاولة فإنها استخرجت الحيلة الثانية، التي تمثلت في محاولة تسخين المنطقة وصرف الانتباه عن الحاصل في العراق، عن طريق إشغال الرأي العام بالملف الايراني. وهو ما تبدى في تسريب الأخبار عن استئناف نشاط ايران النووي وقرب تطويرها لقنبلة نووية، ثم في الحديث عن <<اكتشاف>> علاقة لإيران ببعض عناصر القاعدة، وعن تدخلها في العراق بإرسال مجموعات من الجواسيس والمخربين الى أراضيها. وفي تصريح وزير الخارجية كولن باول بأن الهجوم الوقائي على ايران هو احتمال وارد. وشارك بعض المسؤولين العراقيين في الحملة، بتصريح أدلى به في واشنطن وزير الدفاع العراقي الذي قال ان ايران ما زالت العدو الاول للعراق. ووسط تلك التعبئة المفاجئة التي لم تخف دلالتها على أحد، نشرت مجلة <<نيوزويك>> رسماً كاريكاتورياً تندر على المشهد وسخر منه، اذ ظهر فيه تشيني وهو يقول اننا هاجمنا العراق، في حين ان ايران هي صاحبة الصلة بالقاعدة (بما يوحي بأن ثمة خطأ لغوياً لان حرفاً واحداً يختلف في كتابة اسم البلدين بالاحرف اللاتينية ايراك وايران). حينئذ رد عليه بوش قائلاً: هل يتعين علي ان أعين أستاذاً للتدقيق الاملائي؟!
ولان التسخين على جبهة ايران من شأنه ان يقود الى مغامرة اخرى، يستبعد اللجوء اليها قبل الانتخابات الرئاسية، فإن تسكين الوضع في العراق يظل الهاجس الاكبر. وإزاء تردد دول حلف الناتو في التورط بالعراق، واشتراط فرنسا ان يقتصر دور قوات الحلف على التدريب فقط، الامر الذي لا يحقق للولايات المتحدة ما تريده من تسكين للوضع وتأمين لقواتها ووجودها، فإن الورقة الاسلامية تبدو هنا فرصة ذهبية للخروج من المأزق، ولهذا كان ذلك الترحيب المفخخ بها.
ولان الامر بهذه الصورة، وبرغم كل النوايا الحسنة والصادقة التي قد تكمن وراء الاقتراح، فإنني أزعم ان الاميركيين يريدون به توريط العرب والمسلمين فيما عزفت عنه وتأبّت عليه أوروبا.
في أمثالنا الشعبية ان من قام باستحضار <<العفريت>> فعليه ان يصرفه، اذ انه وحده الذي ينبغي ان يتحمل تلك المسؤولية. وفيما نحن بصدده فإن الاميركيين هم الذين استدعوا العفريت، فلماذا نتورط نحن في مسؤولية التخلص منه؟!
أخيراً، ما رأيكم دام فضلكم في ان نؤيد فكرة تشكيل القوات الاسلامية، ولكن نجري تغييراً طفيفاً في العنوان، فنرسلها الى فلسطين بدلاً من العراق؟
(
) كاتب مصري