كيف نطلب من المستثمر القدوم الى سوريا حيث لا تنفذ الأحكام القضائية...

 محمد نجيب العساف.. النهار

 

قبل الكلام على التنمية في سوريا لا بد أن أشير الى التفاوت الكبير بين معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات النمو السكاني في الدول النامية ومنها سوريا، وكذلك الى عدم وجود سياسة واضحة المعالم لردم الهوة بين المعدلين في هذه الدول. كما أنه من المفيد بيان بعض الارقام التي تظهر موقع الوطن العربي اقتصادياً قياساً على الدول المتقدمة في العالم:

1- الناتج القومي للدول العربية مجتمعة هو في حدود 700 مليار دولار وهذا يعادل الناتج القومي لدولة واحدة فقط مثل اسبانيا.

2- اجمالي الصادرات العربية (عدا النفط) يعادل صادرات فنلنده التي لا يزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين نسمة.

3- الصادرات النفطية العربية تراوح بين 300 و350 مليار دولار سنوياً. وهو رقم يعادل المبيعات السنوية لاربع شركات مماثلة لشركة "آي بي أم" الاميركية.

4- الناتج القومي العربي يمثل 1،9 في المئة من الناتج القومي العالمي، في حين يبلغ عدد سكان العالم العربي 8 في المئة من عدد سكان العالم.

5- معدل نمو السكان في العالم العربي يراوح بين 2،5 و3 في المئة بينما لا يتعدى النمو العالمي للسكان 1،5 في المئة.

6- نسبة البطالة في العالم العربي تراوح بين 15 في المئة و20 في المئة من عدد القوى العاملة التي تصل الى ثلث عدد السكان، وهذا يعني ان العالم العربي بحاجة حالياً الى ما بين 15 و20 مليون فرصة عمل للقضاء على البطالة، وباسقاط هذه الارقام على سوريا نجد أننا بحاجة حالياً الى فرص عمل تراوح بين تسعمئة ألف ومليون ومئتي ألف تضاف اليها 200 ألف فرصة جديدة كل سنة بعد ذلك.

ان استعراضنا لهذه الارقام هو فقط للتعرف على مكاننا في العالم. فاذا عرجنا على الاقتصاد السوري الذي هو محور بحثنا هنا وجب أن نذكر ان الناتج القومي السوري يعادل (17) مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من هذا الناتج (950) دولاراً (عدد السكان 18 مليون نسمة)، في حين ان الناتج القومي لدبي وحدها يبلغ (21) مليار دولار مع العلم ان انتاج دبي من النفط يعادل انتاج سوريا من هذه المادة. كما ان نصيب الفرد من الناتج القومي لجارتنا لبنان هو في حدود (5000) دولار سنوياً، واذا رجعنا قليلاً الى اعوام الستينات لوجدنا أن نصيب الفرد السوري من الناتج القومي كان يعادل او يزيد ثلاث مرات عن حصة الفرد المصري من الناتج القومي لبلاده، بينما هي الآن معادلة لها او اقل منها.

امام هذا الواقع لا بد للاقتصاد السوري من قفزة نوعية تتحقق معها معدلات تنمية عالية تهدف في الدرجة الاولى الى ايجاد ما بين 900 ألف ومليون ومئتي ألف فرصة عمل حالياً اضافة الى مئتي ألف فرصة عمل في كل سنة مقبلة. واذا علمنا ان كلفة ايجاد فرصة العمل الواحدة تبلغ (25000) دولار فان سوريا تحتاج الى استثمارات في حدود (50) مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة اي (10) مليارات دولار سنوياً، لتحقيق التوازن المطلوب. وكي تكون الصورة واضحة لا بد أن نذكر حجم الاستثمارات التي حققها قانون الاستثمار منذ صدوره عام 1991 وحتى الآن، فقد بلغت المشاريع المرخصة بموجب هذا القانون خلال تلك الفترة في حدود (8) مليارات دولار نفذ منها ما بين 30 و40 في المئة فقط أي ما يعادل (250) مليون دولار سنوياً، فأين نحن من مبلغ (10) مليارات دولار مطلوب استثمارها سنوياً لتحقيق التوازن في مجال البطالة وحدها؟!

