حول نظرية الإسلام الليبرالي ....

السيد يسين ... الاتحاد

التقرير الاستراتيجي الخطير الذي كتبته الباحثة شيرلي بينارد التي تعمل في قسم الأمن القومي بمؤسسة راند الأميركية، والذي صدر عام 2003 بعنوان "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات"، هو أحدث دراسة أميركية عن التيارات الإسلامية الحديثة والمعاصرة.
وتبدو أهميته القصوى في أنه أشبه بتقرير استراتيجي يقدم توصيات عملية لصانع القرار الأميركي، بغرض الإسهام في بلورة تيار الإسلام المدني الديمقراطي بشكل مباشر وغير مباشر معاً. وذلك من خلال نقد التيارات الإسلامية الأصولية والتقليدية، ودعم وتشجيع التيارات الإسلامية العلمانية والحداثية.
والواقع أن تركيز هذا التقرير الاستراتيجي الأميركي الخطير على ما يطلق عليه الإسلام المدني الديمقراطي ليس جديداً في الدراسات الأكاديمية التي ركزت تركيزاً شديداً على دراسة الظاهرة الإسلامية من كل جوانبها في العقود الأخيرة. ولعل الأب الحقيقي للتيار الأكاديمي الأميركي الذي حاول بعمق شديد ونادر تأصيل الليبرالية الإسلامية، هو عالم السياسة الأميركي المعروف ليونارد بايندر في كتابه "الليبرالية الإسلامية: نقد للإيديولوجيات التنموية" الصادر عام 1988 عن دار نشر مطبعة جامعة شيكاغو.
ومن الأهمية بمكان في سبيل إيضاح الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها تيار الليبرالية الإسلامية كما صاغ منطلقاته الباحثون في دراساتهم، أن نعتمد على ما قرره بايندر نفسه في شرحه لخطة كتابه وهو يقول:"المحور الأساسي للكتاب هو دراسة العلاقة بين الليبرالية الإسلامية والليبرالية السياسية. وهو يضع في اعتباره الرأي الذي مؤداه أن العلمانية تنخفض معدلات قبولها، ومن المستبعد أن تصلح كأساس إيديولوجي لليبرالية السياسية في الشرق الأوسط. ويتساءل الكتاب فيما إذا كان من الممكن بلورة ليبرالية إسلامية، ويخلص الكتاب إلي أنه بغير تيار قوي لليبرالية الإسلامية فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط، بالرغم من ظهور دول بورجوازية".

ونريد أن نقف بالتحليل قليلاً أمام هذه النتيجة المهمة التي صاغها بايندر عام 1988، لأنها هي الفكرة الجوهرية التي قام عليها في الواقع كتاب شيرلي بينارد عن الإسلام المدني الديمقراطي، بل إن هذه النتيجة المهمة هي التي قامت على أساسها تحركات سياسية لقوى إسلامية محددة، وللولايات المتحدة الأميركية.

بالنسبة للتحركات السياسية للقوى الإسلامية يمكن أن نتابع التطورات التي لحقت بفكر جماعة الإخوان المسلمين في العقود الأخيرة، حيث قبلوا الممارسة الديمقراطية، وقبلوا فكرة الأحزاب السياسية، بل ودخلوا معترك الانتخابات المصرية وكان لهم في برلمان 1987 عشرات النواب. ومن ناحية أخرى تقدم الناشط الإسلامي المعروف أبو العلا ماضي بمشروع تكوين حزب "الوسط" الذي اعترضت على قيامه جماعة الإخوان المسلمين والسلطة السياسية في مصر لأسباب مختلفة بالنسبة لكل طرف.

وهكذا يمكن القول إن الاهتمام المبكر لعالم السياسة الأميركية ليونارد بايندر بالليبرالية الإسلامية منذ عام 1988، قد فتح باباً للاجتهاد الأميركي أدى من بعد - من خلال عملية تراكمية معرفية معقدة – إلى أن يصدر عالم السياسة الأميركي رايموند ويليام بيكر عام 2003 كتاباً ملفتاً للنظر عن الإسلاميين المستقلين في مصر، عنوانه "إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد" نشرته جامعة هارفارد. وقد خصصه لدراسة أفكار أربعة من الكتاب الإسلاميين المعروفين وهم أحمد كمال أبو المجد، وطارق البشرى، وفهمي هويدي ومحمد سليم العوَّا.

