هل تنهار الدولة الوطنية...

 حسن حنفي...الاتحاد

 

إننا في عصر المراجعة. مراجعة كل شيء حتى المسلَّمات التي تربَّـت عليها أجيال بأكملها مثل القومية العربية، ومناهضة الاستعمار والصهيونية، بل والاشتراكية، وإعادة توزيع الدخل القومي، والتصنيع، ومجانية التعليم، وتدعيم المواد الغذائية لمحدودي الدخل، والإصلاح الزراعي، والتخطيط، والتنمية المستقلة، وتحالف قوى الشعب العاملة.
ومن ضمن المراجعات، الدولة الوطنية المستقلة التي حاربت من أجلها حركات التحرر الوطني وجبهات التحرير، وانتزعتها من براثن الاستعمار وقوى الهيمنة والتي أصبحت عبئاً على الداخل والخارج على حد سواء. فهل يتم التخلص منها بالعدوان الخارجي؟ وهل تنهار بفعل قصورها الذاتي الداخلي؟ هناك ثلاثة مخاطر خارجية على الدولة الوطنية. الأول العولمة، وضرورة ذوبان الدولة الوطنية في كيان أعم هو السوق. وتخضع لقوانين أعم هي قوانين السوق. فالعالم قرية واحدة، لا يتسع لعدة قرى صغيرة فيه. ومن ثم لزم تخلي الدولة عن إرادتها الوطنية وإسقاط حواجزها الجمركية، وفتح أبوابها للاستيراد. فالتكتلات الصناعية الكبرى مثل الشركات المتعددة الجنسيات ومجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعاً في العالم هي وحدها القادرة على التصدير. وعلى الدولة أن تدخل في المنافسة مع غيرها وكأن الصغير يستطيع المنافسة مع الكبير، ويربح مثله. رأس المال العالمي، وبورصات الأوراق المالية، والبنوك الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، واتفاقية "الجات"، هي البديل عن الدولة الوطنية التي هي مجرد جهاز استقبال لنظام العالم الجديد الذي يتجدد كل عدة عقود من الزمان طبقاً لتغير ميزان القوى في العالم.

والخطر الثاني العدوان الخارجي من الدول الكبرى على الدول الصغرى ومن أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة الأميركية، القطب الواحد بعد نهاية عصر الاستقطاب، على كل من يشق عصا الطاعة عليها مثل العدوان على أفغانستان ثم العراق ثم تهديد إيران وسوريا وليبيا والسودان. والذرائع موجودة: القضاء على الإرهاب، القضاء على أسلحة الدمار الشامل، القضاء على الأنظمة التسلطية، الدفاع عن حقوق الإنسان. بل إن القطب الثاني في عصر الاستقطاب قام أيضاً بالعدوان على الشيشان قاضياً على استقلالها مع اتفاق ضمني مع القطب الأول على مقايضة الشيشان بالعراق وأفغانستان، واحدة باثنتين. فالقطب الثاني في حاجة إلى القطب الأول في المعونات الغذائية والاستثمارات والتجارة الخارجية. ويتم ذلك خارج الشرعية الدولية وخرقاً لميثاق الأمم المتحدة، وضد إرادة شعوب العالم كله بما في ذلك الدول المعتدية. فقد خرجت الملايين في شوارع العواصم الأوروبية ضد العدوان على أفغانستان والعراق وفلسطين. والمصالح الكبرى هي التي تحرك الدول الكبرى وليس المواثيق الدولية أو القيم الأخلاقية.

ويقوم الكيان الصهيوني بدور الدول العظمى. فيعتدي على الشعب الفلسطيني. ويبتلع فلسطين كلها، نصفها في 1948، والنصف الآخر بعد 1967، وبتواطؤ القطب الأول ومساندته. فاليمين هو الحاكم في الإمبراطوريتين. والعدو واحد. الإرهاب الدولي و"الإرهاب" الفلسطيني. فمازالت حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي الوحيدة التي تناضل من أجل إنشاء الدولة الوطنية بعد استقلال جنوب أفريقيا ونهاية النظام العنصري.

