النظام الرسمي العربي: نهاية مرحلة....

محمد سيد رصاص.... السفير
لم تأت شرعية النظام الرسمي العربي، عند تأسيسه في الأربعينيات، من الداخل، بل من تلاقيه مع القوى الدولية النافذة: نوري السعيد والنحاس باشا والملك عبد الله مع بريطانيا، الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت بعد قمة آذار 1945 التي أقامت معادلة (النفط الحماية)، سوريا ولبنان مع لندن التي كانت بطلة استقلال البلدين بعد أحداث (تشرين الثاني 43) و(أيار 45).
كان عبد الناصر استثناءً لافتاً عندما استندت شرعيته إلى (الإصلاح الزراعي) و(القناة) و(الوحدة العربية)، ولو أن صعوده، وانتصاره في (السويس)، لا يمكن عزلهما عن بروز واشنطن وموسكو وأفول نفوذ بريطانيا وفرنسا، الشيء الذي ينطبق على عبد الكريم قاسم في بغداد، الذي كانت شرعيته الداخلية لا تنفصل عن مظالم الحكم الهاشمي المرتبط ببريطانيا المهزومة في (السويس): كانت صراعات ناصر وقاسم مدخلاً إلى اضطراب العراق بين الشيوعيين والقوميين، وإلى اهتزاز قبضة عبد الناصر على <<الإقليم الشمالي>> السوري وصولاً إلى الانفصال، ما أدى إلى فشل إقامة مركز إقليمي محلي، تقوده مصر، يملأ فراغ ما بعد عام 1956، وخاصة بعد دخول عبد الناصر في صراعات مع السعودية في اليمن ومع البعث القومي المنافس في دمشق، إلى أن أتت هزيمة حزيران منذرة بانتهاء ذلك كله لصالح بداية إعادة هيمنة (الدولي) على (الإقليمي) في الشرق الأوسط.
كانت بداية المؤشرات على ذلك تكسر حكم صلاح جديد بدمشق على خشبتي رفضه للقرار (242)، وتجاوزه للخطوط الحمر الدولية عبر تدخله في أحداث أيلول 1970 بالأردن، الشيء الذي ينطبق على تجربة (العمل الفدائي) التي حاولت إنشاء سلطة موازية لسلطة الملك حسين في عمان: لم تكن تجربتي الرئيس المصري انور السادات، والسوري حافظ الأسد، متابعة لما سبقهما في البلدين، بل مثلتا قطيعة من حيث اتجاههما إلى عدم الصدام مع القوى الدولية النافذة، وصولاً إلى محاولة التلاقي معها، وخاصة من حيث التلاقي مع القرار (242) والسقوف التي حددها للصراع العربي الإسرائيلي، وإن كانت دمشق أكثر استغلالاً للثنائية الدولية من مصر التي اتجه رئيسها مبكراً للقطع مع موسكو قبل أن يحسم خياراته مع واشنطن منذ عام 1974، فيما لم تمنع علاقات دمشق مع موسكو من تلاقي الأولى مع واشنطن تجاه الأحداث اللبنانية بين عامي 1975 1976 وصولاً إلى إعطاء واشنطن الغطاء الدولي لدمشق في لبنان، عبر (اتفاق الطائف) وإخراج العماد عون من قصر بعبدا، وخاصة بعد التجربة الإسرائيلية الأميركية الفاشلة، عبر اجتياح 1982، في إقامة حكم لبناني بعيد عن سوريا، واتفاقية لبنانية اسرائيلية منفردة.
حتى عام 1991، تاريخ بداية هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة عقب نتائج حرب الخليج الثانية، لم يكن وزن (الإقليمي) ضئيلاً أمام (الدولي) في رسم تطورات المنطقة، إذا لم نقل انه كان يجبر الثاني على رسم مسارات جديدة، كما جرى من قبل دمشق مع واشنطن في لبنان، عبر قدرة سوريا على إنشاء معادلات لبنانية جديدة عبر (حرب الجبل) و(6 شباط 1984) أفشلت كل مفاعيل اجتياح 1982 اللبنانية الداخلية، كما أن (الإقليمي) كان أساسياً ل(الدولي) في كبح وتحجيم طموحات إقليمية غير مرغوب بها، مثلما حصل من قبل الولايات المتحدة مع العراق تجاه الامام الخميني، فيما كانت قوى إقليمية معينة لا غنى للعامل الدولي عنها في مواجهة تمددات دولية منافسة، مثلما رأينا من قبل واشنطن لما اعتمدت على السعودية ومصر في مواجهة التمدد السوفياتي إلى القرن الافريقي عبر أثيوبيا أو لما جرى من اعتماد أميركي كثيف على الدعم السعودي المادي والمعنوي الديني عقب الغزو السوفياتي لأفغانستان.
صحيح أن الولايات المتحدة لم يكن بإمكانها تشكيل (التحالف الدولي) ضد العراق عقب غزوه للكويت لولا الغطاء العربي الذي قدمه ثالوث (الرياض دمشق القاهرة)، ما اضطرها إلى مساومات مع القوى الإقليمية الفاعلة أدت إلى جعل (مؤتمر مدريد) ثمناً ل(حفر الباطنإلا أن وزن (الدولي) قد أصبح هو المقرر والحاسم منذ ذلك الزمن في رسم مسارات إقليم الشرق الأوسط، وهو ما ظهر، في العقد الفاصل بين (مدريد) و(11 أيلول)، في قضايا تفشيل واشنطن ل(إعلان دمشق) (آذار 1991) من حيث منع أي نفوذ مصري سوري في الخليج، إلى انفراد واشنطن بتقرير مصير (العراق القادم) ومنع أي محاولة عربية معاكسة، وصولاً إلى عدم قدرة العرب على ممارسة التأثير أو الحماية للفلسطينيين بعد قيام انتفاضة عام 2000 وبالذات بعد نشوء التوافق الإسرائيلي الأميركي، في عام 2001 بين شارون وبوش، على ترك الوقائع الميدانية متكلماً وحيداً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، عقب أن استخلصت الإدارة الأميركية الجديدة، من فشل مسار عقد كامل من (التسوية) مع مؤتمر كامب دافيد صيف عام 2000، بأن المنطقة غير مهيأة بعد لانطلاق التسوية، وبأن هناك حاجة إلى حقائق جديدة يمكن أن تولدها وقائع أخرى على الأرض، رأت واشنطن أن بوابتي (رام الله) و(بغداد) يمكن أن تؤديا إليها.
