سهولة غير محتملة ...

عزمي بشارة .... الحياة

اعترفت الأم الشابة الفرنسية، ماري ليوني لابلانك (32 عاما)، بأنها كذبت كذباً صريحاً ومقصوداً عندما اختلقت قصة الهجوم الذي تعرضت له الجمعة التاسع من يوليو (تموز) من قبل ستة شبان وصفتهم بأنهم «عرب سمر من شمال افريقيا تراوح اعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين». واعتذرت. ولكن لنقرأ نص الاعتذار الذي نشرته ماري ليوني لبلانك: «اعتذر لرئيس الدولة وللوزيرة نيكول جودج، وكل الناس الذين خرجوا للتظاهر وللتعبير عن دعمهم لي بالكذب الذي نشرته. انا نادمة على افعالي واعتذر امام كل من اسأت له». أمر ما غير مريح في هذا الاعتذار، شيء ما يزعج القارئ او المستمع السوي، ربما لأنه فعلا معوج. نعم. لا يشمل الاعتذار اي اعتذار للعرب أو المسلمين أو السمر او الأفارقة الشماليين... إلا اذا كانوا اذكياء كفاية ليستنتجوا من الجملة الاخيرة انهم مشمولون في عبارة: «وكل من اسأت له». ويبقى الاعتذار الصريح محصورا برئيس الدولة الذي استنفر، خوفاً من «الورطة» التي كانت ستكون من نصيبه لو لم يستنفر، والوزيرة التي استنكرت والمتظاهرين ضد العداء للسامية في فرنسا الذين ضللتهم حضرتها. فهم برأيها، أو برأي من نص لها الاعتذار، الضحية الحقيقية وربما برأي الاعلام الذي نقل الاعتذار. اما العرب فلا يعقل ان يوجه الاعتذار اليهم لئلا يحسبوا أنهم ابرياء فـ«تكبر رؤوسهم». وعلى كل حال ليس العرب والمسلمون إلا ظاهرة عرضية مفارقة مرافقة وغير مقصودة للكذب في هذه الحالة كما سوف نرى، ولذلك فهم مجرد ظاهرة جانبية في الاعتذار أيضا.
قصة الام الشابة طريفة فعلاً. تقارير الشرطة تفيد ان لها تاريخا من الشكاوى عن اعتداءات ومحاولات اغتصاب وقعت لها ولم يتم ايجاد الفاعلين. ولكن هذه المرة وبمساعدة صديقها الذي أعانها على رسم الصلبان المعقوفة على بطنها كانت الكذبة تصويرية ونموذجية كأنها مقترضة من كتب شعبية بعشرة قروش على وزن: «كيف تكتب رسالة لحبيبتك؟»، «كيف تكذب على الاصدقاء وتؤثر في الناس؟» بدل «كيف تكسب الأصدقاء الخ؟». هجوم في قطار الضواحي، مجموعة عنيفة من ستة شبان عرب، عشرون راكبا في القطار لم يتدخل احدهم او يخف لمساعدتها، عدم الرأفة بطفلها الذي كانت تجره في عربة عند الهجوم عليها، تمزيق ملابسها بسكين وجز بعض شعرها واسقاط عربة طفل ابن 31 شهراً. وباختصار، عصابة من الوحوش الحقيقيين. 
قد تثير هذه القصة تداعيات عند العرب وغيرهم من الاقليات في اوروبا عن قطارات الضواحي او القطارات المكتظة بمؤيدي فرق كرة القدم السكارى بعد مباراة في فرنسا وغيرها، والاعتداءات التي يقوم بها الـ«سكين هيدز» والـ«هوليغنز» على انواعهم ضد العرب او السود او الاجانب بشكل عام، واحياناً ضد الشيوخ والعجائز وغيرهم. في هذه القصة انقلبت الصورة فظهرت فيها مجموعة من ستة شبان عرب كأنهم «سكين هيدز» او نازيون جدد. كما تم تخيل عشرين مسافرا غير مبالين في الخلفية، كناية عن الغالبية الأوروبية الصامتة عند صعود النازية، عندما سيق اليهود الى معسكرات الاعتقال وأفران الغاز… افتراء الفتاة يعج برموز ذات مغزى لـ«العقل الجمعي» اذا صح التعبير.
