خطاب عبثي: الباء بعد العين...

 جهاد الزين... النهار

I

يجب الاعتراف - بالأحرى ندعو كثيرين غيرنا الى الاعتراف - بأن المعارضة السورية المقيمة في دمشق نجحت تماماً منذ ما قبل سقوط بغداد الى ما بعده في "تعطيل" اي محاولة من "الحرس القديم" في النظام السوري لتصويرها كأنها او الايحاء بأنها على صلة مشبوهة بأوساط خارجية وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية.

لكن على ما يبدو "استطابت" هذه المعارضة، او بعض قادة الرأي المؤثرين فيها هذا النجاح المهم - وأسميه مهماً بل حيوياً بلا تردد - الى درجة تحوّله الى عادة من ذلك النوع من العادات التي تبدأ "صحية" وتتحول "مرضية" (بفتح الميم والراء).

ما يدفعني الى هذا الاستنتاج هو البيان(*) الذي صدر في دمشق السبت المنصرم تحت عنوان "بيان من المثقفين السوريين" ويحمل موقفاً شخصياً حاداً من رئيس الوزراء العراقي الزائر الى سوريا ولبنان ضمن جولته المتواصلة.

لو لم تكن التواقيع التي قرأت في اسفل البيان هي تلك الاسماء التي اعرف، ومن جملة ما اعرف ان عدداً منها امضى سنوات في السجون، لاعتقدت بدون تردد ان اللغة المستخدمة فيه هي لطه ياسين رمضان الجزراوي او طارق عزيز او اي اسم من اسماء النظام العراقي السابق، وهي لغة محكمة عسكرية ثورية من محاكم احد انظمة الطوارئ الذي ينتهي عادة بحكم اعدام "الخائن".

اذن ايها الاصدقاء انتم الذين أفلتّم - سياسياً - منذ بدأت معارضتكم وبكفاءة واصالة من تهمة "المعارض - الجاسوس" تختارون هذا التوقيت لتقولوا لأياد علاّوي: انت كنت "معارضاً - جاسوساً" وقد اصبحت "حاكماً عميلاً". واين تقولون هذا الكلام؟ في العاصمة التي استقبلت اياد علاوي كرئيس لوزراء العراق...

لست معنياً بالدفاع عن تاريخ اياد علاوي الشخصي، سواء ايام كان بعثياً او بعد ان اصبح معارضاً لصدام حسين. وهو تاريخ موضع خلاف جاد طبعاً لكني اقف عند نقطتين - أراهما جوهريتين - حيال الموضوع:

النقطة الاولى هي ان "فحوى" البيان (بمعنى مفاهيم لغته) تنم عن ثقافة سياسية، كتبتُ ذات مرة، انها هي نفسها ثقافة النظام السياسي الذي يصنف موقعو البيان انفسهم كما هو معروف في خانة معارضيه. بهذا المعنى - يذكر الصديق ميشال كيلو تحديداً حواراتنا الشفهية حول هذا الموضوع - فإن "السجين" يحمل ثقافة "السجّان" نفسها. ثقافة كهذه، علينا الاعتراف جميعاً بشجاعة، انها اذا صح توصيفها تجعل تاريخ سوريا الحديث وخصوصاً منذ عام 1970 كالتالي:

لو لم يسجن رأس النظام العسكري من سَجَنَهم، لكانوا هم سجنوا رأس النظام.

هكذا يمكن - من ناحية الثقافة السياسية - ان نصف العلاقة بين النظام ومعارضيه حين تجمعهم ثقافة سياسية مشتركة.

البيان ينضح بهذه الثقافة التي لا اريد ان اقول انها تعني انه لو كان اصحاب البيان في السلطة لأعطوا لانفسهم حق قتل اشخاص بالمواصفات التي يطلقونها على اياد علاوي داخل بلدهم وخارجه... حتى بدون محاكمة! اقول ذلك ويؤسفني ان اتوجه به، في مناسبة نقاشية كهذه، الى مناضلين فعليين شرفاء دفعوا طويلاً اثماناً باهظة في حياتهم لقاء مواقفهم السياسية وبعضهم لا زال. بل انهم من اولئك المثقفين من ممارسي الشأن السياسي الذين يجعلوننا نحن "النشطاء السياسيين" اللبنانيين... مجرد هواة اذا قارنّا كلفة العمل السياسي في لبنان... بكلفتها الباهظة في سوريا (حتى لو اصبحت الدولتان تابعتين لقيادة سياسية واحدة ضمن منظومة اسميناها اصطلاحاً "منظومة اقليم الشام" لأنها تدار من مرجعية واحدة ولكن بنظامين سياسيين مختلفين).

اما النقطة الثانية... فهي بعكس الاولى. الاولى تفترض حسن النية لانها ترمي المسؤولية على "الثقافة السياسية". الثانية تتساءل عن "سوء النية" ليس لدى الموقعين ولكن لدى جهة اخرى اعتقد انه ربما نجحت في استدراجهم وايقاعهم في الفخ (ايضاً بسبب "الثقافة السياسية").

