ما هكذا تؤكل كتف الأصدقاء..

تركي علي الربيعو

 

في كل مرة أزور فيها جريدة "النهار"، قاصداً جهاد الزين - وهي مرات قليلة - سرعان ما أخرج بانطباع بأن الرجل، لمّاح، ذكي، مطلع، يستعرض مواهبه بطريقة لبقة، خاصة عند حديثه عن الكتب الجديدة الصادرة بالانكليزية، وبالاخص عندما تحدث في زيارتي الاخيرة له عن كتاب صموئيل هنتنغتون الجديد.

وهذا ما يدفعني باستمرار، لقراءة، ما يكتبه من تحليلات نافذة وغير متعجلة، تخص الشأن السوري والعربي العام. لكني سأعترف، بأن الرجل خذلني، وأنا الذي أدمنت الخذلان ككل المواطنين العرب، عندما قرأت مقاله "خطاب عبثي: الباء بعد العين" في "النهار" (27 تموز 2004). ترددت في الرد عليه، فمن حقه، أن ينتقد خطاب المثقفين السوريين وبيانهم حول زيارة علاوي لسوريا، وأن يقوم بقراءة تشخيصية لمفردات الخطاب، وان يبين، كيف ان لغة السجين تستعير معظم بواعث التعبير عن نفسها من لغة السجان. وهذا قد يكون وارداً وصحيحاً في مجتمع منهك ومتعب، ولا يزال في الواقع بعيداً عن الحوار الديموقراطي الصحيح. ومن شأنه، أن يبين، كيف ان خطـاب المعارضـة، يتقاسـم وخطاب السلطة، ظاهرة الهروب الى الامام نفسها، في مواجهته، للاستحقاقات السياسيـة والحضاريـة، التي تفرزهـا الضغوط الهائلة والكبيرة على المنطقة العربية.

لكن اللافت للنظر، ان الصديق الزين، انتقل فجأة، من تحليل لغة البيان، الى اتهام الموقعين عليه، بأن وراءهم جهة خارجية قد تكون دفعتهم عن حسن نية الى هذا المـوقف، حيـث يبدو ان بـلاط العـداء لاميركـا وعملائهـا في المنطقـة العربيـة - وما اكثرهم - مبطن بأصحاب النيات الحسنة.

وما يلفت النظر، هو ان خطاب الزين المخفف قليلاً في البداية، سرعان ما انتقل من الاتهام الى التهديد بالكشف عن الملفات السرية لموقعي البيان. ففي اطار من التخوين يقول: "اعتقد ان جهة اخرى ربما نجحت في استدراجهم وايقاعهم في الفخ بسبب الثقافة السياسية التي يحملونها"، والتي تؤهلهم كما يرى الزين للاختراق. لكنه سرعان ما يحكم على ذلك بالتأكيد، بقوله "إن الجهة التي نصبت لكم فخ البيان هي جهة لا تريد رأس اياد العلاوي" بل مستقبل العراق، كما يفهم من تحليل الزين. وهو يعزو ذلك الى "اللوبي الصدامي" الذي نجح في اختراق الكثير من المثقفين والسياسيين العرب تحت وهم العداء لاميركا. وكأن اميركا، لم تحتل الارض العربية، تحت حجج واهية، يعرفها جهاد الزين، وفي اطار مؤامرة مسبقة دبرها من تسمّيهم "نيوزويك" الاميركية "الغستابو" وتقصد العاملين في وزارة الدفاع من المحافظين الجدد لتبرير الحرب على العراق.