وهكذا فان هذا الحجم الضخم من الاستثمارات المطلوبة يحتاج الى عملية اصلاح اقتصادي هائلة، وذلك لا يكون الا بتوفير المناخ الملائم لاجتذاب المستثمرين، وتشريع قوانين حديثة تتناسب مع هذا الحجم المطلوب من الاستثمارات. وما يبدو من عدم وضوح مثل هذه الصورة امام المسؤولين، مردّه الى عجزهم عن ايجاد الحلول المناسبة، علماً بأننا استبعدنا في حديثنا حجم البطالة المقنعة، كما استبعدنا موضوع تحسين مستوى المعيشة للمواطنين.

وعلى ذلك فان سوريا تحتاج الى خطة اقتصادية قادرة على تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 6 في المئة سنوياً حتى يمكن استيعاب الأثر الناجم عن الزيادة في عدد السكان وتحقيق نمو فعلي في مستويات المعيشة للمواطنين، وتركيبة الاقتصاد السوري (اذا استطاعت سوريا انتهاج سياسات اقتصادية سليمة) ليست لديها القدرة على مضاعفة حجم اقتصادها الحالي خلال سبع سنوات (...)

ولبيان الطريق الشاق الذي يجب على الاقتصاد السوري سلوكه ليحقق التوازن بين الناتج القومي وعدد السكان لا بد من ذكر أهم عوامل نجاح عملية التنمية:

1- بناء اقتصاد قوي وسليم يعتمد اقتصاد السوق منهجاً يكون ركيزة للقوة السياسية. ودعونا نذكر أنه رغم القوة التي كان يتمتع بها المعسكر الشرقي، فان السبب الرئيسي في انهياره كان ضعف اقتصاده وخصوصاً الاتحاد السوفياتي.

2- تهيئة الكوادر البشرية القادرة على ادارة تطبيق التشريعات الاقتصادية الموضوعة بهدف التنمية.

3- استقدام الخبرات السورية الموجودة خارج القطر بعد تهيئة المناخ المناسب لها، وكذلك رؤوس الاموال المهاجرة التي تراوح ما بين 30 و60 مليار دولار.

4- فتح المجال واسعاً في الاعتماد على القطاع الخاص في عملية التنمية وإزالة كافة المعوقات الادارية والقانونية، في حين يكون دور الدولة داعماً ومسانداً لهذا التوجه.

5- توفير قطاع مصرفي متطور وسوق مالية منظمة، وتتجلى أهمية ذلك في أن القطاع المصرفي سوف يساهم في توفير مصادر التمويل الضرورية لعملية التنمية من خلال توظيف المدخرات وتوجيهها نحو القطاعات الناجحة.

6- انشاء بنى تحتية وتشريعية وقانونية حديثة وتحديث البنى القائمة حالياً، لتكون سنداً لعملية التنمية لا معوقاً لها، وفق ما نراه في بعض الدول التي سبقتنا اشواطاً في هذا المجال.

7- بناء الثقة بين الاجهزة الحكومية وقطاعات الاعمال المختلفة، لأن انعدامها سوف يؤدي الى انعدام الحس بالمسؤولية المدنية، ونتيجة لذلك نلاحظ وجود مخالفات كثيرة للقوانين والتشريعات مما يضر بالجميع، ويتأتى عنه بالنتيجة تحمل البلد الثمن الاجتماعي والاقتصادي لهذه المخالفات.

ان نظام السوق الحرة بآلياته وادواته ومحاسنه ومساوئه معروفة ولا حاجة لتكرارها، الا ان المهم في تحديد الاهداف المتمثلة بتبني نظام السوق الحرة  ان نقوم وبشكل فوري ومدروس بتحرير جميع القطاعات الاقتصادية والاستفادة من خبرة الدول التي سبقتنا في هذا المجال كدول اوروبا الشرقية.

