سؤال التكتل والاتحاد ....

 برهان غليون..... الاتحاد

 

كلما تقدمت مسيرة التحولات العالمية في إطار ما يسمى اليوم العولمة ظهر التفكك والتجزئة العربية كعامل الضعف الرئيسي في أي محاولة للخروج من أزمة التراجع والتقهقر والجمود العربية، وثارت من جديد مسألة لا يزال الفكر العربي يتصدى لها منذ عقود. أعني مسألة الوحدة أو الاتحاد أو التكتل بين الدول العربية. وجوهر هذه المشكلة هو أن أمما وقوميات كبرى لا يشك أحد في تكونها سارت سيرا مطردا في العقود الخمسة الأخيرة نحو التعاون والتفاهم والاتحاد، بالرغم من الحروب العنيفة والدامية التي كانت قد عرفتها فيما بينها سابقا، في حين أن الدول العربية التي بدأت قبل أي جماعة أخرى في تكوين رابطة إقليمية بهدف تسريع خطى الاندماج والوحدة، وهي التي لم تكن قد عرفت حروبا فيما بينها، وتشترك أكثر من أي بلدان أخرى في تاريخ، وثقافة، ولغة، ودين غالبي واحد، قد سارت أكثر من أي منطقة أخرى نحو التباعد والتشاحن والتنابذ والتفكك بل نحو الحروب الداخلية. هكذا لم تساعد القرابة القومية الفعلية في تحسين شروط الاتحاد، والتفاهم بينما لم تمنع التمايزات القومية الواضحة والقوية الدول الأوروبية من التقدم بسرعة نحو الاتحاد.

على هذا السؤال المحير ليست هناك بعد إجابات شافية، بالرغم من الأدبيات الكثيرة والمتنامية حول موضوع إخفاق الجامعة العربية أو العمل العربي المشترك أو تجديد مشاريع الاندماج والتكتل الاقتصادي في المنطقة العربية، وآخرها مشروع منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى.

ويبدو لي اليوم من التأمل في التاريخ العربي الاقليمي الحديث، وفي الأدبيات الكثيرة التي أنتجها أيضا في هذا الميدان أن السبب الرئيسي والحاسم الذي يفسر هذا التردد العربي في تحقيق مشاريع التكامل والتعاون، لا يكمن في الضغط الخارجي- كما كنا نتصورعادة- ولا في حرص النخب القائمة على الحكم على الدفاع عن مصالح قطرية أو وطنية قطرية فعلية، ولا من باب أولى في نقص الثقافة التعاونية أو التمسك بالقطرية كقضية مبدئية. إنه قائم بالعكس من كل ذلك على غياب الوعي عند هذه النخب نفسها في المصالح العليا والوطنية وارتمائها على الدول الكبرى لضمان الحماية الخارجية. فالذي دفع النخب الأوروبية إلى السير نحو التعاون الاقليمي ثم الاتحاد السياسي، كما هو الحال اليوم ليس شيئا آخر سوى التمسك بمنطق البحث عن تعظيم المنافع والمكاسب الاجتماعية لأفراد شعوبها. فهي لا تتحرك بدافع البحث عن المصالح الخاصة، ولكن بدافع تحقيق المصالح الأهلية والوطنية باعتبار ذلك هو مصدر الشرعية الحقيقية لها، وهو الضمانة الرئيسية في أن تعاد الثقة بها والتجديد لها في القيادة والحكم في نظم سياسية تحكمها قاعدة الديمقراطية والانتخابات العمومية.

وبالعكس، إن ما يفسر تجنب العديد من النخب العربية، ونخب العالم الثالث عموما مشاريع التقارب والتعاون والتكامل الاقليمي هو كون معظمها طغما حاكمة لا تفكر إلا بمصالحها الخاصة، ولا تحتاج كي تجدد لنفسها في الحكم إلى أي مشورة أو موافقة شعبية، وإنما تحقق ذلك من خلال تحالفاتها الدولية وقوتها العسكرية والأمنية التي تضمن لها البقاء تماما، كما ضمنت لها الوصول إلى السلطة. وهذا يعني أن معظم دولنا تعمل بمنطق حماية النظم والمصالح القائمة بصرف النظر عن المصالح الوطنية والأهلية. ومن الطبيعي في هذه الحالة ألا نتوقع من هذه النخب التي نجحت في تحويل البلاد ومواردها إلى ملكية خاصة تتقاسمها هي وأبناؤها وأحفادهم وأنصارهم ومحازبوهم، من دون رقابة ولا مساءلة، أن تكون وحدوية، أي أن تتخلى بمحض إرادتها عما أصبحت تنظر إليه كإرث عائلي ومزرعة خصوصية.إن الوحدة لا يمكن أن تعني شيئا آخر بالنسبة إليها في هذه الظروف، سوى التضحية بمصالحها وانتحارها الذاتي على مذبح أهداف تراها مثالية ولم تتعامل معها لحظة إلا على أنها شعارات للاستهلاك والحصول على الشرعية.

