فرنسا وما وراء قصة فتاة مترو الأنفاق ...

 باتريك سيل ... الاتحاد الاماراتية  

في وقت مبكر من هذا الشهر، وقعت حادثة في فرنسا، احتلت العناوين الرئيسية في الصحف الأوروبية، مثيرة موجة من الصدمة والغضب، في الكثير من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ففي التاسع من يوليو الجاري، هرولت فتاة فرنسية مضطربة- تدعى "ماري ليوني"- تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً، باتجاه نقطة للشرطة، قائلة إنها وقعت ضحية لمعاداة السامية. وأفادت أنها تعرضت للاعتداء من قبل ستة من المسلحين بالسكاكين، هي وطفلها الذي لم يزد عمره على الثلاثة عشر شهراً، في قطار للمترو في إحدى الضواحي الفرنسية. وأفادت "ماري" أن الذين هاجموها كانوا عرباً، وآخرين ذوي ملامح إفريقية. وإثر تفتيشهم لحقيبتها اليدوية، عثروا على بطاقة هويتها التي بينت أنها تعيش في أحد أحياء مدينة باريس الراقية. فقالوا: هنا يعيش أثرياء اليهود. إنها يهودية إذن! طرحوها بعد ذلك أرضاً، وقصوا شعرها ومزقوا ملابسها، ورسموا رسمة كبيرة، للصليب المعقوف في بطنها بقلم أسود، ثم فروا هاربين في المحطة التالية مباشرة. وأثناء مغادرتهم، ركلوا عربة الطفل الصغير، وأسقطوا الطفل على الأرض، وكان رأسه قد ارتطم بها أولا. وأفادت الشاكية أن بقية الركاب، أشاحوا بوجوههم عن الموقف، ولم يتدخل أحد منهم لحمايتها والدفاع عنها.

وما أن أذاعت وكالة الأنباء الفرنسية النبأ في اليوم التالي، نقلا عن مصادر بوليسية، حتى شعرت المؤسسة الفرنسية وكأن قنبلة سياسية قد انفجرت فوق رؤوس أفرادها. وأعرب الرئيس "جاك شيراك" عن صدمته وفزعه مما سمع. وأضاف قائلا: يجب فعل كل ما من شأنه تحقيق العدالة، ومحاكمة مرتكبي هذه الفعلة النكراء. يذكر أن شيراك كان قد دعا الشعب الفرنسي قبل يومين فحسب من تلك الحادثة، للنهوض ونبذ كافة أشكال العنصرية ومعاداة السامية. وكان يحذر فيما يبدو، من تصاعد لأعمال العنف الموجهة ضد الأقليات في بلاده. ففي شرقي فرنسا كانت مجموعة من المخربين قد دنست حرمة المقابر الإسلامية واليهودية هناك. وفي الرابع من يونيو الماضي، كان صبي يهودي، قد تعرض للطعن بالسكين في الشارع، أثناء خروجه من مدرسة تلمودية. كما وقعت أحداث عنف أخرى استهدفت الجالية اليهودية في فرنسا.

وفي المقابل، فقد اشتكى الكثيرون من الفرنسيين، المنحدرين من أصول عربية من شمال إفريقيا، من تعرضهم لشتى أنواع التمييز ضدهم. وقالوا إن ذلك التمييز يشمل الوظائف والخدمات اللائقة، التي يفترض أن تقدمها البلديات لمساكنهم الواقعة في الضواحي التي يقيمون فيها. وقد رسمت كل ممارسات العنف والتمييز تلك، ضد كل من العرب واليهود، صورة بعيدة كل البعد، عن أن توصف بالتسامح. وبين هذه الأقليات المستهدفة بأعمال العنف والتمييز العنصري، كانت الجالية اليهودية الأعلى صوتاً ومطالبة للحكومة الفرنسية بتوفير المزيد من الحماية والأمن لأفرادها. وسمع عن المبعوثين الإسرائيليين، أنهم حثوا أفراد الجالية اليهودية في فرنسا، على الهجرة إلى إسرائيل، طالما أن فرنسا، لم تعد وطناً آمناً لهم، يواصلون الإقامة فيه.

وعلى خلفية كهذه للأحداث، بدت حادثة قطار المترو التي تحدثنا عنها، كما لو كانت تأكيداً قاطعاً لمثل تلك المخاوف. وسرعان ما عمت مشاعر الغضب بين المسؤولين الفرنسيين، إلى درجة أن رئيس الوزراء "جان بيير رافارين"، بعث رسالة شخصية لـ"ماري ليوني" ضحية تلك الحادثة، معرباً عن تعاطفه معها. كما تلقت "ماري"، رسائل مشابهة، من كل من وزير الداخلية "دومنيك دو فليبان"، الذي شجب الحادث، واصفا إياه بـ"الخسة والوضاعة". كما تلقت رسالة أخرى من "برتراند ديلانيو" عمدة باريس، وعدد كبير من قادة الأحزاب السياسية، والناطقين باسم الاتحادات المهنية والنقابية، ومسؤولي المنظمات الحكومية وغير الحكومية، بمختلف أنواعها وأشكال نشاطها.

