فى الطريق إلى  المجزرة....

محمود عوض ..... الحياة

 

هؤلاء عدد من نواب المعارضة فى البرلمان كتبوا أخيراً إلى كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة يناشدونه نشر مراقبين من المنظمة الدولية للاشراف على انتخابات الرئاسة الوشيكة فى بلدهم بما يضمن «اجراء انتخابات حرة ونزيهة». عن أي بلد تحدث أولئك النواب؟ عن هندوراس؟ عن فنزويلا؟ عن ليتوانيا؟ أبدا. بلدهم هو الولايات المتحدة، والانتخابات المقصودة هي الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وكما عبرت احدهم، وهي نائبة عن ولاية فلوريدا، قائلة: «بصفتنا أعضاء في الكونغرس من الضروري أن نتأكد من أن أمتنا لن تعيش من جديد كابوس انتخابات سنة 2000».

هم مجرد تسعة نواب في كونغرس يضم بمجلسيه 535 عضواً. لكن القيمة هنا ليست عددية بقدر ما هي تعبير عن تطور غير مسبوق يكشف بحد ذاته، ضمن مؤشرات أخرى، «المجزرة» السياسية التي يمكن أن تتحول اليها انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة.

اختار هنا صفة «المجزرة» عن قصد في ضوء أن الاستقطاب السياسي الذي يعيشه المجتمع الأميركي أخيراً يتجاوز بكثير ما عبرت عنه انتخابات العام 2000. بالطبع نتذكر هنا ما اتسمت به هذه الانتخابات من شذوذ، فالمرشح المهزوم حصل على أكثر من 550 ألف صوت شعبي أكثر مما حصل عليه المرشح الآخر. هذا المرشح الآخر احتسبت له أصوات ولاية فلوريدا بعد احصاء واعادة احصاء بأسبقية تقل عن خمسمئة صوت محلي. المفارقة بين نتيجة التصويت الشعبي ونتيجة حسابات المجمع الانتخابي لها جذور في التاريخ السياسي الأميركي، بما جعل النظام الانتخابي الأميركي يستعصي على الفهم حتى بالنسبة إلى المواطنين الأميركيين أنفسهم. رغم هذا كله لم يتحقق فوز جورج بوش الابن ضد البرت غور إلا بحكم قضائي، سابقة شاذة أخرى نادرة الحدوث في التاريخ الأميركي.

لم تنته المشكلة هناك بقدر ما بدأت. في العادة يبدأ المرشح للرئاسة في أميركا من موقع سياسي يميناً أو يساراً (بالمنظور الأميركي). لكنه بالتدريج لا يفوز بالرئاسة الا بعد أن يتحرك نحو كتلة الوسط في الخريطة السياسية. جورج بوش فعل شيئا مختلفا تماما. كان واضحا أنه يتحرك كمرشح من على يمين الأمر الواقع، مدعوما بكتلة مصالح عاتية تعبر عنها الشركات العملاقة في المجمع الصناعي العسكري البترولي. وبعد فوزه المثير للجدل أصبح واضحا أن نصف الناخبين على الأقل يعتقدون بأنه «سرق» هذا الفوز. وبدلا من أن يدخل البيت الأبيض ليبدأ تضميد الجراح والتحرك من اليمين الى الوسط اذا به يفعل العكس مصمماً من اللحظة الأولى على أن يقوم هو وادارته بدفع الوسط الى اليمين. يلخص هذا توجهين: أولا، التحرك بسرعة لاعطاء تخفيضات ضرائبية للشركات الكبرى على حساب الشريحة الغالبة في الخريطة السياسية الأميركية بحجة أنه يعيد الأموال الى أصحابها لكي تندفع تلك الشركات الى الاستثمار. وثانيا، التحرك بسرعة لزيادة الإنفاق العسكري وتبني مشاريع باهظة التكلفة كإنشاء نظام للدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ.

