الأمور ومسمياتها ...

حسين العودات

 

رد الصديق جهاد الزين على البيان الذي عبّر من خلاله بعض المثقفين السورين عن استيائهم من زيارة السيد اياد علاوي لدمشق وعدم ترحيبهم به واعتباره من غير المرغوب فيهم، ورأى ان فحوى البيان لم تخرج عن الثقافة السياسية السائدة وان لغته لغة محاكم انظمة الطوارئ واستنتج ان المثقفين الموقعين استدرجوا لاصدار مثل هذا البيان ووقعوا في الفخ. وقسوا على السيد علاوي، وان دعوتهم لعدم استقباله هي دعوة عبثية توحي انهم يريدون اغلاق افق تحول العراق الجديد والحال في العراق اعقد واغزر من ان تقتصر على مخاطبة شخص.

اود ان اذكر الصديق جهاد بشهادات مقربين من السيد علاوي (زوجته وزملاؤه ورفاقه في الدراسة والحزب والعمل السياسي) وبما نشر في الصحافة الاميركية والبريطانية والاوسترالية والعربية في صحف رصينة اكد بعضه هو نفسه ولم ينف البعض الآخر، خلاصته انه كان من رجال صدام المعتمدين في مهمة قمع طلاب العراق، في الداخل، ثم في اوروبا، وانه اوفد للدراسة لهذا الهدف وادى مهمته بنجاح في الداخل والخارج، ثم انقلب على صدام لاسباب مالية، وساهم في تنفيذ مهمات ارهابية في بغداد في ما بعد، وعاد الى العراق على الدبابة الاميركية، واصبح عضوا في مجلس الحكم الموقت الذي مارس معظم اعضائه انواع النهب كلها، وعين اخيرا رئيسا للحكومة الموقتة بقرار من المحتل الاميركي.

اذكر الاخ جهاد ان بواكير اعمال السيد علاوي رئيسا للحكومة الموقتة كانت اعادة العمل بتطبيق الاعدام وسعيه لتطبيق الاحكام العرفية وتبريره قصف المدنيين بالطائرات الحربية الاميركية في الفلوجة وغيرها من خلال اعلان موافقته اللاحقة على هذا القصف والزعم بأنها كانت موافقة مسبقة (والحال لا تختلف على اية حال) وقتله بعض المعتقلين بمسدسه، وانكاره وجود مقاومة في العراق (فكلهم ارهابيون) مع ان الرئيس بوش نفسه تفهّم اعمال المقاومة وقال "لو كنت مكانهم لفعلت مثلهم". وتوج السيد علاوي فضائله بأن افتخر بتعاونه مع عدد من اجهزة الاستخبارات الاجنبية يتجاوز العشرة.

اشير ايضا الى مواقفه من مفهوم السيادة وانسحاب قوات الاحتلال الاجنبية (التي يؤكد انها قوات متعددة الجنسية) وكأن تغيير الاسم يغير المضمون والمهمة، وتجاهل ضرورة تقنين مهمتها وتحديد موعد مغادرتها، ودور العراق العربي، والتواجد الاسرائيلي في العراق، ونهب الشركات الاميركية اموال العراق تحت شعار اعادة الاعمار وغيرها من المواقف والممارسات التي لا تدعو للافتخار.

لا اريد ان اتوقف عند سلوكه الشخصي الذي نشره بعض اصدقائه وجيرانه والمقربين منه مثل ضرب امه وزوجته، مع ان السلوك الشخصي للرجل العام هو واحد من المعايير التي تؤخذ في الاعتبار، خاصة لمن يقدم نفسه كزعيم ومنقذ لبلاده وشعبه وواحد من اعلام الديموقراطيين الجدد في البلدان العربية.

يشير الاخ جهاد الى ممارسات صدام حسين التي كادت ان توصل العراقيين الى التعامل مع الاجنبي، وذلك في معرض دفاعه عن تعامل السيد علاوي مع الاستخبارات الاجنبية، واتساءل هنا هل ممارسات صدام حسين وسياسته هي معيار يقاس عليه؟ وهل تبرر تلك الممارسات للسيد علاوي قمع طلاب العراق في الداخل والخارج والتعاون مع الاستخبارات الاجنبية وتسهيل قدوم جيوش الاحتلال وتنفيذ سياسة المحتلين في بلاده وتبرير قتلهم المدنيين وتدمير البلاد فضلا عن نهبها؟ وهل هناك تسمية لهذا غير العمالة؟ يبدو لي ان بعض الليبراليين العرب الجدد بدأوا يقعون في خط الخلط بين الاستفادة من ظروف التطور العالمي ومفاهيمه الجديدة (والنظام العالمي الجديد) وثورة الاتصالات والعولمة وغيرها من ناحية والتعاون المباشر ليس فقط مع سادة الامبراطورية الجديدة بل مع جيوشها المحتلة من ناحية ثانية، والفرق كبير بين الحالتين. ولنتذكر سقطة جماعة كوبنهاغن والتطبيع مع اسرائيل وشعارات الواقعية على حساب الحقوق الوطنية بل حق تقرير المصير، وما اشبه هذا بذاك.

لا شك في ان العراق على ابواب تحول (اعقد واغزر من ان يقتصر على مخاطبة شخص) كما يقول الاخ جهاد، ولكن القبول بالسيد علاوي وامثاله وممارساته وتعاونه مع المحتل والاعتراف بشرعيتهم سيجعل التحول العراقي الى العدم وسيجعل من العراق جمهورية موز، فرؤية التحول العراقي لا تعني قبول توجهه الاميركي.

اخيرا، اما استياء الأخ جهاد من  لغة البيان التي تشبه لغة محاكم انظمة الطوارئ فهذا من حيث المبدأ ليس امرا شديد الشذوذ فقد طبعت هذه اللغة ثقافتنا السياسية العربية خلال مئات السنين وترسخت من خلال الانظمة الاستبدادية في العقود الاخيرة واصبنا جميعا بهذه اللوثة، بمن فينا الاكثر اعتدالا (من الليبراليين الجدد). ولكن هل يراد منا ان نقول عن السيد علاوي انه (رجل ذو اهواء) بدلاً من قولنا صراحة بعمالته وتواطئه مع المحتل ومساهمته في الغاء العراق حتى تكون لغتنا سلسلة لينة؟ أليس من الافضل ان نسمي الامور بمسمياتها لئلا نخدع انفسنا وشعبنا؟

 

أحد موقعي "بيان المثقفين السوريين"