مستقبل الاقتصاد السوري بين التهديدات والفرص..2..

 نبيل سكر ... السفير

 

ثانياً التهديدات والفرص
أمام هذه الصورة غير الباهرة للوضع الراهن للاقتصاد السوري، تلوح في الأفق تطورات واستحقاقات تهدد نمو الاقتصاد السوري واستقرار <<إطاره الكلي>>، كما تلوح في الأفق فرص جديدة للاستثمار والتصدير يمكن أن تساعد على خروج الاقتصاد من محنته وتعزيز قدراته التنموية. فما هي هذه التهديدات وما هي هذه الفرص؟
1) التهديدات
هناك خمسة تهديدات رئيسية للاقتصاد السوري في المستقبل المنظور وهي التالية:
يتشكل التهديد الأول من استمرار الوضع الاقتصادي الراهن الذي يؤدي إلى استمرار انخفاض مستوى المعيشة وتزايد البطالة واستمرار تدني القدرة التنافسية لسوريا واستمرار تدنيها في سلم التنمية العالمي. ويشكل كل هذا تهديداً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لسوريا.
ويتشكل التهديد الثاني من تدني إنتاج وتصدير النفط الخام، بسبب تآكل المخزون النفطي، وعدم قدرة قطاعات الاقتصاد الرئيسية الأخرى، الصناعة والزراعة والسياحة، على التعويض عما يقدمه قطاع النفط للاقتصاد الوطني. ويبلغ الاحتياطي النفطي لسوريا القابل للاستغلال حوالى 3 مليارات برميل، بينما يبلغ احتياطيها من الغاز الطبيعي حوالى 240 مليار متر مكعب. ويبلغ إنتاج سوريا من النفط حوالى 480,000 برميل باليوم (بينما تقدره الجهات الرسمية ب550,000 برميل باليوم) في الوقت الحاضر، ولكن يتوقع أن يتناقص هذا الإنتاج بشكل كبير ابتداءً من العام 2008. وبينما يتضاءل إنتاج النفط، يتوقع أن يتزايد إنتاج الغاز (خاصة بعد تطوير الحقول في شمال شرقي وغرب تدمر المعروض للاستثمار في الوقت الحاضر والذي تبلغ طاقته حوالى تسعة ملايين متر مكعب في اليوم) الذي سيغذي المحطات الكهربائية والمصانع الثقيلة، ما سيطيل عمر تصدير سوريا للنفط.
لكن الساعة آتية لا محالة، وستصبح سوريا، بسبب تدني إنتاج النفط، وتزايد استهلاكه محلياً، مستورداً صافياً للنفط (استيرادها أكثر من تصديرها) في حوالى العام 2015، أي بعد حوالى عشر سنوات، وسينحدر إنتاجنا النفطي إلى حوالى 300,000 برميل في اليوم بحلول العام 2020. وسيؤدي انخفاض الإنتاج والتصدير النفطي إلى اختلالات في كل من الميزان التجاري ومالية الدولة العامة، ما سيقلص من موارد الدولة من القطع الأجنبي وموارد ميزانيتها العامة، وهذا بدوره سيهدد بأزمة تضخم واحتمال تدهور في سعر العملة، فضلاً عن تأثيره على مشاريع التنمية وعلى المشكلة الاجتماعية في سوريا.
لكن من جهة أخرى، قد يكون بالإمكان أن تعوض سوريا من بعض خسارتها أعلاه، نتيجة عائدات ترانزيت جديدة تجنيها من مشروع خط الغاز العربي الذي يبدأ من العريش في مصر ليصل إلى دمشق وبانياس (عن طريق العقبة وعمان) ومنها إلى تركيا وبعض دول أوروبا الشرقية. كذلك قد تستطيع سوريا أن تعوض بعض خسارتها من عائدات ترانزيت نفطية، إذا ما تم بناء أنبوب نفطي جديد ما بين كركوك في العراق وبانياس في سوريا (بطاقة 1,4 مليون برميل باليوم كما يدرس الآن)، فضلاً عن إعادة تشغيل خط أنابيب النفط القائم حالياً بطاقة 200 ألف برميل باليوم. وقد تضخ سوريا أو بعض الشركات القائمة استثمارات كبيرة لتطوير التقنيات المستخدمة حالياً في استخراج النفط من الآبار الحالية. لكن هذه كلها مشاريع على الورق، ويبقى انخفاض إنتاج وتصدير النفط المتوقع قريباً يشكل تهديداً حقيقياً لنمو الاقتصاد السوري ولاستقراره النقدي والمالي في غضون عشر سنوات من الآن.