ويعكس النقاش القائم على المفاضلة بين القطرية والقومية أو الاختلاف حول الأولويات فيما يتعلق ببناء الدولة القطرية أو دولة الوحدة القومية في البلاد العربية، غياب التفكير العقلاني، والموضوعي في مسألتين معا : مسألة بناء الدولة القطرية ذاتها، ومسألة تحقيق الوحدة العربية معا. وهذا ينبع من استخدام قضية الوحدة لأهداف الاستراتيجيات السياسية اليومية، ويهدف إلى الهرب نحو قضايا ومسائل نظرية مصطنعة لتجنب القضايا الراهنة والتاريخية المطروحة، وفي مقدمها طبيعة الدولة ذاتها قبل أن تكون قطرية أو قومية، ومن وراء ذلك مسألة بناء الدولة القطرية كدولة مواطنية بالفعل.

ومن البديهي ألا تكون هناك وحدة ولا تعاون ولا تفاهم بين الدول العربية قبل أن تتحول هذه الكيانات الهشة والمفتقرة هي ذاتها إلى الثقة بنفسها ومعرفة واجباتها وقدراتها، إلى دول حقيقية.أي قبل أن تتحرر من القيود التي تفرضها على تطورها ولقائها مع أفرادها وأبنائها السلطة المطلقة البيروقراطية والمصالح الشخصية والفئوية التي تكبلها وتفسد جوهرها فتحولها من أداة تنظيم، وتسيير، وتواصل بين الناس إلى أجهزة أمنية، أي قمعية فحسب. وعندما تتخلص الدولة القطرية من هذا المس الذي أصابها وتتحول إلى دولة مواطنيها وشعبها بالفعل، سوف نكتشف بسرعة لا جدوى الحديث الطويل في عصرنا الراهن عن التناقض بين القطرية والقومية، وعن أهمية تحقيق الوحدة العربية. والتجارب التاريخية التي تجري أمام أعيننا تدل بما لا يقبل الشك أن الدول والأمم الأوروبية المتكونة تاريخيا وبقوة لم تكن بحاجة إلى البرهان على هويتها المشتركة ولا إلى اختراع أسطورة قومية حتى تسعى إلى التعاون وتنجح في تحقيق الاتحاد فيما بينها. فلم يعد من الضروري من منظور تطور اشكاليات العصر، وفي مقدمها العولمة والانفتاحات الاقتصادية، إضفاء المشروعية التاريخية أو الثقافية أو الأقوامية على مشروع تعاون اقليمي حتى نبرر قيامه تجاه الدول والمجموعات البشرية الأخرى، ولا من أجل ضمان استمراره وقبوله من قبل الجماعات المتعددة والمتباينة المشاركة فيه. وقد برهن تكوين الاتحاد الأوروبي في العقد الماضي على أن السعي المشترك لتعظيم المنافع والمصالح المتبادلة يشكل اليوم، بصرف النظر عن القرابة الروحية أو الأقوامية أو الجغرافية، مصدرا كافيا بل المصدر الأهم لمشروعية العمل الوحدوي أو الإقليمي. بل لقد أظهر أنه أقوى أثرا وفاعلية في تحقيق الاتحادات اليوم من أي مصدر مشروعية آخر، قائم على تأكيد الروابط التاريخية أو اللغوية أو الثقافية. وبالعكس، فقد دلت التجربة العربية على أن انتماء شعوب عديدة إلى تاريخ واحد، وامتلاكها لغة مشتركة، وعيشها في إطار ثقافة واحدة، ووجود مشاعر، وآمال، وآلام واحدة عند شعوبها بل ونزوع هذه الشعوب بشكل قوي وجامع إلى الاتحاد لم يقربها من الوحدة ولم يؤسس فيها عوامل الاتحاد، بل لم يحل بينها وبين التمزق والانفصال وتكريس الوطنيات المحلية، وتقديس الحدود القطرية التي أثارت العديد من الحروب. والنتيجة لن تنجح الشعوب العربية في تجاوز التمزق والدخول الفعلي في عهد التكتلات الإقليمة إلا من خلال إقامة أنظمة تقدم المصالح الوطنية على المصالح الفئوية، أي من خلال أنظمة ديمقراطية. ومن دون ذلك سوف تبقى الوحدة والتكتل والاتحاد أحلاما ليس لها أي أمل للتحقق في الواقع.