الاختراق الثقافي ....

 حسن حنفي.... الدستور الاردنية

 

 

.. وكما يحاول الجناحان الشرقي والغربي لمصر الكسيرة وراثتها، يحاول البعض من أهلها اختراق قلبها لإنهائها والقضاء عليها. ويقوم بذلك بعض من يبحثون لهم عن دور جديد في مصر الجديدة الممسوخة، وفي نظام العالم الجديد ذي القطب الواحد. ينتسبون إلى النخبة أو الطبقة المتوسطة. فالنخبة طوال تاريخها تعيش على مساندة الأجنبي، والتعالي على أهل البلاد من العمال والفلاحين والطبقات الدنيا بل والمتوسطة. تتكلم اللغات الأجنبية، الفرنسية والإنجليزية. وهى ليست مثل باشوات مصر الوطنيين الذين قاموا بعمليات بناء الدولة ثم تحديثها والذين عرضوا على إسماعيل سداد ديون مصر حفاظا على استقلالها. وهم الذين قادوا ثورة 1919، وكونوا العصر الليبرالي قبل 1952. بل هي نخبة من رجال الأعمال، وطبقة من الأغنياء الجدد لا هم لها إلا الربح السريع عن طريق المضاربة في العقارات، والاتجار بالعملة الأجنبية في السوق السوداء، وتهريب الأموال وقروض البنوك بلا ضمانات، والرشوة والفساد كوسيلة للتحايل على القانون، وقيم الاستهلاك ومظاهر البذخ والترف في القصور الجديدة وعلى شواطئ البحار.
كما يتم الاختراق عن طريق الطبقة المتوسطة التي تريد أن تلعب دورا بعد أن حوصرت بين الطبقة العليا والتي لم تعد قادرة على الوصول اليها، والطبقة الدنيا والتي تتعالى عليها. وهى التي لم تعد قادرة على الانخراط في طوابير الانتظار لنيل السلطة والثروة والجاه عن طريق الحزب الحاكم. وهى التي لم تواتها الشجاعة الكافية لتنضم إلى أحزاب المعارضة العلنية المسالمة المستأنسة أو السرية العنيفة. والطبقة المتوسطة طوال عمرها انتهازية، توهم الطبقة الفقيرة بأنها تدافع عن حقوقها. وتوحي إلى الطبقة العليا بأنها تدافع عن مصالحها. فتكسب ثقة الفقراء، وتتكسب من ثروة الأغنياء. تشعر بالنقص أمام الآخر الأجنبي خاصة إذا انسد طريق الصعود الاجتماعي الوطني. فتقلده في أفكاره ومُثله وقيمه وأساليب حياته لعلها تنعم بالهجرة إلى أراضيه في الخارج أو تكون ممثلة لشركاته ومصالحه في الداخل باسم "محمد موتورز" أو "منصور شيفورليه". وهي برجوازية جديدة وليست أصيلة. اغتنت منذ الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينات. تلبس قشرة الحضارة والروح جاهلية. ومنهم من أثرى في بلاد النفط، وعاد بسلوك أهلها في ثنائية حادة بين التمتع بالدنيا والتعويض عنها بالآخرة والإسراف والبذخ في الدنيا، ورعاية الفقراء والمعوزين رغبة في النجاة والجزاء في الآخرة.
ويتمثل الاختراق الثقافي في ثلاثة تيارات متداخلة. الأول أنصار العولمة. فالعصر عصرها، والتاريخ تاريخها، والقانون قانونها. العالم قرية واحدة. والدولة الوطنية لا لزوم لها لأنها عائق بإرادتها المستقلة، وحواجزها الجمركية، وبسياساتها في التخطيط، ودعم المواد الغذائية عن الدخول في قوانين السوق، والاستثمار، والمنافسة، والربح، ورأس المال العالمي، والمصارف الدولية، وبورصات الأوراق المالية. لقد انتهى عصر الاستقطاب، وأصبحت أمريكا هى القوة الوحيدة في العالم، والرأسمالية نهاية التاريخ. وصراع الحضارات يخيف الشعوب المتخلفة التي مازالت ترزح تحت نظم الطغيان والتسلط والقهر من العدوان عليها، وتكرار النموذج العراقي على سوريا وإيران وليبيا بالرغم من تحولاتها الأخيرة، من النقيض إلى النقيض، والسودان بسبب دارفور، والسعودية بسبب القتلى الأمريكيين. وقد ينضم بعض الماركسيين القدماء إلى الجوقة الجديدة باسم الحتمية التاريخية، وضرورة التأقلم مع الواقع الجديد، بعيدا عن الأيديولوجيات القطعية التي أدت إلى انهيار المعسكر الاشتراكي في المركز والأطراف. والقطاع الخاص جاهز، والبنوك الخاصة مستعدة، وثورة الاتصالات تقرّب البعيد.