والخطر الثالث أن مستقبل التكتلات الكبرى خارج العولمة هو التحول إلى فسيفساء عرقي طائفي باسم العرق أو الطائفة. فيتجزأ الوطن العربي إلى دويلات عرقية طائفية، عرب وبربر في المغرب العربي، وسنة وشيعة وأكراد في العراق والخليج، مسلمون وأقباط في مصر، سنة وشيعة ومارونيون في لبنان، نجديون وحجازيون في السعودية، زيدية وشوافع في اليمن، عرب وأفارقة في السودان وتشاد ومالي ونيجيريا، بدو وحضر في الأردن. فالعولمة ليست ذات اتجاه واحد، توحيد المركز، مجموعة الثماني، بل أيضا تجزئة الأطراف. وما وحّده الإسلام إنسانياً وثقافياً جزأه نظام العالم الجديد عرقياً وطائفياً.

وتهدد الدولة الوطنية كذلك ثلاثة مخاطر داخلية. الأول القهر في الداخل. فقد تحولت الدولة الوطنية التي قامت بفضل حركات التحرر الوطني إلى دولة قاهرة مستبدة. حكم القادة الوطنيون في السابق باسم التحرر الوطني بعد انقسامهم على أنفسهم، وتصفية أجنحتهم بعضها لبعض آخر. هرب البعض إلى خارج البلاد. وكون البعض الآخر حركات سرية تحت الأرض. وأسس فريق ثالث أحزاب معارضة شرعية ضعيفة لا تستطيع المشاركة في بناء الدولة إلا بموافقة الحزب الحاكم وكنوع من "الديكور" الديمقراطي وسط خضم من الانتخابات المزيفة، تحافظ عليها أجهزة الأمن وقوات الشرطة. قراراتها السياسية والتحولات الكبرى فيها مرهونة بإرادة الحاكم، الزعيم والمناضل والمجاهد والأخ والرئيس إلى آخر أسمائه التسعة والتسعين تشبهاً بأسماء الله. لا يترك السلطة إلا بموت أو انقلاب. هو رئيس مدى الحياة بلا تداول للسلطة. ويتم تعديل الدستور حتى يتفق مع هواه وعمره هو أو أبنائه من بعده وربما أحفاده. وتتحول الدولة الوطنية إلى ملكيات وراثية، لا فرق بين جمهورية وملكية وجماهيرية ودولة وسلطنة. ونشأت عن هذا القهر لامبالاة الناس وإدارة ظهورهم للحكام. بل إن النكات قد توقفت إيجاباً أم سلباً لأنها لم تعد تثير الخيال السياسي الشعبي، وأصبح الشعب محايداً لامبالياً. وقد انعكس ذلك في عدم تحرك الشعب أثناء لحظات الخطر. وتساءل العالم أين الشارع العربي؟ في حين تقوم المظاهرات في لندن وباريس وسياتل وجنوة وفلورنسا وبراغ ضد العدوان الأميركي على أفغانستان والعراق، والإسرائيلي على فلسطين، والروسي على الشيشان، لصالح العرب والمسلمين وهم لا يتحركون. وكانت معظم الهبَّات في الشارع العربي من أجل الخبز وضد غلاء الأسعار ومظاهر الفساد في مصر والمغرب وتونس والأردن وليس من أجل الحرية.

والخطر الثاني التبعية للخارج. فبقدر ما يكون القهر والتسلط في الداخل تكون التبعية والانسياق إلى الخارج كحليف بديل. ولما كانت أكبر قوة في الخارج هي الولايات المتحدة الأميركية فقد أصبحت التبعية لها. وتحولت الدولة الوطنية إلى دولة طيّعة، منفذة لسياستها، داخلة كعضو في أحلافها حتى للعدوان على دول الجوار والأشقاء بدعوى رفع الظلم عن الشقيق الأصغر، والدفاع عنه ضد العدوان عليه من الشقيق الأكبر. وأصبح للخارج ممثلون في الداخل ومحسوبون عليه لا يجوز الاقتراب منهم بالنقد أو المساس بهم في السمعة أو الطعن في سياساتهم واتجاهاتهم. ولما زاد عدد الأتباع تنافسوا فيما بينهم على الولاء للخارج والإخلاص له أسوة بالكيان الصهيوني، وطمعاً في القيام بدوره في خدمة المصالح الأميركية، وتنفيذ مشاريع الإصلاح مثل "الشرق الأوسط الكبير"، البديل عن الوطن العربي الذي تجمعه العروبة، والعالم الإسلامي الذي يجمعه الإسلام والأخوة، والتعامل مع الخارج فرادى كدولة قطرية وليس كتجمع عربي إقليمي له مصالح مشتركة، وقوة تفاوض جماعية.

