الحريات الثقافية في عالم متنوع: قراءة في تقرير التنمية البشرية للعام 2004

2004/07/22

 

د. علي القاسمي القدس العربي
يختلف تقرير التنمية البشرية للعام 2004 عن جميع التقارير الأربعة عشر التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قبل ذلك، من حيث كون تلك التقارير تنصبّ أساساً علي التنمية الاقتصادية في حين يتناول التقرير الجديد التنمية الثقافية.
فقد دأب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي علي إصدار تقارير التنمية البشرية منذ عام 1990. وترصد هذه التقارير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والصحي والتربوي في الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من خلال دراسات إحصائية، وتحليل ذلك الواقع، واستخلاص النتائج، واقتراح التوجهات والسياسات والممارسات الواجب علي الدول اتباعها من أجل تحقيق تنمية بشرية أفضل والقضاء علي الفقر في العالم.
وفي نهاية كل تقرير من تقارير التنمية البشرية، يجري ترتيب الدول الـ 189 الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة بحسب تقدّمها في سُلّم التنمية البشرية، وذلك بالاستناد إلي ثلاثة مؤشرات رئيسة هي:
أولا، التمتع بصحة جيدة وحياة مديدة، ويقاس هذا المؤشر بمعدل العمر المتوقع عند الولادة في البلاد.
ثانيا، انتشار التعليم، ويقاس هذا المؤشر بمعدلات الالتحاق في التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، ونسبة محو الأمية بين السكان.
ثالثاً، العيش برفاهية، ويقاس هذا المؤشر بمعدل الدخل الفردي السنوي.
ولكن تقرير التنمية البشرية للعام 2004 يختلف عن جميع التقارير التي سبقته من حيث تناوله لقضية جديدة لم تُطرح من قبل، ألا وهي قضية الحريات الثقافية.

الحريات الثقافية

تعني الحرية الثقافية حرية الإنسان في اختيار هويته، وحريته في الانتماء علنا إلي مجموعات عرقية ودينية وثقافية ولغوية، دون أن يتعرض للإقصاء السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. ويتضمن وجودُ الحرية الثقافية في البلاد اعترافَ الدولة بالهويات المتعددة والمتكاملة داخل حدودها.

مرجعية الحريات الثقافية

لم يأتِ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمفهوم الحريات الثقافية من فراغ، وإنما انطلق من مرجعيات متعددة أقربها إليها زمنياً وعضوياً، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948. فقد نصّ هذا الإعلان في مادته الثانية علي أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء .
وكان مصطلح حقوق الإنسان الذي استخدمه الإعلان العالمي، قد شاع استعماله بعد الحرب العالمية الثانية وحلّ محل عدد من المصطلحات كانت متداولة في دساتير بعض الدول خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، مثل مصطلح الحريات . وكانت تلك الحريات تنقسم عادة إلي نوعين:
ـ الحريات الخاصة، التي تشمل الحقوق المدنية مثل حق التملك، وحق التعاقد، وحق العمل، وغيرها.
ـ الحريات العامة، التي تشمل الحقوق السياسية، مثل حق التجمع، وحق تأسيس الجمعيات، وحق التعبير علناً عن الأفكار، وكذلك حرية الصحافة وغيرها.
وكانت فلسفة الأنوار التي انتشرت في أوروبا في القرن الثامن عشر، قد بشّرت بمثل هذه المفاهيم ودعت إلي التسامح وحرية المعتقد. كما نص علي هذه المفاهيم إعلان حقوق الإنسان الصادر في فرنسا سنة 1789 إبان الثورة الفرنسية، وفصّلها الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل في كتابه حول الحرية الذي نشره عام 1859.
وإذا ذهبنا أبعـــــد من ذلك، فإننا نجد أن الإسلام قد دعا إلي صيانة حريات الإنســــان ومنها حرية المعتقد التي نص عليها القرآن الكريم في المبدأين المشهورين ( لا إكراه في الدِّين ) و ( لكم دينكم ولي ديني). كما تضمنت تعاليم الأديان الموحِّدة والمعتقدات والقوانين القديمة ـ مثل مسلة حمورابي في بابل ـ علي بعض الحقوق والحريات.