نحن ندعو المستثمرين الى تقديم أغلى ما لديهم وهو المال للاستثمار في بلدنا دون أن نؤمن لهم الاطار التشريعي الذي يضمن استثماراتهم وحقوقهم وفي هذا ثغرة لا بد من تلافيها. لذا اسمحوا لي استكمالاً للبحث في موضوع التنمية في بلادنا، والذي لا سبيل اليه سوى مزيد من الاستثمارات في اقتصاد حر يلعب فيه القطاع الخاص دوراً رائداً، ان أغوص قليلاً في بعض الخصوصيات التي سبقتنا اليها دول عديدة حققت معدلات قياسية في التنمية، خصوصيات سيؤدي اخذها في الحسبان الى مزيد من الخطوات التي تدفع المستثمرين (وخاصة السوريين) الى مزيد من الثقة في استثمار اموالهم ضمن وطنهم:

1- العودة الى المادتين 131 و132 من الدستور السوري وموضوعهما استقلال السلطة القضائية والفصل الحقيقي بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية وذلك بتولي سيادة رئيس الجمهورية رئاسة مجلس القضاء الاعلى، او اسنادها الى اعلى القضاة مرتبة في الاسرة القضائية، وحجب هذا الحق عن وزير العدل الذي هو عضو في السلطة التنفيذية إعمالاً لاستقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات. ان هذا من أهم ما يؤمن اطمئنان المستثمر لا بل المواطن الى أن القانون وحده يحكم الجميع وأن لا أحد فوق القانون.

2- اخضاع قرارات لجان اعادة النظر في الضريبة على الدخل للطعن القضائي حسب مراحل التقاضي (بداية - استئناف - نقض)، نظراً الى كون الجهة فارضة الضريبة هي الآن الخصم والحكم في آن واحد ولأن قراراتها مبرمة ولا تقبل اي طريق من طرق الطعن. ولا يجوز حجب النظر في اية خلافات مهما كان نوعها واطرافها عن سلطة القضاء السوري المستقل تماماً.

3- توجيه الجهات الحكومية كافة والزامها بتنفيذ الاحكام القضائية التي تكتسب الدرجة القطعية اعمالاً للقانون السوري، مما يؤدي الى صدقية الاحكام القضائية الصادرة عن المحاكم السورية وشفافيتها، فالقضاء هو المرجع الاخير بالنسبة الى المستثمر، فاذا كانت احكامه لا تنفذ، كيف نطلب من المستثمر القدوم الى بلد لا تنفذ فيه الاحكام القضائية؟ وهناك نماذج متزايدة لأحكام قضائية اكتسبت الدرجة القـطـعية لم تنفذ لأن الوزراء يقفون حائلاً دون تنفيذها دون مبرر قانوني.

4- تحديد (او الغاء) صلاحيات وزارة المال في حجز اموال الافراد والمؤسسات الاقتصادية دون اية اجراءات قضائية، وتعميم هذا الامر على الجهات الحكومية كافة بحيث يقتصر هذا الحق على الحالات المستندة الى احكام قضائية مبرمة.

5- تعديل الاسلوب المعمول به حاليا للتحقق من الصاق الطوابع القانونية على المعاملات وهو الذي يتيح لموظفي وزارة المال الدخول الى المكاتب كفرق تفتيش يفتحون كل مغلق، مما يتعارض مع نص وروح المادة 25 من الدستور التي تضمن الحريات الشخصية للمواطنين، وبما يحول دون اطلاع الموظفين على خصوصيات الناس، واستبدال هذا النهج بأساليب حضارية يمكن ان تؤدي الغرض نفسه، دون ان يؤثر ذلك في حصيلة هذه العمليات.

6- تسهيل عمليات الرهن وفك الرهن وتحريرها باتخاذ اجراءات من شأنها تحقيق مرونة في هذه العمليات تتمثل في ما يأتي:

- الغاء ضريبة ريع رؤوس الاموال المتداولة على عمليات الرهن.

- تحديد رسم الرهن المالي او العقاري بمبلغ مقطوع في حدوده الدنيا.

ذلك ان عمليات الرهن تعتبر اساسا للعمل المصرفي السليم، كما تؤمن السيولة والتمويل اللازمين لعملية التنمية، بما يؤدي الى منافع اقتصادية تفوق كثيرا الرسوم المفروضة حاليا على الرهن، ويمكن الاستئناس بتجارب الكثير من الدول في هذا المجال وخاصة المجاورة منها، (وعلى سبيل الاشارة نذكر انه في اوروبا تحتاج معاملة شراء العقار وتسجيله ورهنه الى مدة تقل عن الاسبوع).

