الممنوع والمسموح في فضاء العلاقة بين أطياف المعارضة والنظام السوري.. القدس العربي

2004/07/30

 

الطاهر إبراهيم
لعل أول ما يلاحظه المراقب السياسي، في جدلية العلاقة بين النظام السوري ومختلف فصائل المعارضة، هو إصرار هذا النظام علي أن تكون هذه العلاقة باتجاه واحد. أي أن علي المعارضة أن تعطي، ثم تعطي.. ثم لا تأخذ شيئا. بل إن عليها أيضا، أن تقبل بأن يأخذ النظام ثم يأخذ... وأن لا تنتظر منه أن يدفع شيئا في مقابل ذلك .إلا أن تكون شهادة حسن سلوك فقط تسمعها من هذا المسؤول أو ذاك ثم لا شيء بعد ذلك.
هذه الشهادة، إن قيلت، قد لا يكون القصد منها الثناء علي وطنية المعارضة، بقدر ما يريد النظام من ورائها أن يدفع بها عن نفسه طمع الأجنبي في اصطفاف المعارضة معه. وهذا هو عين ما ورد علي لسان الرئيس بشار الأسد في مقابلته مع محرر نيويورك تايمز في شهر ديسمبر من العام الماضي، من أن المعارضة السورية وطنية بامتياز وترفض أن تقف مع أمريكا ضد وطنها سورية.
هذه العلاقة المضطربة، ليست لا تخدم المصلحة السورية العليا فحسب، بل هي لا تخدم النظام نفسه علي المدي المنظور أيضا. فقد بات معروفا أن فصائل المعارضة استطاعت أن تدفع إلي سدة القيادة -بعد مخاض عسير ونقد داخلي مرير- بقيادات راشدة أبعدت من منهجها أي تفكير غير سلمي للتغيير.
وإن أكبر ما تخشاه قيادات المعارضة الحالية، أن يكون وراء رفض النظام القيام بإصلاح سياسي، أجنحة فيه لا تزال تحدث نفسها بأسلوب القمع وسيلة للبقاء في الحكم، فتدفع هذه السياسة أجنحة في فصائل المعارضة ـ تم إبعادها عن مركز صنع القرار-، إلي العودة للعمل تحت الأرض ومن ثم التفكير بأن تعود لمقارعة القمع بالعنف.
هذا السيناريو قد تقوي حظوظه وتقوي حظوظ أهل القمع والعنف في السلطة والمعارضة، إذا تأكد للجميع أن النظام ليس في وارد القيام بأي نوع من أنواع الإصلاح السياسي، بحيث لا يقبل بأي شكل من أشكال التعددية واللقاء مع الآخر. أي بصورة أوضح الإبقاء علي نص وروح المادة /8/ من الدستور التي تنص علي: أن البعث قائد للدولة والمجتمع ، مما أثار، علي مدي ثلاثة عقود، استياء الشعب السوري بأكمله، من إصرار نظام الحكم علي استبعاد هذا الشعب عن المشاركة الفعلية في بناء حاضر ومستقبل سورية السياسي. في الوقت الذي قامت مختلف فصائل المعارضة السورية ـ اليسارية والإسلامية والقومية ـ بنقد تجربتها الشخصية والبينية السابقة، والعمل علي تكوين تصور مشترك بينها، يضعها علي سكة العمل الوطني المشترك بقدر الإمكان، تطلعت هذه المعارضة إلي الاقتراب أكثر فأكثر من نظام الحكم، لردم الهوة التي تعمقت بينها وبينه علي مدي أربعة عقود، بحيث لا يدع هذا الاقتراب أي مساحة للأجنبي المتربص، للدخول ضمن فراغ العلاقة بين الطرفين، النظام وقوي المعارضة.