وبعد ان اصطف السياسيون الفرنسيون الواحد تلو الاخر لادانة الجريمة والمطالبة بانزال اقسى العقوبات بالفاعلين وللاعتراف بواقع العداء للسامية في فرنسا، تسابقت كبريات الصحف في تحليل وادانة الجريمة النكراء. ونحن نعرف كيف يتسابق الكتاب على التقاط «الأمر الأهم» و«تشخيص ما يميز» هذه الجريمة الذي فات الجميع ولم يكترث له احد قبل هذا الكاتب. ولذلك يشخص احد الكتاب المشكلة الرئيسية في المسافرين العشرين، ويتوسع في ادانتهم لأنهم لم يفعلوا شيئاً ولم يتصلوا بالشرطة، ولم يخطر بباله ان لا عشرين مسافرا ولا عرب ولا قطار ولا من يحزنون. و«العشرون» طبعا صامتون لا يدافعون عن أنفسهم لأنهم غير قائمين الا في التاريخ الاوروبي الذي يتم استحضاره وتصفية حسابه وضميره على حساب العرب الافتراضيين.
الحزب الشيوعي دعا الى تظاهرة يوم الاربعاء. وادانت كل المؤسسات والمنظمات الناشطة ضد العنصرية، بما فيها رابطة مسلمي فرنسا الجريمة النكراء. الهجوم وحشي لا شك في ذلك، وكل من كان مهتما بالتعاطف مع العرب وقضاياهم، وكل من يناضل ضد العنصرية الموجهة ضد العرب والمسلمين وجدها مناسبة ليؤكد موقفه الثابت ضد كل اشكال العنصرية، بما في ذلك العنصرية الموجهة ضد اليهود. ولا بأس، ففعلا اذا هوجم يهودي لأنه يهودي يجب اتخاذ موقف واضح من دون مواربة وتأتأة وتحفظات على وزن «ندين... ولكن». الادانة يجب ان تكون قاطعة وواضحة.
 ولكن المصيبة ان الهجوم في «قطار الكراهية» كما سمته الفيغارو» كان مختلقاً، أي لم يكن. فما العمل بعد أن خرجت كل هذه التصريحات الى فضاء المجتمع والثقافة والسياسة والصحافة؟ ما العمل بعد ان تورط سياسيون كبار بتصريحات غير مبنية حتى على ادعاءات الفتاة ولا تبدأ بعبارة من نوع «اذا صح ما تقوله الفتاة....». الاعتذار عن الموقف غير وارد طبعاً، فموقف الإدانة صحيح لو صح ان الجريمة وقعت. وكما لم تعتذر الام للمسلمين والعرب بشكل عام على هذه الاساءة، كذلك لم يتراجع السياسيون عن حملة لا يجوز طبعا مقارنتها بالكذبة التي قامت على اساسها، ولا يجوز الاعتذار عنها. فحملتهم صحيحة مبدئياً، فما العمل مرة أخرى؟
 هنا يبدأ جهد مسيء فعلا لتبرير عدم التراجع. فلكي لا يحسبن احد، لا سمح الله، ان كذب هذه الفتاة يعني ان قصة العداء للسامية في فرنسا مؤلفة من مجموعة اكاذيب يوجه الجهد لخلق اجواء مفادها أن العداء للسامية خطر داهم، وانه لا تراجع عما قيل بغض النظر عن كذب الفتاة. فكذبها مسألة مستقلة يجب ان تعاقب عليها. ويذهب البعض ابعد من ذلك فيتأسف انها كذبت، ولكنه يؤكد ان جريمة كهذه ممكنة الحدوث. وطبعاً هم ليسوا اغبياء يصدقون أي شيء، وما داموا قد صدقوها فالجريمة ممكنة الحدوث. وما دامت ممكنة الحدوث فلربما وقعت فعلا، وقد يطلب من العرب والمسلمين الاعتذار في النهاية لفتاة وقعت ضحية صورتهم السيئة وكونها قادرة على تخيل أمر فقط لأنه ممكن الوقوع.
لا شك ان هناك بقايا عداء للسامية في اوروبا، ولكن نمط العنصرية الاساسي السائد في الغرب هو الموقف من العرب والاسلام والمسلمين، في فرنسا وغيرها. وهنالك علاقة بين كذب الفتاة وبين قضية العنصرية. وكذبها ليس مسألة منفصلة عن مضمون هذا الكذب كما يدعى.