الحاجة الي الحريات الثقافية

توجد في العالم حالياً 189 دولة، ولكن، في الوقت نفسه، ثمة ما يناهز 5000 مجموعة عرقية. وهذا يعني أنه ما من دولة تخلو من تعدد الأعراق فيها. وتشير الإحصاءات إلي أن ثلثا دول العالم تضم أقلية واحدة علي الأقل تشكل نسبة 10 بالمئة من سكان الدولة. ولا توجد إلا 8 دول صغيرة تدعي نقاء العرق فيها.
ومما ساعد علي التنوع الثقافي في بلدان العالم كافة، تسارع وتيرة الهجرة الدولية. فجميع الأقطار الأوروبية والأمريكية تأوي أعداداً كبيرة من المهاجرين. وإذا كانت بعض الدول العربية ( دول المغرب العربي) مصدراً لهؤلاء المهاجرين فإن بعضها الآخر (دول الخليج) تستقبل العمال المهاجرين من الدول الآسيوية. ومن الأمثلة التي تُضرب علي ازدياد أعداد المهاجرين أن نصف سكان مدينة تورنتو الكندية ولدوا خارح كندا. ونظراً لتوفر وسائط النقل السريعة وتزايد وسائل الاتصال الحديثة، فإن أغلبية المهاجرين يحتفظون بعلاقات وثيقة مع بلدانهم الأصلية أكثر من السابق.
ومن الطبيعي أن يكون لدي الأفراد رغبة في أن يعيشوا حياة كاملة وبحرية، أي التحدث بلغتهم، وممارسة شعائر دينهم، والاحــــتفال بأعيادهم، والتغني بتراثهم، علانية ودون خوف من التمييز أو التهميش أو الإقصاء عن الفرص الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وفي أحيان كثيرة تصطدم هذه الرغبة لدي أفراد الأقليات برغبة الأكثرية في فرض ثقافتها وتعميمها، ما ينتج عنه بعض التوترات الاجتماعية التي إذا ما أُهملت ولم تُعالج بصورة صحيحة فإنها قد تتحول إلي مصدر من مصادر عدم الاستقرار والاضطراب.

دوافع صيانة الحريات الثقافية

يري بعض القادة والزعماء أن الأمة تكون أكثر تماسكاً وقوة إذا كان أبناؤها ينتمون إلي أصل واحد، ويعتنقون ديانة واحدة، ويتحدثون بلغة واحدة. أي أن هؤلاء القادة يرون أن التنوع الثقافي قد يؤدي إلي التشرذم والتنازع المعيقين للتنمية، ويؤمنون بضرورة التماثل في الدولة وفق معيار وطني موحد يسعون إلي فرضه علي جميع المواطنين.
ويخبرنا التـــــــاريخ أن هذا الصنف من القادة يلجأ إلي اتباع أنواع مختلفة من اضطهاد الأقليات بما في ذلك التطهير العرقي واقتـــــراف مجازر بشرية للتخلص من الأقليات كيما تبقي الأمة نقية موحدة. وليست عمليات التطهير العرقي التي اقترفها الصرب بحق المسلمين في البوسنة والهرسك في العقد الماضي ببعيدة عن الأذهان.
وفي العصر الحاضر تنامت الحركات السياسية التي ينضوي فيها أبناء الأقليات والمطالبة باحترام حرياتهم الثقافية ومنحهم حقوقاً اجتماعية وسياسية واقتصادية مساوية، بل أخذ بعض هذه الحركات يطالب بتقاسم السلطة والاستقلال الذاتي. وهكذا فإن الدول التي تواجه هذه الحركات تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما:
ـ إما قمع الحركات المطالِبة بالحريات الثقافية وممارسة الإقصاء الثقافي،
ـ وإما الاتساع ديمقراطياً واحتواء المطالب المشروعة وإفساح المجال للتنوع الثقافي.
ولما كان الخيار الأول يؤدي إلي توترات اجتماعية كبيرة وأحيانا إلي اضطرابات سياسية عنيفة ما يتسبب في خلخلة السِّلم الاجتماعي وعرقلة التنمية، فإن التقرير يدعو إلي تبني الدول الخيار الثاني واتباع سياسات تعترف بالتباينات الثقافية وتحترمها، من أجل استتباب السِّلم الاجتماعي ومشاركة جميع المواطنين في عملية التنمية البشرية.
فالتنمية البشرية تتطلب أكثر من الصحة والتعليم ومستوي المعيشـــــي اللائق والحرية السياسية. إنها تتطلب كذلك حرية الناس في التعبير عن هوياتهم العرقية والدينية واللغـــــوية والثقافية، واحترام الدولة لتلك الهويات ورعايتها. فالحــــرية الثقافية حق من حقوق الإنسان وعنصر هام من عناصر التنمية البشرية.