حينما حدث ارهاب 11/9/2001 تحرر جورج بوش وادارته من كل القيود الباقية على توجهاته. لم تعد الإدارة من المحافظين وانما من «المحافظين الجدد». لم تعد إدارة موقعها في اليمين وانما أصبحت في أقصى اليمين. لم تعد زيادة الإنفاق العسكري بحجة الحاجة الى نظام صاروخي جديد ضد دول وانما بحجة البدء في حرب شاملة ضد ارهاب غامض غير محدد على مستوى العالم. حرب مفتوحة مسرحها العالم كله ومواقعها في أكثر من ستين دولة وشعارها هو: من ليس معي فهو ضدي ومع الارهاب. أعلنت الادارة أيضا استراتيجية جديدة للأمن القومي أساسها الحروب الاستباقية. استراتيجية تقرر صراحة أنه من الآن فصاعدا لن تسمح أميركا لأي طرف دولي آخر ـ أو مجموعة من الدول ـ بمضاهاتها عسكريا أو منافستها اقتصاديا أو حتى التفكير في ذلك. أعلنت بعد حربها فى أفغانستان محوراً جديداً للشر ستتولى أمره وشيكاً ويتشكل من العراق وايران وكوريا الشمالية. وبينما بدأت الحديث مباشرة بعد 11/9/2001 عن أسامه بن لادن وتنظيم «القاعدة» وجماعة «طالبان» في أفغانستان بدأت التخطيط سرا لغزو العراق.

في البداية توحدت الخريطة السياسية الأميركية (بل العالم كله) أمام صدمة 11/9/2001. لكن مع التطورات بدأت التساؤلات. بدأ طلب الأدلة وفرز الحقائق من التعبئة الدعائية. لكن الإدارة استبقت هذا كله باصدار تشريعات طارئة عنوانها «القانون الوطني» لاعطاء الحكومة سلطات استثنائية على حساب الحريات المدنية التي عاش في ظلها المجتمع الأميركي طويلا. أشاعت الإدارة في الداخل مناخاً سياسياً يتهم أي صوت معارض بالتخاذل ونقص الوطنية وممالأة الإرهاب. أشاعت أيضاً هوساً من الخوف المتوتر من شبح مجهول غامض في أفق الحياة اليومية للمواطن العادي. تعمدت حجب أية أجوبة صحيحة عن أسئلة مشروعة من المشرعين أنفسهم بحجة السرية... وبما جعل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ذات اجتماع ينهر عددا من أعضاء مجلس الشيوخ بأن عليهم الاستماع فقط لأنه وحده المتكلم. موجة من رسائل الجمرة الخبيثة لاحقت مؤسسات سياسية واعلامية سبقها أو يعقبها رفع درجة الطوارئ... الخ.

من هذا المناخ سجلت الإدارة نجاحا بالغ الأهمية في خريف العام 2002 عبر انتخابات الكونغرس حينما سيطر حزبها الحاكم على مجلسي الشيوخ والنواب. من وقتها فصاعدا لم تعد المعارضة قادرة على تحدي الإدارة عمليا بعد أن أصبح البرلمان والحكومة معا في قبضة حزب الإدارة الحاكم... وهو وضع يخل بشدة بالتوازن السياسي المعتاد، توازن الوسط، الذي اتسمت به الخريطة السياسية غالبا. تستطيع المعارضة أن تشكو أو حتى تصرخ بين وقت وآخر. تستطيع طرح التساؤلات أو المطالبة بلجان تحقيق. لكن حتى حينما ترضخ الإدارة لذلك فبشروطها وكل لجنة تحقيق هي برئاسة وغالبية حزبها الحاكم وتقارير اللجان لا تذاع في نهاية المطاف إلا فى الحدود التى تقررها الإدارة مسبقا. وحينما شارك مسؤولو الإدارة فى لجان استماع في الكونغرس كان هذا بالشروط التي حددتها الإدارة بما أفرغ العملية كلها من مضمون الحساب عن الأداء السياسي. هكذا بعد أربعة تحقيقات «كبرى» مثلا أصبحت النتيجة في كل مرة هي حجب حقائق بدلاً من كشفها وتمييع المسؤولية بدلا من تحديدها.