عادة قبل الحرب الاميركية على العراق... كان "اللوبي الصدامي" ناجحاً جداً في استدراج مواقف من شخصيات عربية (لا عراقية) لصالحه تحت شعار اولوية مواجهة السياسة الاميركية. بعد سقوط النظام لا زالت بقايا "اللوبي الصدامي" تعمل - وبفعالية - مع قوى وجهات اخرى الآن.

الموضوع ايها الاصدقاء، ان الجهة التي نصبت لكم فخ هذا البيان هي جهة لا تريد رأس اياد علاوي... بل كان اياد علاوي بكل مواصفاته التي تسردونها عن علاقته القديمة بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (لا تنسوا... كاد الشعب العراقي يصبح برمته "عميلاً" للمخابرات المركزية الاميركية ايام النظام القديم) سيصبح الحليف المفضّل لهذه الجهات لو كان خطه السياسي مختلفاً.

هذه الجهة... التي اوقعتكم في فخ البيان تريد رأس رئيس وزراء العراق... كائناً من كان. رئيس وزراء العراق الجديد. تريد اغلاق اي افق للتحول الجديد في العراق... لأن النموذج الفعلي الوحيد الذي يلائمها هو صدام حسين. كأن صدام البطل القومي لهؤلاء الآن لم يكن العميل المفضّل لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية التي بات - من شبه المؤكد - انها هي التي اوصلت البعث العراقي الى السلطة عام .1968

كان يمكن للبيان ان يؤكد على مواجهة الاحتلال الاميركي، بل على مقاومته المشروعة، وان يدعو الى قيام سلطة منتخبة (بعد خمسة اشهر) تستمد شرعيتها من الشعب العراقي لا من الاحتلال. اما الدعوة العبثية (انتبه: الباء بعد العين) الى عدم استقبال رئيس وزراء العراق رغم كل المتاعب الهائلة التي يواجهها العراق في ظل الاحتلال، فهي غير مبررة.

اختيار الدعوة الى عدم استقبال رئيس الوزراء العراقي، يشبه الخلط بين المقاومة المشروعة للاحتلال الاميركي وبين عمليات التخريب المتعمد للمرافق والبنى والمؤسسات والتجهيزات العراقية في سياق المجازر المتواصلة ضد العراقيين انفسهم.

خطاب العراق الجديد، أعقد وأغزر من ان يقتصر على مخاطبة شخص. والا كان غير مسؤول لا حيال العراقيين فقط، بل العرب ايضاً.

على اي حال... استقبلت الدولة السورية رئيس وزراء العراق، كما الدولة اللبنانية. وقبلها المصرية. والملفت - وفقاً لمعلومات نقلها لي احد اعضاء الوفد العراقي - ان الوفد كان مندهشاً من نسبة التعاون الايجابي العملي مع الزوار العراقيين الذي ابداه الجانب الرسمي السوري (... خطان تحت كلمة: "مندهشاً" وانا ازعم انه كان يعني ما يقول).

II

في حديثه السريع لصحيفة "السفير" امس... قال اياد علاوي عندما سألته الصحيفة عن "حقيقة كوبونات البنزين" التي كان يوزعها نظام صدام حسين ان "لديه لائحة"... ولكن اضاف: "يقول المثل اللي فات مات. عفا الله عما مضى"...

لم يوفّق اياد علاوي في هذا الجواب، بل ارتكب خطأ غير مقبول اياً تكن حسابات "الدولة العراقية" الجديدة التي تريد الآن - على الاقل - الاحتفاظ بسرية المستفيدين من "كوبونات النفط" وهم اكثر واخطر مما اعلن في اللائحة الاولى التي نشرها فخري كريم في "المدى".

ارتكب خطأً فادحاً لأنه لو اخذنا بقاعدة عفا الله عما مضى... لوجب اذن وقف محاكمة صدام حسين نفسه!

لم يعف الله عما مضى، ولا يجب ان يعفو. فهذه مسألة تتعلق (الكوبونات) بالفساد... الناخر عميقاً في بنانا السياسية.

جهاد الزين

* "بيان من المثقفين السوريين

يعبّر المثقفون السوريون الموقعون على هذا البيان عن استيائهم من زيارة المدعو اياد علاوي رئيس وزراء حكومة الاحتلال الاميركي للعراق وعدم ترحيبهم بشخصه، ويعتبرونه غير مرغوب به في بلادهم، ليس بسبب تاريخه الشخصي المشين وحسب، بل ايضاً لكونه وحكومته ادوات بيد الاحتلال ضد العراق والامة العربية، ولأنه وحكومته يعدان العراق كي يكون قاعدة انطلاق لاعادة تشكيل المنطقة وادخالها تحت السيطرة الاميركية الاسرائيلية. واذ يذكرون بالممارسات الارهابية التي نفذها علاوي ضد الشعب العراقي، فإنهم يشيرون كذلك الى انه كثيراً ما تبجح بعمالته لاجهزة الاستخبارات الاجنبية.

الاسماء الموقعة: ميشال كيلو، حميد مرعي، تركي علي الربيعو، كمال الطويل، عمر كوش، حسين العودات، احمد فائز الفواز، امجد الكلاس، سليم خير بيك، حمدان حمدان، هيثم المالح، عز الدين دياب، عمار قربي، فايز سارة، رجاء الناصر".