وقد أشار بيكر في مقدمة الكتاب إلى الحوار الفكري الذي دار بيني وبين الدكتور أبو المجد على صفحات "الأهرام" حول الكتيب الذي حرره باسم مجموعة كبيرة من المثقفين الإسلاميين وعنوانه "رؤية إسلامية معاصرة". وكانت وجهة نظري في هذا الوقت أن هذه الرؤية لا تتضمن جديداً، وأن الأفكار الواردة فيها هي محض إعادة إنتاج لبعض الأفكار المستقرة في الخطاب الليبرالي الغربي التقليدي، في الوقت الذي ركز فيه الدكتور أبو المجد حول عناصر الجدة في هذه الرؤية، وخصوصاً إذا ما قورنت بالاجتهادات المتشددة والفكر المنغلق للجماعات المتطرفة. وجدير بالذكر أن هذا التيار الوسطي الذي يمثله هؤلاء الكتاب الأربعة الذين أشرنا إليهم، والذين يمكن أن يضاف إليهم الشيخ يوسف القرضاوي لم يفلت من اهتمام الأكاديميين المصريين. فقد عني تقرير الحالة الدينية الذي يرأس تحريره نبيل عبدالفتاح والذي صدر منه عددان من مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالإشارة المفصلة لهذا التيار، وأفرد لهم كتاباً مستقلا أستاذ علم الاجتماع المعروف د. محمد حافظ دياب عنوانه: "الإسلاميون المستقلون: الهوية والسؤال". وهذا الكتاب يتميز بتطبيقه المنهج الإبستيمولوجي بشكل خلاق، مما جعل دراسته تعتبر أعمق دراسة باللغة العربية حول هذا التيار.

وكتاب شيرلي بينارد عن الإسلام المدني والديمقراطي والذي نفضل وصفه بأنه تقرير استراتيجي، لأن ذلك يعبر بدقة عن طبيعته ووظيفته في الوقت نفسه، يتكون من تمهيد وثلاثة فصول وأربعة ملاحق وقائمة مراجع.

الفصل الأول عنوانه: رسم خريطة للموضوعات: مقدمة لآفاق الفكر في الإسلام المعاصر، ويناقش فيه الوضع الراهن من حيث المشكلات المشتركة والإجابات المختلفة، ويحدد مواقف التيارات الإسلامية إزاء عدد من الموضوعات الرئيسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعدد الزوجات، والعقوبات الجنائية والعدالة الإسلامية، وموضوع الأقليات، ولبس المرأة، والسماح للأزواج بضرب الزوجات.

أما الفصل الثاني فهو يمثل صلب التقرير وعنوانه "العثور على شركاء من أجل تطوير وتنمية الإسلام الديمقراطي"، وهو يتضمن تصنيف التيارات الإسلامية المعاصرة إلى أربعة: العلمانيين والأصوليين والتقليديين والحداثيين، حيث يحدد السمات الرئيسية لكل تيار وموقفه من المشكلات المطروحة.

أما الفصل الثالث وعنوانه "استراتيجية مقترحة"، فهو يتضمن توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأميركي لاستبعاد التيارات الإسلامية المعادية وتدعيم التيارات الإسلامية، وخصوصاً ما يطلق عليه التقرير التيارات العلمانية والحداثية، ولأنها أقرب ما تكون إلي قبول القيم الأميركية وخاصة القيم الديمقراطية.

وهكذا يتضح من هذه الإشارة الموجزة أن شيرلي بينارد استطاعت بمقدرة واضحة طرح مشكلة الإسلام الليبرالي باعتباره المدخل الرئيسي لتطوير ممارسة الديمقراطية في البلاد العربية، من خلال تدعيم التيارات العلمانية والحداثية لإفساح المجال أمام أنصارها لاقتسام السلطة والدخول بقوة في حلبة المشاركة السياسية، من خلال الضغط المباشرة وغير المباشر على الأنظمة السياسية العربية. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قدمت تصنيفاً للتيارات الإسلامية يتضمن تحديد طبيعة كل تيار، وهو تصنيف – وإن كان فيه بعض التداخل – إلا أنه يتسم برهافة التحليل المعرفي، والذي يكشف عن إلمام دقيق بالمشهد الفكري الإسلامي المعاصر. وفي النهاية قدمت لصانع القرار توصيات عملية في نظرها، لاصطناع شركاء من الإسلاميين في سبيل تنفيذ المشروع.

وتقرر بينارد أن الغرب يراقب بدقة الصراعات الإيديولوجية العنيفة داخل الفكر الإسلامي المعاصر وتقول بالنص "من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي ككل تفضل عالماً إسلامياً يتفق في توجهاته مع النظام العالمي، بأن يكون ديمقراطياً، وفاعلاً اقتصادياً، ومستقراً سياسياً، تقدمياً اجتماعياً، ويراعي ويطبق قواعد السلوك الدولي. وهم أيضاً يسعون إلى تلافي "صراع الحضارات" بكل تنويعاته الممكنة، والتحرر من عوامل عدم الاستقرار الداخلية التي تدور في جنبات المجتمعات الغربية ذاتها بين الأقليات الإسلامية والسكان الأصليين، في الغرب، وذلك تلافيا لتزايد نمو التيارات المتشددة عبر العالم الإسلامي، وما تؤدي إليه من عدم استقرار وأفعال إرهابية".

الباحثة الأميركية صرحت عن المصلحة المؤكدة للولايات المتحدة وللدول الغربية عموماً في دعم وتنمية تيار الإسلام الليبرالي. فلنرَ كيف صنفت التيارات الإسلامية من ناحية، وما هي الاستراتيجية المقدمة لتجنيد شركاء إسلاميين معتدلين لتنفيذ المخطط الأميركي؟.