في نقد الحاجة إلى الإصلاح...

 محمد عابد الجابري....الاتحاد

 

 

لعل القراء يذكرون أننا كنا قد شرعنا في نشر سلسلة من المقالات في هذا المكان منذ عدد يوم 04-11-2003 بعنوان "تجديد التفكير في مشروع متجدد..."، مشروع النهضة والإصلاح في الفكر العربي الحديث والمعاصر.وكما أشرنا إلى ذلك، فقد سبق لنا أن تناولنا كثيرا من قضايا هذا المشروع في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.وحين قررنا العودة إليها وفي هذا المكان، نبهنا إلى أن المشاكل النهضوية، التي تواجه العالم العربي، إذا كانت قد بقيت منذ القرن التاسع عشر هي هي، في مضمونها العام، فإنها تكتسي في كل مرحلة أبعادا جديدة، وصيغا متنوعة، الشيء الذي يستلزم تجديد التفكير فيها من وقت لآخر.وتجديد التفكير في موضوع من الموضوعات معناه إعادة بناء تصورنا له على ضوء ما حصل من تطور، إن في هذه الموضوعات نفسها أم في رؤيتنا لها وطريقة تعاملنا معها. وهذا ما نعبر عنه حاليا بلفظ جديد على خطابنا ورؤيتنا، لفظ "التحيين" من "الحين"، والدارج في المشرق لفظ "التحديث"، ونعني به جعل المسألة في وضع مناسب للتطور الحاصل حين طرحها.

ولما كانت قضايا النهضة في الفكر العربي الحديث والمعاصر يتجاذبها محوران:أحدهما يخص تجديد النظر في القضايا التي تجد مرجعيتها في تراثنا العربي الإسلامي، والثاني يتعلق بطريقة فهمنا واستيعابنا لمسائل التحديث والحداثة التي مرجعها الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر، فقد بدأنا بالمحور الأول فخصصنا له سلسلة من المقالات ختمناها بالمقال السابق الذي كان بعنوان "القرآن والعلوم الكونية".واليوم نشرع ابتداء من هذا المقال في طرح جملة من القضايا تخص المحور الثاني.

ولما كانت قضية "الإصلاح" هي قضية الساعة في الفكر العربي بمختلف منازعه وتياراته، بما في ذلك "الفكر الرسمي" الذي يمثل وجهة نظر الحاكمين في العالم العربي، فقد ارتأينا أن نبدأ بهذه القضية التي أخذت تكتسي طابع "القضية الأزلية" منذ بدء اليقظة العربية الحديثة.ولا نحتاج إلى التذكير بأن قضية "الإصلاح"، كما يتم تناولها اليوم في الساحة العربية، قد طرحها على العرب الرئيس الأميركي "بوش" وإدارته.وكان من الطبيعي أن تثير ردود فعل متعددة مختلفة: منها ما يقبل فكرة "الإصلاح"، ولكنه يرفض أن يكون مضمونه من إملاء قوى أجنبية، ومنها ما يقبل الفكرة ولا يرفض المضمون بصورة مسبقة، بل يطالب بالنظر فيه والأخذ بما هو "صالح لنا" والإعراض عما هو "غير صالح". ومن ردود الفعل ما يرفض التعامل مع الدعوة الأميركية إلى "الإصلاح" في الشرق الأوسط بغير الرفض القاطع، بدعوى أن ما هو صلاح وإصلاح، من المنظور الأميركي الإمبريالي، لا يمكن أن يكون في صالح من يعتبرهم أعداء له، وهم بالتحديد العرب والمسلمون.وعلى العكس من هؤلاء يرى آخرون أن الدعوة الأميركية إلى "الإصلاح" في الشرق الأوسط، ومطالبتها للحكام العرب بالانخراط فيه، فرصة تاريخية يجب اقتناصها لتحقيق الإصلاح الذي بقيت الأنظمة العربية القائمة ترفضه وتتهرب منه منذ ما يزيد على قرن من الزمن.

لا نحتاج هنا إلى مناقشة هذه الأنواع من ردود الفعل على الدعوة الأميركية -التي أصبحت اليوم أوروبية أيضا- إلى "الإصلاح" في الشرق الأوسط. فردود الفعل التي من هذا النوع لا تحمل في جوفها ما قد يحولها إلى فعل.ذلك أن أهمية رد الفعل لا تكمن فيه، بما هو رد فعل، وإنما تنحصر أهميته التاريخية فيما قد يخرج من جوفه من عناصر، ومواقف ينتظر منها أن تحقق التجاوز، وباللغة الجدلية: "نفي النفي". وهذا النوع من التجاوز أو نفي النفي يتوقف ظهوره على طبيعة العلاقة بين الفعل ورد الفعل.