تعزز هذا التفكير الأميركي بعد (11 أيلول 2001)، لما استخلصت دوائر التفكير ورسم السياسات الأميركية من حادثتي نيويورك وواشنطن بأن منطقة الشرق الأوسط قد أصبحت مصدراً لأخطارٍ مباشرة تمس قلبي العاصمتين الاقتصادية والسياسية للعالم: أدى ذلك إلى المسارعة لغزو العراق، عقب الفراغ السريع من (طالبان)، من أجل <<إعادة تشكيل>> المنطقة.
كان من النتائج الجانبية لإعادة التفكير الأميركية، هذه، توحيد ما تقوم به (حماس) و(الجهاد) مع ما أتى من (ابن لادن)، ما أدى إلى غطاء أميركي أوسع لشارون يوحي بأنه منطلِق من ربط (التسوية) بانتهاء عملية <<إعادة تشكيل>> المنطقة، وهو ما يتلاقى مع تفكير اليمين الإسرائيلي باتجاه خلق حقائق جديدة في أراضي 1967 قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بخلاف تفكير رابين وبيريز وباراك الذين تلاقوا مع التفكير الأميركي باتجاه جعل (التسوية) مدخلاً إلى ترتيب أوضاع المنطقة، لا نتيجة للأخيرة كما يوحي تفكير بوش الابن وشارون.
إلا أن النتيجة الرئيسية ل(11 أيلول)، في التفكير السياسي للإدارة الأميركية والذي يبدو أنه أصبح مسيطراً ايديولوجياً عليها، كانت ربط ظاهرة (الارهاب الإسلامي) مع الأنظمة العربية القائمة من حيث اعتبار الأول حصيلة ونتيجة لدكتاتورية وفساد هذه الأنظمة، إضافة إلى النظم التربوية والثقافية القائمة، مع رفض أميركي لاعتبار الصراع العربي الإسرائيلي أكثر من مسبب فرعي لهذه الظاهرة.
أدى ذلك عند الإدارة الأميركية إلى رؤية أخرى للنظام الرسمي العربي وأنظمته، يبدو أنها، رغم الكثير من علامات التردد وخاصة عند اتجاه المدرسة <<الواقعية>> في وزارة الخارجية الأميركية، تكتسب الكثير من الدينامية والقوة الجديدتين، وخاصة على ضوء المشهد الإقليمي الجديد الذي أدى إليه احتلال العراق، وما يعنيه، تجاه وظائف وأوزان وأدوار الدول الإقليمية بالمنطقة، حضور (القطب الواحد) للعالم مباشرة إلى المنطقة وتحوله إلى <<قوة إقليمية>>.
بغض النظر عن مثالي الجنرال مشرّف والعقيد القذافي عندما كانت التكيفات في السياسة الخارجية لهما مع (القطب الواحد) سبباً لغض نظر الولايات المتحدة عن طبيعة النظامين وافتقادهما للديموقراطية، فإن انزعاج الرئيس المصري الشديد من التوجه الأميركي الجديد، وكذلك السعودية، وهما من أكثر الأنظمة تكيفاً مع سياسات واشنطن بالمنطقة، يوحي بأن التوجه الأميركي هو أبعد من عملية ضغط أميركية على الأنظمة من أجل سياسات متكيفة أو أكثر تكيفاً، ليصل إلى رؤية جديدة للمنطقة ستكون من مستتبعاتها تغيير الأنظمة القائمة لصالح أخرى جديدة، على الأقل من أجل أن لا تُفاجئ الإدارة الأميركية من مستتبعات ضعف القاعدة الاجتماعية للأنظمة الموالية لواشنطن، والتي ازدادت ضعفاً بعد السياسات الأميركية في فلسطين والعراق، لكي لا يحصل لواشنطن ما حصل لبريطانيا، عقب رعاية لندن لقيام الدولة العبرية في 1948، في قاهرة 1952 وبغداد 1958.
هل يكفي رمي الأنظمة العربية كما أوحى مؤتمر الاسكندرية لقفاز (الخطر الأصولي الإسلامي) في وجه واشنطن، ولعبها على مخاطر صعود الإسلاميين عبر <<التغييرات السريعة>>، مع تأكيدها على عزو اضطراب المنطقة إلى العوامل الإقليمية في فلسطين والعراق، وليس إلى تلك الداخلية، من أجل ثني النظام الرسمي العربي لواشنطن عن توجهاتها الجديدة تجاه المنطقة بعد 11 أيلول؟
أي: هل تنجح الأنظمة العربية في ذلك، باتجاه تعميم المثالين الباكستاني والليبي كإطار مستقبلي تكتفي فيه واشنطن بتكيفات الأنظمة مع السياسات الأميركية مقابل غض النظر عن الأوضاع الداخلية، كما جرى من قبل واشنطن تجاه الأنظمة العربية عقب (حفر الباطن) و(مدريد)؟....