ويأتي التهديد الثالث من معدلات الزيادة السكانية التي تبلغ 2,7% بالسنة، ومن التركيبة السكانية الفتيّة التي يشكل الشباب دون سن العشرين فيها نسبة 53% من مجموع السكان. هذه التركيبة السكانية ترفد حوالى 300 إلى 350 ألف فرد إلى سوق العمل سنوياً وتهدد ببطالة متزايدة تضاف إلى البطالة القائمة حالياً والمقدرة بنسبة 20%، فضلاً عن البطالة المقنعة في مؤسسات ومصانع الدولة والتي ستتحول إلى بطالة حقيقية حين يتم إصلاح هذه المؤسسات والمصانع. وقد تتحول مشكلة البطالة في سوريا إلى أزمة فقر إذا استمر النمو الاقتصادي بوتيرته الضعيفة الحالية. ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان سوريا من حوالى 17 مليون نسمة في الوقت الحاضر إلى حوالى 22 مليون نسمة في العام 2015 وإلى حوالى 30 مليون نسمة في العام 2030.
أما التهديد الرابع فيأتي من التوتر الأمني الخارجي الذي يفرض على سوريا أعباء عسكرية كبيرة، حيث تنفق سورية حوالى 6% من دخلها القومي و30% من موازنتها العامة و5,5% من مجموع مستورداتها على التسلح، وذلك بسبب استمرار احتلال إسرائيل لأراضيها ولأرض فلسطين، وبسبب امتلاك إسرائيل أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن رفض الأخيرة التوقيع على الاتفاقية الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية. وقد أضاف الاحتلال الأميركي للعراق منذ عام ونصف المزيد من التوتر الأمني في المنطقة. وسيبقى الاحتلال الإسرائيلي لأرض سورية ولأرض فلسطين، واستمرار الوجود الأميركي على حدود سوريا الشرقية، مصدري تهديد لأمن سوريا، وسيجبرانها على استمرار إنفاقها العسكري المرتفع على حساب إنفاقها لغرض التنمية.
كذلك سيعيق هذان التهديدان تدفق الاستثمار الخارجي إلى سوريا كما سيعمق اضطرارها لاستمرار إنفاقها العسكري المرتفع، وسيحد من قدرتها المالية على تمويل عمليتي الإصلاح والتنمية، خاصة مع قرب تدني مواردها النفطية. ويضاف إلى هذا وذاك أن التهديد الأمني الخارجي يشكل دائماً مصدر قوة للجهات الداخلية غير الراغبة في الإصلاح.
هذا الوضع الخطير سيضع سوريا في موقع حرج في المستقبل، حيث استطاعت سوريا في الماضي أن تجمع بين تلبية متطلبات التنمية ومتطلبات الدفاع في الوقت نفسه، وإن كان بنجاحات متواضعة، بفضل المساعدات الخارجية تارة وأموال النفط تارة أخرى. ولكن ماذا يخبئ المستقبل لسوريا بعد انحسار أموال النفط؟
2) الفرص
مقابل هذه التهديدات، هناك فرص عديدة مرتقبة للاقتصاد السوري وأهم هذه الفرص هي التالية:
تكمن الفرصة الأولى في فوائد الشراكات الاقتصادية التي عقدتها وتعقدها سوريا في محيطها العربي كما في محيطها الأوروبي والعالمي. فهناك اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي دخلتها سوريا في العام 1997، وهناك الاتفاقيات التجارية الثنائية السورية العربية، وهناك الشراكة الأوروبية المتوسطية، وهناك انضمام سوريا لمنظمة التجارة العالمية.
فمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تفتح لسوريا مجالا لتصدير منتجاتها من دون أية قيود وبالكامل إلى أسواق 14 دولة عربية بحلول العام 2005. ومن ضمن الاتفاقيات التجارية الثنائية العربية ستفتح منطقة التجارة الحرة السورية اللبنانية مزيدا من التجارة بين البلدين، وستفتح اتفاقية التجارة الحرة بين سوريا والعراق، والتي لا بد أن يعاد تنشيطها بعد استعادة العراق سيادته على أراضيه، فرصاً لتعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي بين البلدين وفرصاً للمقاولين السوريين للمساهمة في إعادة إعمار العراق. وعلى المدى البعيد، يمكن أن يشكل العراق، وهو بلد كثيف برأسماله ضعيف بعمالته، منفذاً للعمالة السورية الفائضة على المدى الطويل. كذلك سيتيح الانفتاح التجاري والسياسي الجديد على تركيا، والذي طال انتظاره، المزيد من التعاون التجاري والاستثماري والتنموي بين البلدين، وستشكل تركيا المنفذ البري لسوريا إلى الاتحاد الأوروبي.
وإذا انتقلنا إلى المحيط الأوروبي فإن مشروع اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين سوريا والاتحاد الأوروبي المزمع عقدها في ظل إعلان برشلونة، ستعزز الأسواق المفتوحة حالياً لسوريا من قبل 15 دولة أوروبية، وستضيف إليها أسواق 10 دول أوروبية (شرقية ووسطى) جديدة انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في الأول من أيار من هذا العام. صحيح أن هذه الاتفاقية ستهدد بعض الصناعات المحلية وستقلص بعض الشيء من الموارد المالية للدولة على المدى القصير والمتوسط (بسبب إزالة الرسوم الجمركية)، لكن هذه الاتفاقية تحمل معها فرصاً للتصدير وفرصاً لجذب الاستثمار إلى سوريا، إذا قامت سوريا بالإصلاحات اللازمة في اقتصادها وإذا ما تكاملت جهود الشراكة الأوروبية المتوسطية مع جهود إقامة السوق العربي الكبير في ظل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
وتحدثنا تجربتا اسبانيا والبرتغال حين انضمتا إلى الاتحاد الأوروبي عن الشركات التي اضطرت للخروج من السوق نتيجة المنافسة من السلع الوافدة من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ولكن تحدثنا تجربة هاتين الدولتين كذلك عن الشركات والاستثمارات الجديدة التي قامت للاستفادة من الفرص التي فتحها الاتحاد الأوروبي للسلع الاسبانية والبرتغالية والتي فاقت في عددها الشركات والاستثمارات التي تم إغلاقها. لكني أعتقد أن إقامة السوق العربي الكبير هو الأساس لإمكانية استفادة سوريا من الشراكة الأوروبية المتوسطية.
وبالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، فإن نجاح مساعي سوريا التي بدأت في نهاية العام 2002 لدخول المنظمة العالمية سيخفض الرسوم الجمركية أمام السلع الصناعية والزراعية السورية المتجهة إلى دول العالم، كما يفتح السوق السوري للمزيد من المنافسة العالمية، ومن فرص التحالفات مع الأسواق العالمية الأخرى، فتتعزز بذلك فرص سوريا للانخراط في حلقات الإنتاج والتسويق العالمية.
وتتشكل المجموعة الثانية من الفرص من النشاط الكبير في ميادين النقل والاتصالات والتأمين والعمل المصرفي، إضافة إلى نشاطات التغليف والتوضيب وخدمات المرافئ والتي ستنتج جميعها عن الشراكات التجارية الجديدة المقبلة لسوريا والتي أشرنا إليها أعلاه. والجدير بالذكر أن كلاً من بنود منظمة التجارة العالمية والبنود التي تم الاتفاق عليها بين سوريا والاتحاد الأوروبي في ظل مشروع الشراكة السورية الأوروبية تتضمن التزاماً من قبل سوريا بتحرير قطاعات الخدمات لديها في فترة لاحقة، بما فيه فتح أسواقها وأراضيها لدخول الشركات العائدة للأطراف الأخرى في هذه الاتفاقيات، كما تتضمن التزاماً من قبل الأطراف الأخرى بالسماح للشركات السورية لتخدم أسواقها والوجود فيها.