الفعل، هنا، فعل أميركي محكوم بالظرفية التي أملته وبالقضية التي تحكم هذه الظرفية، وهي أساسا ما يطلق عليه الخطاب الأميركي اسم "الإرهاب"، والمقصود بالدرجة الأولى ما تقوم به جماعات ترفع شعار الإسلام من تشويش على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، تشويش يمس في بعض الحالات المصالح الأميركية مسا جديا.إذن فما يحرك، في الخطاب الأميركي، الدعوة إلى الإصلاح في الشرق الأوسط هو ما تسميه بـ "الحرب على الإرهاب"، وهي حرب تطال المقاومة في فلسطين، لا لأنها تمس "المصالح القومية الأميركية" مساً مباشرا، بل لأنها تشوش على "الحل" الذي تريد الإدارة الأميركية فرضه للقضية الفلسطينية بالطريقة التي تضمن لها سلامة وقوة حليفتها الاستراتيجية: إسرائيل.

يلزم عن هذا المنظور الأميركي للإصلاح في الشرق الأوسط أمران اثنان:

1- انخراط حكومات الشرق الأوسط مع الإدارة الأميركية انخراطا كليا في "الحرب على الإرهاب"، الشيء الذي يعني نقل الصراع الدولي الذي تخوضه هذه الإدارة ضد "الإرهاب" إلى داخل كل دولة عربية أو إسلامية.وبما أن "العقل الأميركي" ينظر إلى الأمور، عادة، من زاوية واحدة هي زاوية "المنفعة" المباشرة والقريبة قبل غيرها، فإن الإدارة الأميركية لا ترى في ذلك سوى مشهد واحد، هو قيام الحكومات العربية والإسلامية بـ"التدابير الضرورية"، لاستئصال "الإرهاب" من جذوره، وفي مقدمة هذه التدابير تجفيف ما تعتقد بأنه ينابيعه المباشرة الفكرية منها والمالية.ومن هنا كان مضمون الإصلاح الذي تنادي به يشتمل أولا وقبل كل شيء على تغيير المناهج التعليمية وفرض الرقابة الشديدة على "المؤسسات الخيرية" التي يقال عنها إنها تدعم "الإرهاب".

2- ومن هنا الأمر الثاني الذي يلزم عن المنظور الأميركي للإصلاح في الشرق الأوسط. ذلك لأن مطالبة الحكومات العربية والإسلامية بالانخراط مع أميركا في حربها الدولية على "الإرهاب" تؤدي بهذه الحكومات، إن عاجلا أمو آجلا، إلى خوض حرب أهلية ضد قسم من شعوب بلدانها.وإذن فالنتيجة الأولى لـ "الإصلاح"، كما تريد الإدارة الأميركية فرضه على منطقة الشرق الأوسط، هي إشعال نار حرب أهلية في كل بلد من بلدان هذه المنطقة.وبما أن قضية الإصلاح هي أساسا قضية الفئات التي تعارض الوضع "اللاديموقراطي" القائم بالمنطقة وتطالب بالتغيير في أفق ديموقراطي حقيقي، فإن طرح الإدارة الأميركية لما سمته بعض وسائل الإعلام بـ "مبادرة الإصلاح الأميركية" في الشرق الأوسط يضع القوى المطاِلبة بالتغيير والإصلاح في كل بلد من هذه البلدان في وضعية حرجة: فهي إذا انخرطت في قضية "الإصلاح" الذي تنادي به الإدارة الأميركية، وجدت نفسها تتحالف مع حكوماتها، غير الديموقراطية، ضد "الإرهاب"! أما إذا عارضت "مبادرة الإصلاح" الأميركية فإنها تجد نفسها حليفة أو جارة للقوى التي ينسب إليها تأييد ودعم الجهات التي ينسب إليها "الإرهاب".وبما أن "الإرهاب" يرفع شعار الإسلام ويوظفه في تعبئة الأنصار والمنفذين، فإن أي موقف تتخذه القوى الداخلية التي دأبت على رفع شعار التغيير والإصلاح -قبل "المبادرة" الأميركية- سيجعلها أمام اختيار لا تريده، وقد لا تستطيع، مواجهته: إما مع "الإسلام" الذي ترفع شعاره القوى المتهمة بمساندة "الإرهاب"، وإما ضده.وفي الغالب تجد نفسها تقف موضوعيا ضده، ولكنها لا تملك أن تضع نفسها ضده ذاتيا، لسبب بسيط هو أن الوقوف ضد نوع من الفهم والتوظيف للإسلام، أو لأي دين، يتطلب نوعا مضادا من الفهم والتوظيف لنفس الدين، وهذا ما لا تملكه.فعلا يمكن للإنسان أن يلغي الدين من دماغه، ولكن لا يمكن أن يلغيه من مجتمعه، إلا إذا انعزل وقطع كل صلاته به.وهذا ليس شأن المطالبين بالتغيير والإصلاح. ذلك أنهم -من الناحية المبدئية على الأقل- يفكرون في المجتمع وأوضاعه وقضاياه.