7- تعديل، او الغاء، المرسوم 49 لعام 1962 المتعلق باجراءات وقواعد تسريح العمال، واخضاع تلك العمليات للتعويضات العادلة، وجعل العقود الموقعة بين الطرفين شريعة المتعاقدين كما هو القانون والمنطق، وهذا ما هو معمول به في الدول المجاورة والمتقدمة دون ان يؤثر في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعامل ورب العمل.

8- اتخاذ الخطوات اللازمة والمدروسة لتحرير النقد، خاصة ان قوة الوضع المالي في سوريا تسمح باتخاذ مثل هذه الخطوات، كما يمكن المصرف المركزي في ظل هذه الظروف ان يدافع عن العملة الوطنية ويحافظ على قيمتها.

9- قيام مجلس النقد والتسليف والمصرف المركزي بتحديد سياسات الحسم واعادة الحسم من جانب المصارف العامة والخاصة، والتوسع في اعادة الحسم للقطاعات الاقل نموا بغرض انعاشها ليؤدي ذلك الى نمو متوازن في القطاعات كافة.

10- قيام المصرف المركزي بوضع سياسة واضحة لتفعيل عمل المصارف، وان تكون رقابته على هذه المصارف رقابة هادفة ضمن الاطر المعمول بها في المصارف المركزية للدول المجاورة، ذلك لأن الصورة عندنا غير واضحة حتى الآن.

11- من الناحية الادارية:

- اختيار الاجهزة الادارية من نخبة المتميزين في كل المجالات، لأن تنمية حقيقية في اي مجتمع لا تقودها الا نخبة هذا المجتمع ومتميزوه دون النظر الى اي اعتبارات اخرى، والمقصود بالنخبة هنا هم هؤلاء الذين يتمتعون بالعلم والمعرفة والخبرة والاستقامة اضافة الى الولاء الوطني.

- تسهيل اجراءات التراخيص الادارية التي تعاني معظم المشاريع من صعوبة الحصول عليها، وليس سراً ان نقول هنا ان اكثر من ثلاث سنوات مرت على بعض المشاريع ولم تتمكن بعد من الحصول على الترخيص الاداري المطلوب، ويمكن حل هذه المعضلة بمنح هذه المشاريع تراخيص اولية تمكّنها من البدء باتخاذ الاجراءات التنفيذية للانشاء، ومن ثم تتم اجراءات منح الترخيص الاداري النهائي، وقد علمنا اخيراً ان الحكومة مشكورة عالجت هذا الامر ونرجو لها اتمامه وايجاد حل جذري له.

- السعي الحثيث لترسيخ مفهوم حضاري لدى اجهزة الدولة بكل مستوياتها. ان دور تلك الاجهزة هو خدمة كل القطاعات المنتجة في الدولة، العامة منها والخاصة، وليس الوصاية عليها، ولو تم ما نقترحه لأدى الى تعاون حقيقي بين تلك الاجهزة والقطاعات مما ينعكس بالضرورة على عملية التنـمية بصورة ايجابية.

- الطلب من الوزراء الامتناع عن تذييل المعاملات بعبارات "لاجراء المقتضى النظامي اصولا" او "لاجراء اللازم اصولا" او ما شابه ذلك، لأن فيها تجييرا للمسؤولية من المستويات العليا الى المستويات الادنى، واتساءل كيف يمكن ان يتحمل الموظف الادنى مسؤولية تهرب منها اعلى مسؤول في الهرم الوظيفي؟

- تحديد دور نقابات المهندسين بالامور الفنية فقط مقابل اتعاب معقولة تعادل الخدمات المقدمة، لأن ما يُفرض الآن من جعالات تتقاضاها نقابات المهندسين تفوق المعقول وتعتبر مجحفة بحق المستثمرين، ويمكن الاستئناس بما تتقاضاه تلك النقابات في الدول المجاورة او تعميم ما اتبع في المشاريع السياحية على المشاريع كافة.

(دمشق)