في أن الجفاف السياسي يجعل المجتمعات سهلة الإحتراق...

 ياسين الحاج صالح....الحياة

كان ثمة دائما أحزاب وتنظيمات تناهض نظام الحكم القائم في سورية, لكن في السنوات الأخيرة فقط أخذت تلك القوى تعي نفسها عبر مفهوم المعارضة. يعكس دخول هذه المفهوم إلى التداول تحولا في الحقل السياسي السوري وفي الثقافة السياسية للنخب السورية في آن معا. ففي نهاية العقد الأخير من القرن السابق, وقد وافق المرحلة الأخيرة من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد وخروج أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيين من السجون, تحقق شيئان: الأول نيل أحزاب معارضة عانت من قمع قاس واستئصالي, شرعية أمر واقع يصعب إلغاؤها (الوجه الآخر لذلك ضعف شديد لتلك الأحزاب)" الثاني تحول تلك الأحزاب ذاتها من منهج إسقاط السلطة إلى منهج الإصلاح, ومن ثقافة الانقلاب إلى ثقافة المعارضة وتداول السلطة. وحتى حين عاد الكلام عن التغيير بعد اصطدام الروح الإصلاحية بصخرة الرفض الرسمي, تصور المعارضون التغيير على أرضية الإصلاح لا على أرضية الاستيلاء على السلطة. فقد بدا أن الإصلاح غير ممكن دون تغيير سياسي, وأن هذا, تاليا, مطلب إصلاحي.
لكن تحول وعي أحزاب وتيارات متنوعة لذاتها كمعارضة إصلاحية كان أيضا وعيا لأزمة متعددة الوجوه: أزمة دور اجتماعي وأزمة فاعلية سياسية وأزمة جاذبية ذاتية. بعبارة اخرى حضرت المعارضة وحضرت معها الأزمة, ولم نكد نشرع بالكلام على معارضة حية, حتى أخذنا نتكلم عن تأزمها وتعثرها ( نجد تعبيرا مبكرا عن أزمة المعارضة السورية في ملف خاص نشر في جريدة "النهار" البيروتية في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2002).
ولعل الجوانب المختلفة لأزمة تلك الأحزاب والتنظيمات الداعية للإصلاح والتغيير والديموقراطية تعكس في جانب أساسي منها التحول العسير وغير المكتمل من نظام الطليعة والبديل والانقلاب أو إسقاط السلطة أو الاستيلاء عليها (وكان النظام المهيمن في وعي وتكوين النخب السورية, قومية ويسارية وإسلامية) نحو نظام المعارضة والإصلاح وتداول السلطة. وبينما يبدو من السهل التفريق بين النظامين, وبينما يمكن لأي ناشط سوري اليوم ان يتعرف على التمييز بينهما في خبرته الشخصية, فإنه لم يجر نقاش فعلي مهما يكن نطاقه حول هذا التحول. لعلنا لا نهدر جهداً, إذاً, بالمزيد من توضيح الفرق.
إن مفهومي إسقاط السلطة والمعارضة لا ينتميان إلى عالم واحد أو إلى ثقافة سياسية واحدة. فحيث نتحدث عن إسقاط السلطة لا يمكن أن نفكر بأنفسنا كمعارضة, وبالعكس حيث ندرك أنفسنا كمعارضة فإن منهاجنا وهدفنا لا يكونان إسقاط السلطة. في المقابل, ينتمي نهج إسقاط السلطة إلى عالم مدركات مثل الطليعة الثورية والبديل والتناقض التناحري, والمفهوم المطلق للوطن أو الأمة, والفئة الناجية والجاهلية, و"إكسسوارات" الحزب الواحد جميعا. بينما ينتمي مدرك المعارضة إلى ثقافة سياسية مكونة من أفكار مثل التعددية والحلول الوسط والتسوية والتفاوض والقانون والحقوق والنسبية.
والمفارقة الحقيقية هنا أن السلطة في سورية تنتمي إلى عالم الإسقاط والاستيلاء وثقافة الانقلاب وليس إلى عالم تداول السلطة وثقافته. والمعارضة رغم كل نواقصها وضعفها اقرب إلى الثقافة التعددية, لكنها تصطدم بسلطة تقوم على الاحتكار والاستيلاء على الأراضي الاجتماعية كافة, ولا تكف عن إسقاط من قد تعتبرهم خصوماً. وهذا ما يقوّي الأصوات الانقلابية في الطيف المعارض, ويضعف التحول المنسجم نحو ثقافة سياسية ديموقراطية. ومنذ الآن يلاحظ المتابع انتشارا متزايدا لمزاج انقلابي, هائج ومتوتر, مضاد للسلطة والمعارضة والسياسة معاً, في أوساط كانت على هامش التنظيمات التي ناهضت العهد السابق في الربع الأخير من القرن العشرين. ولا يغير من ذلك أن تكون انقلابية اليوم بنت زمانها وبيئتها: فمن غير المحتمل أن تكون عسكرية يقوم بها ضباط طامحون, أو ثورية يلعب الدور الأساسي فيها حزب او نخبة عقائدية. فصورتها المرجحة احتلالية من النمط الذي شهدناه في العراق, أو مخابراتية يقوم بها سياسيون مغامرون ووكلاء مخابرات أجنبية ومجموعات داخلية متطرفة وتآمرية ومعادية للسياسة. لكن لسنا هنا في معرض رصد هذا التحول المهم الذي يتخلق في عتمة تلافيف المكبوت السوري.