افتراضات خاطئة عن الحريات الثقافية

ويؤكد التقرير أن تعدد هويات الإنسان لا يمنع من ولائه للدولة، فالإنسان يستطيع أن يحمل هويات متعددة ويتماهي مع مجموعات مختلفة، فتكون له هوية الجنسية (مثل كونه فرنسيا)، وهوية الجنس (مثل كونه امرأة) وهوية العنصر (مثل كونه من أصل إفريقي)، وهوية اللغة (مثل طلاقته بالفرنسية والعربية والإنكليزية)، وهوية السياسة (مثل كونه ذا ميول يسارية)، وهوية الدِّين (مثل كونه مسلما). وهذه الهويات المتعددة لا تمنع من أن يكون ولاؤه لفرنسا التي يولد ويعيش فيها ويتلقي تعليمه في مدارسها ويعمل فيها وينخرط في جيشها.
كما أن الاختلافات الثقافية لا تشكل بحد ذاتها سبباً للنزاعات المسلحة أو الحروب الأهلية، فالسبب الحقيقي هو التفاوتات الاقتصادية بين المجموعات، والصراع من أجل السلطة والأرض ( فالنزاع في سريلانكا، مثلاً، يعود إلي استحواذ الأغلبية السنهالية علي السلطة السياسية في حين تسـيطر الأقلية التاميلية علي الموارد الاقتصادية).
ومن ناحية أخري ليس من الصحيح القول بأن التعددية الثقافية سبباً لبقاء التقاليد السقيمة والقيم السيئة والمحافظة عليــــها والولاء الأعمي لها، لأن الثقافة تتجدد باستمرار ولأن الـــــــناس يتساءلون عن قيمهم وممارساتهم ويكيفونها وفـــــق ما يتعلمونه من حقائق وأفكار جديدة. فـ التقاليد ليســــت مرادفاً لـ الحرية الثقافية ، كـــما أن الحرية الثقافية ليست سبباً معقولاً للسماح بانتهاك حقوق الإنسان ـ كحرمان النساء مثلا من حقوق مساوية لحقوق الرجال في التعليم.
ويدحض التقرير الخرافة القائلة بأن البلدان المتعددة عرقياً وثقافياً أقل قدرة علي النمو، ويضرب مثلا بماليزيا التي يتألف شعبها من الملاي بنسبة 62 بالمئة والصينيين بنسبة 30 بالمئة والهنود بنسبة 8 بالمئة، ومع ذلك أصبحت عاشر دولة في العالم من حيث النمو الاقتصادي بين عامي 1970 و1990.
كما يهاجم التقرير بشدة نظرية الجبرية الثقافية، وهي الفكرة القائلة بأن بعض الثقافات تمتلك قيما ديمقراطيــــة متأصـــــلة تساعدها علي اتباع الديمقراطية والتنمية في حين تفتقدها ثقافات أخري، وهي النظرية التي نادي بها ماكس فيبر في أواخر القرن التاسع عشر زاعما أن الأخلاقيات البروتستانتية تساعد علي النجاح الاقصادي. وقد انهارت هذه النظرية مثل جبل ثلج تحت الشمس الساطعة عندما نجحت بلدان كاثوليكية وشنتوية وإسلامية في تحقيق نجاحات اقتصادية باهرة. فليست هناك علاقة سببية بين الثقافة أو الدين أو العرق وبين الديمقراطية أو الازدهار الاقتصادي.