والتيار الثاني هم الليبراليون الجدد الذين بدأت كتاباتهم في الظهور، ويعبرون عن أنفسهم في القنوات الفضائية الشهيرة الذائعة الصيت. لقد نعمت البلاد بالليبرالية سابقا، وأقيمت أول محاولات للتصنيع في عهدها. ونعمت بالحريات العامة، وحظيت بالتعددية الحزبية. وكانت لها حكومات مسئولة أمام البرلمان، ودستور مثل معظم دساتير العالم، وضعها فقهاؤها الدوليون الذين وضعوا معظم الدساتير في الوطن العربي في عصره الليبرالي. وهذا يتطلب الاعتماد على القطاع الخاص، والتخلص من بقايا القطاع العام، والتخلي عن التخطيط، وإتباع قوانين السوق، المنافسة والربح، وإنشاء الجامعات الخاصة القادرة على تخريج جامعيين على دراية باللغات الأجنبية، وبالحواسب الآلية وبعلوم إدارة الأعمال. ويبدأ ذلك من الصغر بالتعليم الأجنبي الخاص، من المهد إلى اللحد، لمواجهة التعليم الديني الخاص. ولا ضير في عودة الملكيات القديمة. فالملكية الدستورية خير من الجمهورية الرئاسية. والحنين إلى الليبرالية أعمق في التاريخ وأبعد في الزمان من الحنين إلى القومية الأحدث عهدا أو الحنين إلى الخلافة الراشدة التي طال عليها العهد، وأصبحت حلما ومجرد خيال. ومصر جزء من البحر الأبيض المتوسط. وطالما نادى مفكروها بأن ثقافتها ثقافته، وبأن ثقافة اليونان جزء من تكوينها. والغرب الحديث هم ورثة اليونان القديم. ومن ثم يعود شعار إسماعيل من جديد "مصر قطعة من أوروبا" وكما عبر عن ذلك طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر".
والتيار الثالث شرعي قانوني، واقعي سياسي. لا يرى في العداوة بين الشعوب مبررا حتى ولو اعتدى بعضها على بعض، واحتل بعضها أراضي البعض. وهو التيار الذي يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل. فالسلام خيار استراتيجي، وإسرائيل وجدت لتبقى. عقدت معها مصر معاهدة سلام في 1979. وبينهما اعتراف متبادل. فلم يعد هناك داع لمعاداة إسرائيل طبقا للقانون الدولي أو لتهريب السلاح من أنفاق غزة أو دعم "الإرهاب" الفلسطيني أو الانشغال بالقضية الفلسطينية برمتها. يكفي أربع حروب دخلتها مصر بسببها. والعنف ليس وسيلة لتحقيق أغراض سياسية. وكل عنف هو إرهاب بالضرورة، لا فرق بين مقاومة مشروعة وعنف غير مشروع. ولا تمييز بين إرهاب الأفراد وإرهاب الدول، ولا ضير في الاتجار معها، وتوريد الاسمنت والرمل والحديد لبناء الجدار العنصري أو المستوطنات أو بيع الغاز الطبيعي أو النفط الذي تسير به العربات المصفحة والطائرات. فالتجارة شطارة. والكسب لا يفرق بين عدو وصديق، ولا ضير من الاستفادة منها في زراعة الصحراء بما لديها من خبرات في التعمير والاستيطان والري واستصلاح الأراضي بصرف النظر عن شائعات الأوبئة. فإسرائيل نموذج يحتذى به في العلم والتحديث والتقدم خاصة وأن مجموع العرب أقل منها. والتطبيع قادم قادم فلم التأخير والإبطاء. فقد يتجاوز الزمن العرب. فيعيش العرب في زمان غير زمان العالم. ويظلون في زمانهم قابعين، وعقارب ساعتهم واقفة على زمن قديم مثل أهل الكهف.