والخطر الثالث هو الفساد الداخلي نظراً لغياب الولاء الوطني للحاكم وللمحكوم على السواء. فقد تحول الوطن إلى مجموعة من "الشلل" المتضاربة المصالح، كل منها يعمل لصالح أو لمصلحة من يمثله من التكتلات الكبرى. وهو فساد اقتصادي في تهريب الأموال، ونواب القروض، والتلاعب بالأسعار، والاتجار في العملات الأجنبية، والمضاربة في العقارات، وتلقي الرشاوى والعمولات. وهو فساد إداري في جهاز الدولة بسبب القوانين التي لا ترعى مصالح الناس، وضرورة التحايل عليها بالرشوة لقضاء هذه المصالح في حياتهم اليومية. وهو فساد إعلامي، في سيطرة الدولة على أجهزة الإعلام وتوظيفها كأجهزة للتبشير لسياساتها وتحركات رئيسها وأسرته، رأس النظام. وهو فساد تعليمي، إذ يقوم التعليم على التلقين والخوف والطاعة، من الحضانة إلى الجامعة لإعداد المواطن المطيع الذي لا يعترض على شيء. وهو فساد أخلاقي، فلم يعد أحد يلتزم بأية قيمة أو فضيلة، إلا بغريزة حب البقاء من أجل إشباع الحاجات الأساسية.

قد تكون بعض الدول الوطنية الحديثة نتيجة الإرث الاستعماري. تكونت بعد تقطيع أوصال الإمبراطوريات الكبرى، في الغرب مثل الإمبراطورية النمساوية، وفي الشرق مثل الدولة العثمانية. بينها حدود مصطنعة ومشكلات حدودية مفتعلة من وضع الاستعمار حتى لا تتوحد من جديد. وتنشأ المنازعات الحدودية بينها إلى درجة الحرب الأهلية مثل النزاع بين المغرب والجزائر على واحة تيندوف، وبين مصر وليبيا على واحة جغبوب، ومصر والسودان على حلايب وشلاتين، واليمن والسعودية على عسير ونجران، والكويت والسعودية على منطقة تحت إشراف الأمم المتحدة، وسوريا وفلسطين على وادي الحمة، وسوريا ولبنان على مزارع شبعا. وقد تقع الحرب الأهلية بين الجارتين الشقيقتين كما وقعت بين ليبيا وتشاد.

ومع ذلك، وكما تفعل الرأسمالية للتأكيد على وحدة النظام الرأسمالي العالمي كذلك تفعل الأيديولوجيات الوحدوية عبر القطرية مثل القومية العربية التي تجعل ولاء العرب للوطن العربي وليس للقطر أو البلد العربي. الهم واحد في فلسطين والعراق. والتهديد واحد على مصر والسعودية وسوريا. والصوت واحد في الجامعة العربية بيت العرب. وكذلك الأمة الإسلامية التي يكون الولاء فيها للعقيدة وللأخوة، لا فرق بين قوم وقوم، وشعب وشعب، ولغة ولغة. هي أمة واحدة عبر أفريقيا وآسيا، بل وتمتد إلى المسلمين في أوروبا والأميركيتين. وتتجلى في ظواهر العرب الأفغان، وجماعات الجهاد في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك بل وتنظيمات العنف مثل تنظيم "القاعدة". وفي مواجهة تجمعات قوى الهيمنة تنشأ أيضاً تجمعات قوى العنف المضاد.

أما الدول التاريخية ذات الكيانات المستقلة الضاربة الجذور في الوعي القومي مثل مصر والمغرب والعراق واليمن والشام فإن الولاء يظل لها صامداً مهما عصفت به رياح التكتلات الكبرى. وتظل عصيّة على الذوبان في نظام العالم الجديد. تعارض الهيمنة في الخارج. فثقلها التاريخي ووزنها الحالي يحميها من التبعية الكاملة. ومع ذلك يبقى قهرها الداخلي عبر آلاف السنين منذ "شكاوى الفلاح الفصيح" من شيخ البلد بعد أن سلبه حماره وغلته. التخلص من العدوان الخارجي أمر ممكن. أما التخلص من القهر الداخلي فهو التحدي الأكبر، "أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".