أنواع الإقصاء الثقافي:

تشير الإحصاءات إلي وجود ما يقرب من بليون شخص ـ أي واحــد من سبعة من سكان العالم ـ يتعرضون للإقصاء الثقافي. وهناك نوعان من الإقصاء الثقافي:
الأول، عذم الاعتراف بأسلوب الحياة الذي تختاره أقلية من الأقليات، ومطالبة أفراد تلك الأقلية باتباع نماط حياة الأكثرين والعيش مثل الآخرين تماما. ومن الأمثلة علي ذلك مطالبة فرنسا وبعض الدول الأوروبية للمهاجرين بالتخلي عن لغتهم وعاداتهم والانصهار بالمجتمع الأوروبي وثقافته (مثلا منع التلميذات المسلمات اللواتي يعتمرن غطـــــاء الرأس من متـــــابعة تعليمهن في مدارس الدولة الفرنسية). كما يقع الاضطهاد الديني ضمن هذا النوع من الإقصاء الثقافي (من الأمثلة علي ذلك مقتل آلاف المسلمين وتهجير آلاف منهم مؤخراً في ولاية غوجارات الهندية علي يد الهندوس المتعصبين).
الثانية، حرمان بعض الناس من الفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بسبب هويتهم الثقافية ( مثل التمييز العنصري الذي كان متبعاً بحكم القانون في بعض الولايات الأمريكية وفي جنوب إفريقيا، أو مثل أوضاع السكان الأصليين حالياً في الأمريكيتين وفي أستراليا، إذ تشير الإحصاءات، مثلا، أن نسبة من هم دون خط الفقر بين السكان الأصليين في المكسيك تبلغ 81 بالمئة في حين هي 18 بالمئة لعامة السكان).
سياسات لضمان الحريات الثقافية

يدعو التقريرُ الدولَ إلي اتباع سياسات تحقِّق الحريات الثقافية: منها سياسات لضمان المشاركة السياسية للأقليات عن طريق التمثيل النسبي في الانتخابات، أو سياسة العمل الإيجابي التي تخصص نسبة محددة للأقليات في المجالس التشريعية والوظائف الحكومية وفي الشركات، أو اتباع نظام اللامركزية أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي، بحسب الظروف والحالات.
ومنها سياسات لضمان الحرية الدينية عن طريق الالتزام بالديمقراطية أو العلمانية، وكذلك الاعتراف بالأعياد الدينية للأقليات والسماح لأبنائها بممارسة شعائرهم الدينية علناً.
ومنها سياسات من أجل التعددية القانونية. ومنها سياسات لغوية تســـــمح لأبناء الأقليات بتعلم لغتهم أو استعمالها في مناطقــــهم إضـــافة إلي اللغة الرسمية أو الوطنـــية. ومـــنها سياسات اجتــــماعية واقتصادية لتحقيق المساواة في الدخل والتعليم والخدمات الصحية لجميع المواطنين وعدم حرمان أبناء الأقليات منها.

العولمة والتنوع الثقافي

تضعنا العولمة أمام تحديات جديدة وانقسام في الرأي بين معارض ومؤيد. ففي حين يري بعضهم أن العولمة تفتح الحدود أمام السلع والأفكار والقيم وأنماط الحياة، وتيسِّر الاتصالات والتلاقح الثقافي بين الأمم ما يؤدي إلي تعددية ثقافية، يري بعضهم الآخر أن العولمة تحمل تهديداً للهوية المحلية والوطنية وخسارة لقيمها وأسلوب حياتها، أي إلي القضاء علي ثقافات قائمة وفي ذلك خسارة للحضارة الإنسانية.
ويسلك التقرير طريقاً وسطاً، فهو يدعو إلي احترام التعددية الثقافية وتشجيعها، وفي الوقت نفسه إلي إبقاء الحدود مفتوحة أمام رؤوس الأموال، والسلع، والناس، والأفكار.

الخلاصة

وخلاصة القول إن تقرير التنمية البشرية للعام 2004 الذي يحمل عنوان الحريات الثقافية في عالم متنوع يدعو الدول إلي تبني سياسات تعترف بالاختلاف الثقافي وتحترمه بل وتحتفي به، من أجل أن يعيش جميع المواطنين حياتهم كاملة وأن يختاروا هوياتهم الثقافية بحرية تامة، من دون أن يتعرضوا للإقصاء السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي بسبب عنصرهم أو لغتهم أو دينهم أو معتقداتهم السياسية والاجتماعية. وستساعد سياسات التعدد الثقافي هذه علي مشاركة جميع المواطنين في عملية التنمية مشاركة فاعلة، وتقضي علي أسباب التوترات الاجتماعية التي قد تتحول إلي اضطرابات سياسية تهدد السِّلم الاجتماعي وتعرقل التنمية البشرية.
كاتب من العراق يقيم في المغرب