 لنعد الى الأم الشابة التي استطاعت عندما اختارت الموضوع الصحيح، كما يستطيع اي شاب او شابة، تحريك دولة، بل دول، لايام بكذبة بسبب الاعلام والمشهد الاعلامي والاثارة والخبر ومركباته. لو قالت الفتاة مثلاً انه تم الاعتداء عليها هكذا حافياً، أي دون اسلام او مسلمين وعرب ويهود لما زعزعت اركان المجتمع الذي لم يتزعزع من وحشية الاعتداء كما يبدو بقدر ما اهتم بهويات فاعليه وضحاياه وباسبابه ودوافعه....الخ.
ولو اخذنا في الاعتبار، اضافة الى ذلك، ان الفتاة ليست يهودية وان دافعها للكذب لم يكن دافعا عاما، سياسياً او اعلاميا، بل كان شخصياً خالصاً، عندها فقط ندرك حجم المصيبة التي حلت بالعرب والمسلمين. فهم مجرد ظاهرة مرافقة لتفريغ غضب مستهلكة محبطة. فقد كان من المفترض ان تشتري الفتاة سيارة من صديق صديقها، ولم تستطع ان تفي بالتزام الاقساط االشهرية، فقررت ان تختلق قصة تعرضها لهجوم وسرقة بدل ان تبدو غير جدية امام صديق صديقها. معقول؟! نعم. هذه هي روايتها.
وهي لا تكتفي بكذبة تعرضها لسرقة، مع أن ذلك ممكن الحدوث، فالناس تتعرض للسرقة. ولكي تبدو أكثر اقناعا فإن اول او «اصدق كذبة» تخطر ببالها هي ان تبدو يهودية، ونذكِّر مرة أخرى ان الفتاة ليست يهودية، يهاجمها عرب يعتقدون انها يهودية. خيال خصب فعلا. والمصيبة ان العنصرية ضد العرب والمسلمين في هذه الحكاية ليست امراً مركزياً، بل السيارة التي لا تستطيع دفع ثمنها، أو صورتها هي أمام اصدقائها . ولا تهدف الفتاة الى التحريض ضد العرب أو الافتراء عليهم، بل هي تفترض وحشيتهم افتراضاً، كما تفرض ان اليهود في هذا السياق هم الضحية. كما تفترض ان هذا كله سهل التصديق. ولربما افترضت ايضاً ان هذا كله طبيعي الى درجة انه لن يلفت نظر احد. الى هذه الدرجة وصل غسيل الدماغ ضد العرب والمسلمين في الغرب. على كل حال «وقع الحادث»، أي اختلقت الكذبة، في اليوم نفسه الذي نشر فيه التقرير الرسمي الفرنسي عن ازدياد اعمال العنف ضد اليهود في فرنسا في النصف الاول من هذا العام مقارنة بالعام الماضي.
من بين الادانات العديدة لجريمة الاعتداء المفترض برز رد احد النشطاء في المنظمات الصهيوينة في فرنسا لم يكفه تجند الجميع في الحملة ضد العداء للسامية، ولم يترك انطباعا لديه خروج الصحافة والسياسة والثقافة في فرنسا ضد «قطار الكراهية» المفترض، فقال: «اخشى انه بعد هذا الاعتداء سيتهمنا غير اليهود مرة اخرى بمصائبهم لانه يتم الاعتداء عليهم بافتراض انهم يهود». لقد تورط العرب فعلا، وبالعامية: «شو هالعلقة؟»، من يستطيع التعامل مع هذه التركيبات؟ مصيبة حقيقية.
اما تصريح شارون الذي دعا يهود فرنسا الى الهجرة لاسرائيل فهو الوحيد الذي لا علاقة له لا بالاعتداء الذي لم يكن، ولا بالكذب، ولا باعتذار الفتاة. اطمئنوا، فهذه كلها امور جانبية بالنسبة لشارون الذي يدعو الى هجرة اليهود الى اسرائيل من منطلق ايديولوجي. وقد لا يدرك المعلقون والمحللون أن الرجل ينتمي الى الجيل الصهيوني المؤسس في اسرائيل الذي يريد ان يُشعِر كل يهودي في العالم بعقدة ذنب انه لم يهاجر الى اسرائيل، انه الجيل الذي لا يرى بالعداء للسامية خطرا بل امراً طبيعياً ويعتبر رفاهية اليهود في العالم هي الخطر على اسرائيل والصهيونية. ولذلك فإن المفاجأة من تصريحات شارون هي المفاجئة. 

٭ كاتب عربي.