عودة الإخوان المسلمين السوريين إلى دمشق: الاستحقاق والعقبات....

  الطاهر ابراهيم ...السياسة الكويتية

 

قرأنا في نشرة »كلنا شركاء في الوطن« الالكترونية في عدد الاثنين 5 يوليو الجاري, تعليقا للاستاذ »فائز سارة« على دعوة عضو البرلمان السوري »محمد حبش« الاخوان المسلمين الموجودين في الخارج الى العودة الى سورية, في الحوار الذي اجرته مع حبش »ابيض واسود« في 21 يوليو الماضي.
ومع كل التقدير لهذه البادرة التي اطلقها الدكتور حبش, فان هناك بعض الملاحظات التي لابد من ذكرها, لتتوضح الصورة كاملة امام من يتصدى الى هكذا دعوة, تمس مفصلا رئيساً في المشهد السياسي السوري.
وسأكتفي ببضع النقاط التي اوردها الاستاذ »سارة« وسجل فيها وجهة نظره على البادرة, قال حبشاشعر بان سورية جاهزة لاستقبال »اي الإخوان المسلمين« كأفراد. و(أن) النظام يريد ألا تكون هناك معارضة في الخارج وهذه رغبة صحيحة. نحن نطالب الآن بالغاء العقبات«.
وعلى الرغم من انه »لا جديد في موقف السلطات السورية في الموضوع, كما لاحظ سارة, من خلال كلام حبش, حيث ان النظام مازال يصر على عودة الاخوان المسلمين كأفراد, ويجري تصفية ملفاتهم الامنية واغلاقها..»وهي تعني ان لا عودة لاي مواطن »مهجر« الى سورية إلا بعد ان يمر على لجنة امنية, وفي ذلك ما فيه من ارهاب نفسي لعدة ايام, ربما يتمنى العائد انه لم يعد« ويبدو واضحاً, مما ورد بين المزدوجتين, ان موضوع الاخوان المسلمين ما يزال محجوز لصالح اجهزة الامن وحتى اشعار اخر.
الجديد في دعوة الدكتور حبش - كما لاحظ ذلك فائز سارة - انه اشار الى امر مهم, وهو وجود »عقبات« حقيقية امام عودة الاخوان المسلمين, طالب بالغائها, ففما هي تلك العقبات التي اشار اليها الدكتور حبش ولم يسمها?
ابتداء نقول ان العقبات التي تقف امام عودة الاخوان المسلمين الى سورية بخاصة, وباقي فصائل المعارضة بعامة, يمكن تذليلها, دفعة واحدة, بالعودة السريعة بسورية الى وضعها الدستوري قبل قيام الوحدة في عام 1958 ومن القرن الماضي, وبالغاء قانون الطوارئ وكل المحاكم الاستثنائية.
ولكن هناك اموراً مستعجلة تلك العودة, وتحقيقها أسهل امام النظام السوري, ولن تكون هناك عودة آمنة ما لم تتم معالجة تلك الامور التي تعتبر غاية في الأهمية, وهي لازمة وغير كافية, ولكنها شديدة الحساسية منها:
\
اولاً: ان اول واهم ما ينبغي معالجته في سورية هو اغلاق ملف الاعتقال باعتباره قضية انسانية, ونزع الصفة السياسية عنه. واغلاق هذا الملف يجب ان لا ينتظر الانتهاء من تسوية ملف الاخوان المسلمين. فهو ما يزال ينخر في عمق الوجدان الانساني السوري على مدى أكثر من ربع قرن, وينطوي على دمل يعتمل في نسيج المجتمع السوري. وان اغلاق هذا الملف سيزيح من امام السوري المنفي عقبة نفسية كانت تقف في طريق عودته وهي الخوف من الاعتقال بعد وصوله الى الوطن. وما لم يتم تسوية هذه القضية فسيجد النظام نفسه واقفاً في المربع الاول. واذا بخل النظام بتطويق تداعيات هذا الملف فهو بغيره أبخل.
\
ثانيا: ان بقاء القانون »49« لعام ,1980 الذي يحكم بالاعدام على مجرد الانتماء السياسي لجماعة الاخوان المسلمين, ساري المفعول, سيبقى سيف هذا القانون مسلطاً فوق رقبة اي عضو من هذه الجماعة يعود الى وطنه.