وهو تيار مناهض للواقع والتاريخ. يجعل الجلاد ضحية والضحية جلادا، والمعتدى عليه هو المعتدي، والمظلوم ظالما، والظالم مظلوما. يظن أن توقف العرب عن الحركة في الزمان دائم. وإذا تحرك فإن العرب يتحركون في مسار غيرهم. يريد أن يكون له السبق في موجة يظنها قادمة مثل من يصيد في أعالي البحار. يتذكر حقوق الإنسان، وينسى حقوق الشعوب. وحقوق الإنسان عند الغير، عند الأبرياء من جراء العمليات الاستشهادية، وينسى حقوق الإنسان الفلسطيني، ضحية الصواريخ، والقصف، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي. يعمل للعاجل دون الآجل، ويحرص على الكسب السريع دون اعتبار الخسارة القادمة. يعمل على الأمد القصير وليس على الأمد الطويل. ولا يستوعب دروس التاريخ. فقد مكث الصليبيون في الشام في بعض إماراتهم مئتين وخمسين عاما. ومكث الاستعمار الفرنسي في الجزائر أكثر من قرن وثلث. وبقيت بريطانيا في الهند منذ القضاء على إمبراطورية المغول. وظل استعمار جنوب أفريقيا أكثر من ثلاثة قرون.
إن هذه التيارات الثلاثة التي يتمثلها بعض أفراد الطبقة العليا والطبقة الوسطى لهو اختراق فعلي للثقافة الوطنية المصرية. ومع ذلك مازالت تجد سدا منيعا لانتشارها في الوطنية المصرية التقليدية وفي الوعي الوطني المصري عبر التاريخ. تلفظها التيارات الأساسية في الثقافة الوطنية، التيار الإسلامي، والتيار القومي، والتيار الليبرالي الوطني، والتيار الماركسي. وكلها ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني. ويتصدر التيار الإسلامي المقاومة والعمليات الاستشهادية مع التيار القومي، والماركسيون والليبراليون مازالوا يعتبرون الكيان الصهيوني عنصريا عدوانيا قاهرا للشعب الفلسطيني.
إن بعض فئات الطبقات الاجتماعية التي حدث من خلالها الاختراق الثقافي لمصر، العليا والمتوسطة، طول عمرها منفصلة عن المصالح الوطنية العليا قبل العولمة وبعدها. يجدون في الخارج أعظم حليف ضد الداخل. لقد خرج المتعاونون من المصريين مع الحملة الفرنسية بخروج الحملة، واستقروا في فرنسا. كما خرج المصريون الذين كانوا يعملون مع الشركات الأجنبية بعد تأميم قناة السويس وتمصير الشركات الأجنبية، واستقروا في الخارج. كما هاجر إلى الخارج الإقطاعيون الكبار من الطبقة العليا بعد الثورة وتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي عليهم فيما سمي "جرحى الثورة".
وكما لفظهم الداخل يلفظهم الخارج أيضا. فالأجنبي في النهاية هو الأجنبي مهما بلغت درجة الاندماج للطبيعة العنصرية للمجتمعات الجديدة التي هاجر إليها وفي مقدمتها لون البشرة وحتى في المجتمعات التي تدعي أنها تعددية أو التي تدعي أنها "إناء الانصهار" لكل الأجناس والأعراق والملل والطوائف. ويكونون مثل القوات اللبنانية في الجنوب في الشريط الحدودي المتحالفة مع إسرائيل. فلم تصمد أمام المد الوطني والمقاومة الوطنية. فلا هي احتفظت بشرف المواطنة ولا هي تم قبولها وتمثلها في الكيان الصهيوني. والمقاومة الوطنية لا تأتي على أكتاف أعداء الوطن. وسيظل بين هذه الفئات من الطبقات العليا والمتوسطة من ناحية والجماهير من ناحية أخرى خـُلف بل عداء مستحكم. فلا الجماهير قادرة على الاعتراف باختياراتها. ولا هي قادرة على العودة إليها. وماذا يكسب المواطن لو كسب العالم وخسر نفسه؟ وماذا يفيده لو كسب كل شيء وخسر وطنه؟