مارست ادارة جورج بوش غطرستها وسياسة ارغام الخصوم مسبقا على موقف الدفاع داخليا وخارجيا. لقد بدا هذا طبيعيا تماما لأن كل ما لدى الإدارة هو حلول بوليسية في الداخل وحلول عسكرية في الخارج . تحول الإعلام الأميركي صراحة الى اعلام دعائي يكتفي بالترويج لسياسات الإدارة خشية ملاحقتها أو محاسبتها. أحد التفسيرات هنا هو أن وسائل الإعلام الأميركية مملوكة أصلا لشركات عملاقة مرتبطة في مصالحها بسياسات وبرامج الإدارة. كما أن معظم الإعلاميين الكبار هم من المليونيرات المستفيدين بالتخفيضات الضرائبية التي قررتها الإدارة على حساب الطبقة الوسطى. حتى جريدة «نيويورك تايمز» المحسوبة على التوجه الليبرالي (بالمنظور الأميركي) حاولت انقاذ ما يمكن انقاذه من صدقيتها بنشر اعتذار للقراء في شهر أيار (مايو) الماضي عن نشرها قصصا اخبارية مضللة ترويجا لحرب العراق ثبت تالياً كذبها. انما الاعتذار جاء أولا مدفونا في صفحة داخلية وجاء ثانيا بعد فوات الأوان، فلم يعد يعني سوى المؤرخين. لكن الأهم من ذلك أنها في السياق الزمني نفسه استمرت تقلل من شأن فضيحة ما جرى في سجن أبو غريب في العراق بالتجاهل أولا ثم بعدم نشر صور التعذيب ذاتها وبعد أيام عدة نشرت بالصفحة الأولى خبراً لأول مرة عنوانه:

«بوش يعبر عن امتعاضه من انتهاك السجناء العراقيين» . هكذا لم يعد الخبر هو الفضيحة بالنسبة للجريدة الرصينة وانما امتعاض جورج بوش من الفضيحة .

أحصت باحثة أميركية مؤخراً 23 أكذوبة استخدمتها الإدارة في الترويج لغزو العراق . قبلها سجل آخرون 27 أكذوبة استخدمها كولن باول وزير الخارجية أمام المجتمع الدولي في جلسة مجلس الأمن يوم 5/2/2003 . لكن الإدارة نجحت في كل مرة، ومعها أغلبيتها في الكونغرس، في دحرجة المسؤولية الى منشقين عراقيين كانت هي التي تقوم بتمويلهم... أو إلى موظفين في الاستخبارات ضللوا السياسيين الأبرياء (وقلدها في كل مرة نظيرها التابع في لندن توني بلير). أما بالنسبة الى فضائح التعذيب في سجن أبو غريب في العراق وسجون أخرى فقد امتصت الإدارة غليان العالم بل الشعب الأميركي ذاته بجلسات استماع تحت السيطرة ودحرجة المسؤولية على حفنة جنود ثم ـ الأكثر أهمية ـ بمنع نشر المزيد من الصور والأدلة داخل أميركا وخارجها .

كان المقصود من غزو أفغانستان ثم العراق هو افتتاح المشروع الامبراطوري الجديد باتساع «الشرق الأوسط الكبير». تعبير له جذور سابقة في التفكير الاستراتيجي العسكري الأميركي منذ أيام الحرب الباردة . وبعد شهر واحد من أحداث 11/9/1002 خرج ريتشارد بيرل أحد منظري الادارة في حينها ليقول في حديث صحافي انه: «بعد تدمير نظامي طالبان وصدام حسين ستصبح رسالتنا الى الآخرين هي: عليكم الدور. كلمتان اثنتان تختصران ديبلوماسية بالغة الفعالية والكفاءة، ولا نحتاج لأكثر منهما في تغييرهم جميعا. في قاموسه وقتها فإن «جميعا» هنا تشمل ايران وسورية وليبيا والسعودية وكوريا الشمالية... بعد أفغانستان والعراق.

العراق الآن فيه ما فيه... وأكثر. ومن الآن حتى انتخابات الرئاسة الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل تسعى الإدارة الى إبعاد العراق عن الصفحات الأولى بحجة أن القتال هناك أصبح بين عراقيين وعراقيين... وأن أميركا موجودة فقط لقيادة قوات متعددة الجنسيات مستمرة في العراق بناء على طلب حكومة موقتة معترف بها ولو تلفيقا وأن تلك الحكومة - بدلا من أميركا واسرائيل ـ هي التي تقرر انه لا يوجد في العراق مقاومة ضد الإحتلال بل مجرد ارهاب تحركه ايران وسورية وكل دولة عربية لا تذعن لجدول أعمال الادارة الأميركية باتساع «الشرق الأوسط الكبير» إياه.