تطوير ايديولوجي وجمود سياسي

وحتي لا نكون جاحدين، فإن أطرافا في حزب البعث جهدت، حتي قبل مجيء الرئيس بشار الأسد إلي الحكم، لإدخال الفكر الإسلامي لأول مرة إلي صميم المنطلقات الفكرية في حزب البعث. كما تم مد أسباب التواصل الفكري مع تيارات فكرية ولكن من خارج القطر السوري. وعقدت مؤتمرات حزبية جمعت إلي حزب البعث تيارات حزبية أخري، إسلامية وقومية، وأطلق اسم مؤتمر الأحزاب العربية علي هذا المؤتمر، وتم انتخاب القيادي البارز في جبهة العمل الإسلامي الأردنية الدكتور اسحق الفرحان رئيسا لها.
وقد كان لافتا للمراقبين ورود عبارة العروبة هي الجسم والإسلام هو الروح ، في المؤتمر القطري لحزب البعث الذي عقد في تموز عام 2000، الذي تم فيه اختيار الدكتور بشار الأسد أمينا عاما لحزب البعث ورئيسا للجمهورية السورية بعد أبيه. كما جاء في موقع حزب البعث علي الإنترنت تحت عنوان: (بعض المقولات الأساسية حول تطوير الحزب) ما يلي: يجب إعادة التأكيد علي العلاقة التكاملية بين العروبة والإسلام، ومواجهة كل المحاولات الرامية إلي وضع حواجز بينهما وإظهارهما في مظهر متناقض وفي حالة عداء... .
ونتجرأ أكثر عندما نزعم بأن هذه اللقاءات، وتلك الإضافات الفكرية الهامة، قد قطعت الطريق علي كوادر حزبية بعثية أخري داخل نظام الحكم أن تقوم بتأجيج الصراع الفكري مع الإسلاميين مرة أخري كما كان سائدا في ستينيات القرن العشرين. فلم نعد نسمع أو نقرأ فكرا معاديا للإسلام، بعد أن تمت توأمة الفكر العربي مع الفكر الإسلامي في لقاءات مؤتمرات الأحزاب العربية، وفي المنطلقات الحزبية الجديدة لحزب البعث.
المعارضة تطور نفسها والنظام يراوح في مكانه
في المقابل، لم نلحظ تطورا رسميا لافتا علي الصعيد السياسي، يواكب ذلك التطور الذي لحظناه علي الصعيد الفكري والأيديولوجي، وبدت المعادلة كأنها مقلوبة. فقد اعتاد المراقبون، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أن يلحظوا تشددا أيديولوجيا، وأحيانا مغالاة حتي قال شاعرهم: آمنت بالبعث ربا لا شريك له وبالعروبة دينا ما له ثان.
وباستثناء الفترة القصيرة التي عرفت بربيع دمشق، فقد عادت الدعوة إلي إقفال الساحة السياسية علي حزب البعث فقط، وكان التعبير الواضح علي ذلك علي ألسنة القيادات العليا في النظام، أنه لا لإصلاح سياسيا في الوقت الراهن.
معارضة الداخل يجمعها التجمع الوطني الديمقراطي، ويضم خمسة أحزاب أهمها: الاتحاد الاشتراكي العربي الذي يرأسه الأستاذ حسن عبد العظيم ، والحزب الشيوعي جناح الأستاذ رياض الترك. وقد حاول هذا التجمع أن يخرج إلي دائرة المعارضة الرسمية العلنية، بحيث يتم ترخيص أحزابه الخمسة رسميا، وأن يظهر إلي العمل العلني، إلا أن النظام ما يزال يفرض حظرا علي إنشاء أحزاب معارضة، إلا من أراد أن ينضوي تحت خيمة الجبهة الوطنية التقدمية .
ومع ذلك فإن هناك هامشا ولو بسيطا تتحرك فيه أحزاب التجمع، ويسمح لناشطيه بالسفر أحيانا لحضور بعض المؤتمرات خارج القطر ويمنعون أحيانا أخري. ومن خلال هذا المد والجزر، فإن الساحة السورية شبه راكدة، لا تَقَدّم ولا تَأَخّر، إذا استثنينا الحملة التي شنها نائب رئيس الجمهورية الأستاذ عبد الحليم خدام علي ناشطي ربيع دمشق.
كما يلاحظ المراقب أيضا، وجود هدنة إعلامية غير معلنة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين رموز النظام. فباستثناء تصريحات لمسؤولين رفيعي المستوي كما ورد في جريدة النهار البيروتية و الحياة اللندنية، عزتها قيادات إسلامية إلي مسؤولين أمنيين، فلم يلحظ أي تطور إعلامي لافت للنظر بين الطرفين.
ولزم السياسيون في النظام الصمت تجاه المبادرات المتكررة من جماعة الإخوان المسلمين لتضميد الجراح وطي صفحة الماضي وإجراء مصالحة وطنية لا تستثني أحدا. وقد اعتبر الأخوان البادرة التي أطلقها مؤخرا الدكتور محمد حبش لإزالة العقبات أمام عودة المنفيين، مجرد أمنية منه، في حين لم يصدر من النظام أي تعليق عليها.
وقد كان انعقاد مؤتمر الحوار الوطني السوري الأول للمعارضة السورية في لندن، نهاية شهر آب 2002، تحت شعار سورية لكل السوريين ، نقطة فارقة في تاريخ هذه المعارضة. فقد استطاع هذا المؤتمر أن يجمع معارضين سوريين، يساريين وإسلاميين وقوميين، ما كان أحد يعتقد بإمكان جمعهم تحت سقف واحد، حتي وقت قريب.
وكانت النقطة الفارقة الأخري هي اتفاق جميع المؤتمرين علي اعتماد ميثاق الشرف للعمل الوطني في سورية ، وهو نسخة معدلة عن ميثاق الشرف الوطني الذي أصدره الإخوان المسلمون في أيار 2002.
وقد لاحظ المراقبون غياب فصائل معارضة الداخل عن هذا المؤتمر. ومع اختلاف التبرير الذي ساقه كل فصيل. فإن ما أجمع عليه المراقبون هو أن معارضة الداخل محكومة بعدم رضي النظام السوري عن هذا المؤتمر، وحاجة من يريد المشاركة إلي تأشيرة خروج من الجهات الرسمية.
مرة أخري، لزم إعلام النظام الصمت تجاه انعقاد هذا المؤتمر، إلا ما كان من تعليق أحدهم علي إحدي الفضائيات، وهو لا يحسب علي كل حال أنه ناطق باسم النظام.