في الحقل السياسي السوري, ثمة مشكلات عيانية ترتبط بانبثاق المعارضة من الطليعة على الصعد السياسية والتنظيمية والنفسية والفكرية, وبالخصوص في ظل تعرض كل اشكال العمل العام المستقل لكل أشكال التضييق والاضطهاد من قبل أجهزة السلطة. فتحول حزب معارض نحو تنظيم تعددي في داخله ومفتوح على خارجه خطر حقيقي في ظل الحيوية المتجددة لـ "مؤسسة" الاعتقال السياسي. ومن الصعب جدا إغلاق باب الانقلاب أو إسقاط السلطة دون فتح باب تداول السلطة أو التوجه نحوه في المجتمع والحياة السياسية. وليس غير الشخصية ذات البعد الواحد, المتمركزة حول عقيدتها الوحيدة الصحيحة, تنمو في ظل شروط تدفع نحو العمل السري وترفع الطلب التعبوي. ومن الناحية الفكرية فإن ضبط الطوبى المطلقة وشعشعة الاعتقادية المتشددة بالشك والنسبية, عسير دون حرية الرأي والتعبير. لكن مقابل هذه الصعوبات والمخاطر, بات الحزب السري, العقائدي, الانقلابي, الرسالي, شيئا من الماضي, شيئا رجعيا بالفعل, لا يغري إلا أوساطا ضيقة.
وكما قد نتوقع, تندرج أزمة في أزمة أوسع في أزمة السياسة في سورية. فالنظام السياسي لا يعترف بالشعب سياسيا, اي لا يعترف بحريته السياسية وبحقه في التعبير عن الرأي والتجمع والاعتراض والاحتجاج وإنتاج واستهلاك الأحزاب السياسية. لا يزال نمط إنتاجنا السياسي, إن صح التعبير, يقوم على احتكار المبادرة العامة وتحريم العمل السياسي المستقل, بل منع اي شكل من اشكال النشاط الجمعي المستقل حتى لو كان بلديا أو ثقافيا. والمقر الوحيد المعترف به اليوم للوطنية هو السلطة وليس الشعب, ومن الطبيعي أن تكون, لذلك, وطنية إيديولوجية ودولانية و"أوامرية", وليست وطنية اجتماعية ومدنية واستيعابية.
والقصد ان أزمة المعارضة السياسية هي أزمة السياسة في مجتمع منكفئ على ذاته (أو ذواته المتعددة) ونظام حكم مضاد للسياسة.
دون ماء سياسي يجري بحرية لا تنبت ولا تزدهر أحزاب سياسية, ودون تفاعلات اجتماعية مستقلة ومبادرات طوعية لا يتعضى ويتــمايز مجتمع حديث, ودون اعتراف بتعدد المصالح الاجتماعية وشرعية تنافسها في ميدان عام مفتوح لا تقوم سلطة عمومية. ما الذي يزدهر في إطار مجتمع منزوع الاجتماعية وأحزاب منزوعة السياسية وسلطة منزوعة العمومية؟ يزدهر مرض الجفاف السياسي, وأعراضه: الانكفاء على الذات وانعدام الثقة بالغير, وانحلال الرابطة الاجتماعية والوطنية, والتآمر, واللاعقلانية في تحليل الواقع وفي السلوك الفردي والجمعي, والمشاكسة وثقافة الكراهية, باختصار: مزاج الحرب الأهلية. وتدين هذه الأعراض بظهورها وتفاقمها إلى تراجع غير عكوس في القدرة القمعية النازعة للسياسة مع بقاء نمط الإنتاج السياسي المعتمد على القمع دون تغيير.
إن العنف اللفظي, المكتوب (في الانترنت بخاصة) والمحكي, والذي ينتشر بسرعة الوباء في الأشهر الأخيرة على يد طلائع الانحلال الاجتماعي, مؤشّر مهم على حرب بالقوة لا تنتظر إلا فرصة لتترجم ذاتها إلى حرب بالفعل. الجفاف السياسي يجعل المجتمعات سهلة الاحتراق.