السيناريو الذي وضعته الإدارة الأميركية مستمر في أرض الواقع حتى اللحظة بدرجات مختلطة من النجاح والفشل. في جانب النجاح ضمن أوراق الاعتماد هو توريط منظمة حلف شمال الأطلنطي في العراق، ولو كدول فرادى تحت عنوان تدريب القوات العراقية الوليدة أو المهمات الانسانية. في جانب الفشل ان «أوربا القديمة» بتعبير وزير الدفاع رامسفيلد واعية للفخ الذي يجري استدراجها اليه بما جعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك مثلا مضطراً الى التصريح علنا على هامش اجتماع اسطنبول في تركيا أخيراً: نحن أصدقاء وحلفاء لأميركا لكننا لسنا خدمًا لها .

في جانب الفشل أيضا أن أربع دول (اسبانيا والدومينيكان ونيكاراغوا وهندوراس) سحبت فعلا قواتها من العراق رغم اعتراضات أميركا، وأربع دول أخرى (تايلاند والفيليبين والنرويج ونيوزيلندا) أعلنت سحب قواتها مع حلول أيلول (سبتمبر) المقبل. لكن الادارة لا تيأس. انها تلح مؤخراً على زبائن جدد (الهند مثلا) بالمساهمة بقوات ولو رمزية مقابل مكافآت معتبرة مستقبلا (بعد التجديد لجورج بوش) ودور اقليمي غامض.

المثير للتأمل هنا، وبعمق، هو أن أياً من كل تلك الدول التي ساهمت بقوات أو يجري الإلحاح عليها أميركيا للمساهمة بقوات، ليس لها سابق عداء بالمرة مع أي دولة عربية في خريطة

«الشرق الأوسط الكبير» المستهدفة أميركياً حالياً في برنامج «المحافظين الجدد».

هذا يعيدنا الى الخريطة السياسية الأميركية ذاتها وانتخابات الرئاسة الوشيكة خلال ثلاثة شهور. حتى الآن هي خريطة سائلة ومرحلتها الحالية هي نجاح الإدارة في سحب المعارضة الى أرضيتها هي. المرشح المعارض جون كيري حتى اللحظة لم يعارض تقييد الحريات المدنية للمواطن الأميركي داخليا. لم يعارض المشروع الإمبراطوري خارجيا. لم يعارض حتى دور اسرائيل اقليميا. كل ما قاله حتى الآن هو المطالبة بتحسين الأداء.

لكن الإنتخابات الرئاسية الأميركية ما تزال تفصلنا عنها ثلاثة شهور. هذا وفي السياسة وقت طويل بما يسمح بكل المفاجآت. الإدارة الحاكمة في أميركا حالياً هي التي تجهز نفسها للمفاجآت، بما في ذلك - صدق أو لا تصدق، مفاجأة تأجيل انتخابات الرئاسة ذاتها. وهو مالم تفعله أميركا من قبل مطلقا حتى خلال الحرب الأهلية خلال القرن التاسع عشر. لكنها صحيفة مهمة هي مجلة «نيوزويك» الأميركية التي نشرت ذلك وبعدها أنكر مسؤولو الإدارة أنهم يفكرون في ذلك.

ربما. لكن جموح الفكرة، والمسارعة بنفيها، لا يمنعان أنها داعبت خيال البعض الحاكم ولو لبرهة قصيرة. هي ترويع آخر للمواطن الأميركي يضاف الى كل ما سبق. في أي حال كانت انتخابات الرئاسة في أميركا حدثاً مهماً دائماً. الجديد الآن انها أصبحت مهمة لأميركا، وللعالم.

الجانب المؤكد حتى اللحظة هو أن المشروع الإمبراطوري الأميركي لا يستمد مشروعيته بالمرة من تفويض صحيح من الشعب الأميركي وادراك واعٍ لعواقبه. انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني المقبل هي الامتحان الفاصل، حتى لا أكرر القول انها ستكون «مجزرة» سياسية تضع فيها كل الأطراف أوراقها النهائية على المائدة. مرة نهائية وحاسمة. سنتابع. وسنرى.

كاتب مصري.