أما المجموعة الثالثة من الفرص فهي الفرص التي توفرها عملية الإصلاح الاقتصادي بشقيها المصرفي والإنتاجي. ففي القطاع المصرفي هناك حاجة لتعميق وتوسيع وتنويع المنتجات الادخارية والاستثمارية، وهناك فرص في مجال إقامة صناديق الادخار والاستثمار وصناديق رأس المال المبادر وشركات التأجير التمويلي وإقامة المؤسسات المالية غير المصرفية ومصارف قطاع الأعمال، ثم هناك فرص إقامة المؤسسات المساندة للعمل المصرفي من شركات مالية ومحاسبية ومؤسسات استشارية وتدريبية، وهناك خدمات التجارة الإلكترونية وخدمات بطاقات الائتمان وغيرها. ثم هناك فرص إدخال القطاع المصرفي السوري بعد تطويره وتحديثه إلى المنطقة العربية ليعمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات المصرفية العربية المختلفة.
في القطاع الإنتاجي، هناك فرص في كل من الصناعة والزراعة والسياحة. ففي قطاع الصناعة تستعد سوريا لإعادة هيكلة قطاع الصناعة لديها الذي كان ضحية الحقبة النفطية، فترفع من نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وترفع من مكونه التكنولوجي وتعمل على إدماجه في حلقات الإنتاج والتسويق العالمية. كما هناك فرص للاستثمار في إعادة هيكلة القطاع الزراعي لإخراجه من تقليديته وإدخال المكننة الحديثة إليه، وإقامة الشركات الزراعية الإنتاجية والتسويقية الكبرى بهدف الاستفادة من إمكانياته الطبيعية الكبيرة، حتى تصبح سوريا سلة غذاء للمنطقة العربية. وفي مجال السياحة هناك إمكانيات استثمارية كبيرة على الساحل السوري وإمكانيات استثمارية أخرى في المواقع الأثرية العربية والرومانية والبيزنطية وغيرها والتي تكاد لا تخلو محافظة سورية واحدة منها.
وأخيراً هناك فرص الخدمات المساندة للقطاعات الإنتاجية، وفرص خدمات الاتصالات وتقنيات المعلومات وفرص التعليم والتدريب والتأهيل للقوى البشرية العاملة في كل القطاعات الاقتصادية السورية والتي تحتاج لقفزة نوعية في تطوير قدراتها وفي أساليب عملها.
ثالثاً: الإصلاح لرفع وتيرة التنمية كما لتعزيز الفرص والتخفيف من التهديدات
في مواجهة الاختلالات الكبيرة في الاقتصاد السوري والمتراكمة على مدى السنوات العديدة الماضية، وفي مواجهة المتغيرات المتسارعة في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وحتى تستطيع سوريا الاستفادة من الفرص والتخفيف من التهديدات المقبلة عليها، تحتاج سوريا لرؤية جديدة حول مستقبلها الاقتصادي والسياسي في المنطقة وترجمة هذه الرؤية إلى عملية إصلاح عميقة وشاملة ومتعددة الجوانب، مترافقة مع خطة تنمية شاملة، وذلك حتى ترقى سوريا إلى مستوى التحدي الداخلي والتحدي الخارجي الذي تواجهه. كذلك تنبع الحاجة للإصلاح الشامل والعميق من أن سوريا قدمت في مفاوضات اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تم إنجازها بتاريخ 9 كانون الاول 2003 التزامات بالنسبة لتحرير تجارتها الخارجية بحلول العام 2012، مما لا يمكن لها تحمل تبعاتها سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية إذا لم تقم بالتحرير الداخلي وبتقوية قدراتها الذاتية المحلية وبسرعة كبيرة.