والمهم كما أسلفت، ان الزين، سرعان ما ينتقل، من اتهام اصدقائه السوريين بأنهم ضحايا فخ نصب لهم، الى التهديد المبطن والمفضوح في حديثه عن "كوبونات النفط". وهو حديث، مضمر بخبث سياسي مكشوف، أن انتبهوا يا معشر المثقفين السوريين الذين وقعتم على البيان الذي لا يرحب بزيارة علاوي، والذي يسير عكس الترحيب الحار والقبلات الحارة بين رئيس الوزراء السوري، فعلاوي، لا يزال يحتفظ في سرواله بالكثير من كوبونات النفط، وما كشفه المناضل اليساري العنيد فخري كريم زنكنة، ما هو الا الجزء اليسير من جبل الثلج، فحذار، لأن علاوي قد لا يعمل باستمرار ضمن قاعدة عفا الله عما مضى. ومن شأن هذا أن يكشف حقيقة الكثير من موقعي البيان، الذين استفادوا من كوبونات النفط والذين يرتعون بخيرات هذه الكوبونات، ضمن قصورهم الفارهة وسيارات الكاديلاك التي يركبونها. او من شأنه، أن يلفق لهم، تهمة، يكفيها ان تصدر عن خبير دولي بالتلفيق اسمه علاوي او زنكنة.

برأيي، ان الزين، يقع عن عمد في مطب ما يعرف بالمعادلة المستحيلة الحل، وهي المعادلة المرفوضة، فإما أن نقبل بعلاوي والا فنحن من جماعة صدام حسين. ومن هنا أقول لصديقنا، أنه على الرغم من شيطنة صدام لتبرير احتلال العراق، من جانب الولايات المتحدة، فإن معظم الموقعين لم يكونوا من أنصار صدام، ولا من أزلامه، لا بل، كتبنا مراراً ننتقد الديكتاتورية الصدامية التي قادت الى ما قادت اليه. فلماذا تضع اصدقاءك يا سيدي، في "خانة اليك" كما يقال في العامية؟ وهل هم على هذه الدرجة من الفقر النظري والديموقراطي ومن الغفلة السياسية، ليكونوا وحسب اتهامكم، اما مع او ضد، اما مستفيدين من نظام سابق، او حساداً نموذجيين كما يحلو للسيد توماس فريدمان أن يصنف اعداء الولايات المتحدة، اما مع الحكومة الانتقالية الحالية واما مع جماعة مصعب الزرقاوي؟

لقد أردنا، يا صديقي، من خلال البيان، أن نقول لا، لاستقبال علاوي الذي اصبح دليلاً لقوات المارينز على البيوت الآمنة في الفلوجة وغيرها بحجة انها اصبحت موئلاً لانصار الزرقاوي، ولا للترحيب به فتاريخه الشخصي كما تعلم وتقول معروف، ولا لمن استقبلوه بالقبل والأحضان. وكنا نتمنى لو خرجت أكثر من مسيرة في دمشق تندد باستقبال علاوي كما حدث في لبنان، لتشهد على حيوية مجتمع جرى اغتيالها منذ زمن بعيد. لذلك أردنا ان نقوم بواجبنا، على حد تعبير تلك الاسطورة التي تقول: إن فارساً مرّ بعصفور، فوجده مستلقياً على ظهره وأرجله الى السماء، وحينما سأله الفارس لماذا أنت هكذا، أجاب العصفور: سمعت أن السمـاء سـوف تنطبـق على الارض فرفعـت رجلـيّ فضحك حينها الفارس قائـلاً لـه: وهـل نسيـت أنك عصفور؟ فأجاب العصفور "لا يا سيدي، لم أنس ذلك، ولكننــي أردت أن أقوم بواجبي".

في كتابه "نقد العقل السياسي" يرى المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، ان تاريخ العقل السياسي هو تاريخ وهم. بمعنى أن هذا العقل يعيش على أوهام ويندفع نحو أوهام، ويناضل من اجل أوهام، من هنا الحاجة كما يرى دوبريه الى بيان من اجل أوهام العقل السياسي ونقول هنا، بخاصة من اجل العقل السياسي العربي الذي ما زال محكوماً بالعقلية التآمرية التي وقع في فخاخها صديقنا الزين، بالرغم من ذكائه واطلاعه ومكره بمعناه الايجابي (مكر الفنان والمبدع السياسي).

 

أحد موقعي "بيان المثقفين السوريين"