ويجب ان لا يقام كبير وزن لما يردده بعض المسؤولين السوريين من ان القانون مجمد, لانه في أية لحظة يمكن نفخ الروح فيه, وتقع الطامة, ما لم يتم الغاء هذا القانون الجائر.
\
ثالثا: قد لا تعترض الغالبية الساحقة من المنفيين على العودة الفردية الى الوطن. ولكن الاعتراض ينصب على اصرار الاجهزة الامنية على العودة من خلال البوابة الامنية, لان ذلك يشكل انتقاصا من حق المواطن السوري في العودة دون اي شروط الى وطنه.
\
رابعاً: مع كل التقدير لصدور مرسوم العفو العام عن كثير من المجرمين, في بداية عهد الرئيس بشار الاسد. ولان هذا العفو لم يشمل المعتقلين السياسيين والمنفيين, فقد جعل الجميع يشعر بالاسف لان هذا العفو تناسى المنفيين, ولم يتضمن المعتقلين السياسيين, مع ان معظمهم قد انتهت مدة الحكم عليه وتحفظت عليه ادارات السجون الامنية, كما ان سياسة اطلاق سراح المعتقلين »بالقطارة« وحسب المناسبات, يؤسس للتسييس تلك الخطوات التي ينبغي ان تبقى انسانية بحتة.
اما المنفيون فقد اخرجهم من وطنهم وديارهم الخوف على انفسهم واهليهم, وما لم يصدر عفو عام يشمل الجميع, فسيبقى عبور الحدود مسكوناً بالخوف في نفس كل من يفكر في العودة من هؤلاء الى الوطن.
ونحن نعتقد ان اصدار العفو العام سيؤدي الى عودة مئات الالوف وهم مطمئنون الى ان عودتهم غير منقوصة. صحيح ان بعض القياديين ربما لن يعودوا إلا في ظل تسوية سياسية, إلا ان الصحيح ايضا ان الغالبية الساحقة التي ترفض العودة عن طريق البوابة, سوف لن تتردد بالعودة عند صدور عفو عام عن جميع المنفيين بلا استثناء.
\
خامسا: ما تزال القيادة السياسية في سورية تتردد في ازالة الحيف الواقع بحق عشرات الالاف من المنفيين السوريين واولادهم, المحرومين من حقهم بالحصول على وثائق السفر. ونشير هنا الى ان اية خطوة تتم لتشجيع المنفيين على العودة الى وطنهم سورية, لابد ان تسبق ببادرة حسن نية, تتمثل بحصر موضوع وثائق السفر الحساس بين ايدي السفراء والقناصل, وابقائه بعيداً عن ايدي مندوبي اجهزة الامن الملحقين في القنصليات السورية.
ونشير اخيراً لملاحظة »سارة«, الى ان عودة المنفيين السوريين تتقاطع مع اهتمام السلطات السورية في أمرين, حشد امكانية السوريين في مواجهة التحديات, والثاني تخفيف وجود معارضة خارجية للنظام.
ولا نذيع سرا اذا قلنا ان تخفيف وجود المعارضة في الخارج يتم فقط بتشجيع افراد هذه المعارضة, الذين هم رأسمالهم الاهم, على العودة, ولا يتم ذلك إلا في حالة واحدة فقط, وهو الغاء اسباب هذا الوجود التي عددنا بعضا منها آنفا. فقد نؤكد هنا ان حساسية المرحلة والتحديات التي تواجه سورية, لم يتم حتى الآن التصدي لها من قبل النظام بما يكافئ تلك التحديات. وقد قيل في المثل: لن تحصل على العشرة حتى تنفق التسعة, والمطلوب حالياً أقلا من التسعة بكثير.
لقد سجل فائز سارة في مقاله, انه قد »خطأ الاخوان المسلمون السوريين في الخارج خطوات باتجاه التقارب مع النظام والفئات السياسية والاجتماع المختلفة, فنقدوا تجربة الماضي, واعلنوا تبنيهم اساليب عمل علنية وديمقراطية .. وكأن سارة يريد ان يقول, ان الكرة الآن في ملعب نظام الحكم السوري, وانه آن الاوان لكي يدرك ذلك, وان يرد التحية بأحسن منها أو مثلها.

*
كاتب سوري مقيم في المنفى
عضو مؤسس في »رابطة أدباء الشام«