إذاً فإن الإصلاح الذي تحتاجه سوريا ليس هو إصلاح <<التطوير والتحديث>> الذي تنتهجه اليوم، لكنه إصلاح <<القفز إلى الأمام>>
The Great Leap Forward، الذي اعتمدته الصين في أواخر الستينيات والذي تعتمده اليوم. إن <<التطوير والتحديث>> يعني طريق الخطوة خطوة وهذا الطريق لا يرقى إلى مستوى التحديات، وقد يكون أكثر تهديداً للاستقرار الاجتماعي من خطر القفز إلى الأمام، خاصة أن سوريا تأخرت بما لا يقل عن خمس عشرة سنة عن جاراتها بالنسبة للإصلاح المطلوب، وقد ضيعت عقد التسعينيات، الغني بالموارد النفطية، وتواجه الآن تهديدات اقتصادية واجتماعية بسبب ذلك. كما ان الموجة المتصاعدة للعولمة والتقدم العالمي الحاصل في تكنولوجيا المعرفة والمعلومات يهدد غير القادرين على مواكبته بالتهميش. وقد علمتنا تجارب ماليزيا والصين وتجارب دول أوروبا الشرقية والوسطى أن الإسراع بالإصلاح، مع التحصن والاستعداد ومواجهة التبعات الاجتماعية له، هو الأسلوب الأفضل له. كما رأينا الاتحاد الأوروبي يستوعب في صفوفه منذ الأول من أيار من هذا العام الدول الأوروبية الشرقية والوسطى التي سارعت في الإصلاح مثل بولندا وهنغاريا وسلوفينيا، لكنه ترك بلغاريا ورومانيا غير القادرتين على الخروج من إرثهما السابق إلى مرحلة لاحقة.
كذلك من الأفضل لسوريا الاستفادة من الموارد النفطية المتوافرة الآن وقبل نفادها، لاتخاذ قرارات الإصلاح الصعبة، (وقد تكون المؤلمة). وكلنا يعرف أن لا إصلاح من دون ثمن، وكلما تأخر الإصلاح كلما ارتفع هذا الثمن وازدادت صعوباته وتعقيداته. ولتعميق فعالية برنامج الإصلاح وتخفيف صعوباته، لا بد من مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في إعداد البرنامج، كما في تنفيذه، وأن تلعب هذه المؤسسات دور المشارك والرقيب والمسائل والمحاسب.
لا بد من التأكيد على أن تأخر سوريا بالإصلاح سيفرض عليها أن تتعامل دفعة واحدة مع ثلاثة أجيال من الإصلاحات، مرت وتمر بها دول الجوار ودول العالم النامي على مدى الخمس وعشرين سنة الماضية. ويتمثل الجيل الأول من هذه الإصلاحات باعتماد نظام السوق وأولوية القطاع الخاص في العمل الإنتاجي وبالحفاظ على إطار اقتصادي كلي سليم، ويؤكد الجيل الثاني على الإصلاح المؤسساتي وإصلاح التعليم والتركيز على التنمية البشرية ومكافحة الفقر، ويتشكل الجيل الثالث من الإصلاح من التركيز على الابتكار والتجديد والارتقاء التكنولوجي، كما على إصلاح القضاء وعلى الشفافية والحكم الصالح وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني. ولا شك بأن التعامل مع هذه الأجيال الثلاثة في الوقت نفسه سيجعل عملية الإصلاح في سوريا عملية صعبة.
كذلك تجدر الإشارة إلى أنه عندما كان لدينا فسحة من الزمن، وكان ذلك في أواخر الثمانينيات، كنا نقول بالإصلاح الاقتصادي مع الإصلاح الإداري، تاركين الإصلاح السياسي لفترة لاحقة1. أما وقد تأخرنا وتأخرنا كثيراً وتغير العالم الاقتصادي والسياسي من حولنا كثيراً، فقد أصبح الإصلاح الاقتصادي مع الإداري مع السياسي أمراً لا مفر منه. فالإصلاح الاقتصادي والإداري مطلوبان الآن بالعمق الذي يتطلب المحاسبة والمساءلة السريعة، لأن فسحة الخطأ المتاحة أصبحت محدودة، ولم يعد من الممكن ترك الإصلاح السياسي ليأتي تابعاً وكنتيجة للإصلاح الاقتصادي. وواقع الأمر أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح الاقتصادي والتنمية بالشكل الذي يجعل سوريا قادرة على رفع مستوى المعيشة للمواطن وقادرة على اللحاق بالآخرين وعلى إدخال سوريا في النظام الاقتصادي العالمي إذا ظل الفكر محتكراً والقرار محتكراً والمجتمع المدني مغيباً.