وهكذا نرى أن ردود الفعل المختلفة، التي أثارتها "مبادرة الإصلاح" الأميركية، ليست مجرد ردود سجالية كما توحي بذلك هي نفسها عندما تنقل عبر وسائل الإعلام الراهنة التي تعاني -في نظري على الأقل- من فائض في الألفاظ وشح في المعنى. كلا! إنها في الحقيقة ردود فعل تخفي من ورائها حقائق يصعب على الكثيرين الإفصاح عنها، ليس لأنهم لا يمسكون بأداة التعبير، أعني اللغة، بل ربما لأن اللغة في هذا المجال كما في مجال "الحب" تعجز كلماتها وتراكيبها عن التعبير عما في "القلب".وهذا العجز سببه الوحيد ليس اللغة ذاتها بل الحقيقة المراد التعبيرعنها. ذلك، لأنه سواء تعلق الأمر بالحقيقة العاطفية أو بالحقيقة الدينية أو بالحقيقة السياسية والاجتماعية... فإن "الحقيقة ثورية" دوما.

ومن المضامين الثورية لـ"الحقيقة" القائمة اليوم، والتي تعجز أقلام وألسنة كثيرين عن التعبير عنها، كون الإصلاح الذي تريد الإدارة الأميركية إقامته في الشرق الأوسط أو قيامه فيه -لا فرق- قد بدأ بالإفساد، ليس فقط إفساد ما كان موجودا من صلاح قائم أو منتظر، بل أيضا بإرباك وطمس الطريق إلى الإصلاح الحقيقي، ومن ثم تعتيم الرؤية التي تنشد الإصلاح.وهذا يطرح في نظرنا، كمهمة أولية على الكتاب والمفكرين العرب والمسلمين من جميع الاتجاهات، ليس اتخاذ موقف مبتسر إشهاري "مع" أو "ضد" قضية الإصلاح، كما هو الشأن حاليا، بل القيام بما ندعوه هنا: "نقد الحاجة إلى الإصلاح".

وعبارة "نقد الحاجة إلى الإصلاح" تعني، أولا وقبل كل شيء، النظر إلى الإصلاح لا من حيث هو دعوة آتية من خارج ولا من حيث هو شعار بادرت إلى رفعه قوى داخلية، بل من حيث هو "حاجة". فإذا حددنا أولا الحاجة أو الحاجات التي تبرر جعل الإصلاح مطلبا، في العالم العربي والإسلامي، أمكن حينئذ تحديد الأهداف منه، ثم تعيين الوسائل القمينة بتحقيق هذه الأهداف.وبما أن الأمر يتعلق بـ"مفهوم" يحدد الرؤية والمنهج، كما يتحددان به، فإنه لا بد من الاتفاق أولا على مضمون هذا المفهوم، سواء في مرجعيتنا العربية الإسلامية أم في المرجعية الأوروبية. إن تحديد مضمون مفهوم "الإصلاح" في المرجعيتين سيمكننا من معرفة ما إذا كنا نعني شيئا واحدا، عندما نتكلم عن "الإصلاح"، أو أن الرافضين للمبادرة الأميركية يفهمون من الإصلاح غير ما يفهمه منه أنصارها والداعون إلى نوع من التعامل معها.

لا بد من تصور واضح للموضوع. أما الحكم عليه فيأتي بعد. وكما يقول القدماء: "الحكم على الشيء فرع تصوره".