خلاف داخل أجنحة نظام الحكم؟

رغم عدم توقف أجهزة الأمن عن ممارسة نشاطها في اعتقال المعارضين وناشطي حقوق الإنسان، وإن بصورة أقل. وفي غياب أي تحرك حكومي فعال لمد جسور الاتصال، فإنه لم يُلْحَظ أي موقف عدائي واضح تجاه فصائل المعارضة. وقد ذهب المحللون مذاهب شتي في تعليل ذلك، إلا أن واقع الحال، علي ما يظهر، أن أركان النظام لم يتفقوا بعد فيما بينهم علي استراتيجية محددة يتعاملون بها مع فصائل المعارضة. ولئن كانت الفقرة الأبرز في البيان الذي صدر عن مؤتمر لندن عام 2002، هي رفض الاستقواء بالخارج علي الوطن وسيلة للتغيير أو الوصول للحكم، واعتبار أن من يفعل ذلك، فقد هانت عليه نفسه ، رسالة واضحة لنظام الحكم، كي يعيد حساباته مع المعارضة علي أساس وطني صرف.
وإذا كان لسان حال النظام يسمح بقبول معارضة داخلية منزوعة المخالب، أو معارضة خارج الوطن ترفض التعاون مع أمريكا، فإن من الممنوع عنده، وليس في وارده اقتسام السلطة معها. وهذا يعني، في ظل التهديد الأمريكي، أن نظام الحكم السوري ما يزال يلعب في الوقت الضائع، وأنه، حتي في منطق العلاقات العامة، قد فشل حتي الآن في رد التحية بأحسن منها أو مثلها. ولا يجب اعتبار ما أشرنا إليه من رفض المعارضة الاستقواء علي الوطن بالخارج ، إنما هو نوع من تحسين البضاعة . بل يجب أخذ الأمر بمنتهي الجدية، إذا أراد النظام أن يفتح صفحة جديدة، لمصلحة النظام ومصلحة المعارضة، وأولا وأخيرا لمصلحة سورية، الوطن والشعب.
كاتب من سورية