فما العمل؟ تعتمد سوريا الإصلاح الشامل بأبعاده الثلاثة، الاقتصادي والإداري والسياسي، وتعتمد الإصلاح بأسلوب <<القفز إلى الأمام>> لا بأسلوب <<التطوير والتحديث>>، وتعتمد فكراً اقتصادياً جديداً أساسه نظام السوق وأولوية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية وإدخال سوريا في النظام الاقتصادي العالمي. وفي إصلاح الاقتصاد مع التنمية، تعتمد سوريا ثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء البشري والتكنولوجي2، وفي الإدارة الحكومية تعتمد اللامركزية وفصل الحزب عن الدولة ورفع سوية الأداء الحكومي، وفي الإصلاح السياسي تعتمد التعددية الحزبية دون وصاية أي جهة على الدولة والمجتمع، كما تعتمد الشفافية وحكم المؤسسات والقانون.
ومن أين نبدأ؟ نعمل على كل الجبهات، ونضع أولويات للدخول في الأجيال الثلاثة من الإصلاحات التي أشرنا إليها أعلاه، مع تحديد إجراءات وفترات زمنية محددة للتنفيذ. ولكن نبدأ من تطوير الفكر الرسمي للحزب والدولة باتجاه تبني اقتصاد السوق والإقرار بأولوية القطاع الخاص في العملية الإنتاجية وأولوية دور الدولة في العملية الاجتماعية، ونترجم الفكر الجديد إلى وقف توسع القطاع العام في كل القطاعات الإنتاجية والتركيز على تطوير القطاع الخاص وتحديثه، سواء من حيث توفير المناخ اللازم لعمله أو من حيث ترقية قدراته التكنولوجية والإدارية، وهو ما دعونا إليه في مناسبات عديدة سابقة 3. فتطوير وترقية القطاع الخاص أساسي حتى يستطيع هذا القطاع لعب الدور الرئيسي في العملية الإنتاجية وإدخال سوريا في الأسواق العالمية، وحتى يستطيع أن يشترك مع الدولة في تحقيق مكونات الأجيال الثلاثة من الإصلاحات التي أشرنا إليها أعلاه، بما فيها التطوير المؤسساتي والتعليمي والمعرفي والتكنولوجي. ولا بد من التأكيد على أن نظام السوق وحده لن يصنع المعجزات، ولا بد من بناء القدرات الذاتية لسوريا، المؤسساتية والإدارية والتكنولوجية، وبتعاون القطاعين العام (الإداري) والخاص، حتى تستطيع سوريا أن تدخل في نادي الأقوياء.
لقد آن الأوان لتخرج سوريا من منطق <<الخصوصية>> والانغلاق، وتنتقل إلى <<العالمية>> والانفتاح، ولتأخذ دورها الذي تستحقه في هذا العالم الجديد. لقد سقطت مبادئ التنمية المستقلة التي سادت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وأصبحت قوة الدول الاقتصادية تقاس بقدرتها على المنافسة وانخراطها في النظام الاقتصادي العالمي. كذلك فإن الإصلاح الشامل والعميق لم يعد مطلباً لتعزيز عمليتي النمو والتنمية فقط، بل أصبح مطلباً لحماية الأمن القومي لسوريا الذي يتعزز بالقدرة الاقتصادية. وتستطيع سوريا بإصلاحها العميق أن تدفع عنها معظم الضغوطات والتهديدات الخارجية التي تتعرض لها، فضلاً عن تمكينها من الارتقاء الاقتصادي المطلوب.
(
) المدير التنفيذي للمكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار بدمشق واقتصادي رئيسي سابق في البنك الدولي في واشنطن.
1 انظر د. نبيل سكر نحو اقتصاد اشتراكي متطور في القطر العربي السوري، نوفمبر، 1987.
2 أنظر د. نبيل سكر ثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي في مواجهة العولمة ومتطلبات الاقتصاد السوري، ندوة الثلاثاء الاقتصادية السادسة عشرة، 2/9/2003.
3 انظر د. نبيل سكر، نحو اقتصاد اشتراكي متطور في القطر العربي السوري، نوفمبر 1987 والإصلاح الاقتصادي في سورية، ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثالثة عشرة 22/3/2000 والاقتصاد السوري إلى أين؟ جريدة السفير 15و16 /6/2003، وثلاثية نظام السوق والعدالة الاجتماعية والارتقاء التكنولوجي، ندوة الثلاثاء الاقتصادية السادسة عشرة 2/9/2003.