أما صحيفة "لوفيغارو" اليومية، فنشرت تقريراً عن الحادثة تحت عنوان "قطار العار". لكن عند ما طالبت الشرطة بحضور شهود عيان للإدلاء بأقوالهم، لم يتقدم ولا شخص واحد لفعل ذلك. عندها نمت الشكوك حول مصداقية رواية تلك الفتاة. ثم حدثت تطورات دراماتيكية مفاجئة على الموقف كله. فتحت تحريات الشرطة، تداعت الفتاة، واعترفت بأنها اختلقت القصة كلها. وذكرت أنها قصت شعرها بنفسها، ومزقت ملابسها، وأنها هي من رسم الصليب المعقوف على بطنها!

فلماذا فعلت ما فعلت إذن؟ هل الدافع هو لفت الأنظار إليها؟ أم إضفاء نوع من البطولة الاجتماعية عليها؟ وبين هذا وذاك، كانت هناك أسباب أخرى. فقد وعدت صديقاً لها بأن تشتري سيارته، غير أنها لا تملك المال الكافي لشراء السيارة. ولذلك فقد لجأت إلى اختلاق تلك القصة، حتى تتمكن من الإفلات من ذلك الموقف المحرج. ولكن لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تفعل فيها شيئاً مثل هذا. فقد أكدت أمها أنها ظلت دائما مغرمة بـ"صناعة الأساطير والخرافات"، أي أنها مجبولة على اصطناع الأكاذيب. في الرابع عشر من الشهر الجاري- يوم عيد الاستقلال الفرنسي- أعلن الرئيس "جاك شيراك" في خطاب عام له، أنه وعلى رغم اتضاح أن تلك القصة كانت مفبركة ومختلقة، إلا أنه ليس نادماً على استجابته الفورية لها.

والواقع أن قصة "ماري ليوني"، لم تنشأ من الفراغ أو العدم. فهناك حوالي 600 ألف يهودي يعيشون في فرنسا، إلى جانب ما بين خمسة إلى سبعة ملايين من المسلمين، معظمهم ينحدرون من أصول عربية من شمال إفريقيا. وهؤلاء شأنهم شأن العرب في كل مكان، تستفزهم وتثير غضبهم ومشاعرهم، الممارسات الوحشية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين: ممارسات القمع والقتل اليومي، والإهانة والذل، وجدار"الفصل العنصري"، إلى جانب عجز الحكومات العربية من الناحية الأخرى. ومما لا شك فيه، أن هذه المشاهد التي تبث عبر الفضائيات وقنوات التلفزة والأخبار، تترك أثرها على أفراد الجالية العربية عموماً، وتثير الشباب خاصة. وفي قليل من الحالات، دفعت بعضاً من أفراد هذه الشريحة لمهاجمة اليهود في فرنسا وارتكاب أعمال عنف وكراهية ضدهم. ولذلك، فإن من الواجب أن يتم التأكيد هنا، على أن مثل هذه الهجمات، إنما هي امتداد للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، وأنها لا تمثل عودة جديدة لنزعة العداء للسامية، التي كانت قد شهدتها أوروبا خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. من جانب آخر، لا ننسى أن العرب أنفسهم، يعتبرون ضحايا التمييز العنصري هناك. فقد أسفرت الدعاية التي تبثها الجبهة الوطنية- وهي تيار يميني يقوده "جان ماري لوبين"، المعروف بتطرفه وعدائه للهجرة والمهاجرين- عن تأجيج مشاعر العداء والكراهية لدى البعض ضد العرب.

أما الشرائح الفرنسية الأكثر تأثراً بهذه الدعاية العنصرية، فمعظمها من الفئات المحرومة، التي تعيش على هامش الطبقة العاملة الفرنسية. ومثل هؤلاء المتطرفين الكارهين للأجانب، هم الذين يتحملون المسؤولية عن الهجمات، وأعمال التمييز التي تمارس بحق العرب والمسلمين، وتعميق الشعور لديهم بالغربة إزاء المجتمع الفرنسي الذي انتموا إليه. لا ريب إذن، ألا تلاقي سياسات فرنسا الرامية إلى دمج الأقليات من المهاجرين، في جسد المجتمع الفرنسي الكبير، كل النجاح الذي طمحت إليه. فلا يزال أمام فرنسا الكثير مما ينبغي عليها فعله، في سبيل تحقيق هذا الهدف. ولا يزال على المسؤولين، تخصيص المزيد من الأموال للارتقاء بتجمعات "الجيتو" المنتشرة في مختلف أنحاء المدن والضواحي الفرنسية، إلى مستوى الحياة الفرنسية، المعروفة برقيها وارتفاع مستواها عموماً. هكذا تكون قصة "ماري ليوني" قد أسدت خدمة، في رفع اليقظة والحذر، إزاء مشكلة عامة تعاني منها أوروبا كلها، وأصبح من اللازم مواجهتها والتصدي لها.