رأي عربي .. تدمير فكرة الدولتين..

 

 

جهاد الخازن
لاحظت مع الحديث عن الحكومة الائتلافية، أو حكومة الوحدة الوطنية في اسرائيل ان آرييل شارون عمره 76 عاماً، وشمعون بيريز 80 عاماً، وتومي لابيد، رئيس شينوي، 72 عاماً.
أبو عمار نفسه عمره 75 عاماً، وأعتقد انه وزعماء اسرائيل لن يروا السلام في عمرهم وأخشى بالنظر الى أخطائهم وخطاياهم ألا نرى السلام في عمرنا، وألا يراه أولادنا بعدنا.
ما يفعل رئيس وزراء اسرائيل في قطاع غزة ظاهره خطة انسحاب، الا انه في الواقع يخطط لتدمير فكرة الدولتين، فهو يسعى لتستعيد مصر نفوذها في قطاع غزة، أملاً بأن تعيد ضمه اذا ساءت الأمور، ثم ان الجدار الأمني في الضفة يغلق اسرائيل والقدس في وجه الفلسطينيين، وهو سيسعى لتسهيل تنقل الفلسطينيين بين الضفتين الشرقية والغربية، ليعود الفلسطينيون في الضفة الغربية مسؤولية أردنية، فإذا قامت دولة لهم في النهاية تكون في الأردن لا فلسطين.
هل يعقل ان شهوة الحكم أعمت بيريز الى درجة انه لا يرى ما يحاول شارون تحقيقه؟ وهل يمضي لابيد في مفاوضات الائتلاف الى نهايتها، مع انه قال قبل حكم المحكمة العليا الاسرائيلية ومحكمة العدل الدولية انه لا يجوز بناء الجدار في أراضي الفلسطينيين.
لازمة بناء الجدار هي كلمة الأمن، غير ان اجزاء كبيرة منه بنيت في أراضي الفلسطينيين ما يدمر الأمن، ومع ذلك لاحظت في تعليقات كبار الصحافيين الاسرائيليين، مثل ستيفن بلوتزكر في "يديعوت احرونوت"، وبن كاسبت في "معاريف"، تجاوزاً لسير الجدار مع ان هذا كان اساس حكم المحكمتين الاسرائيلية والدولية.
هؤلاء الصحافيون الاسرائيليون من نوع يمكن عقد سلام معه، ولا ود مفقوداً بينهم وبين شارون، ومع ذلك يبدو وكأنهم أيضاً بلعوا حجة الأمن، ولا يرون ان شارون يحاول تدميره، على المدى الطويل من حيث يزعم انه يريد نشره.
على كل حال اعتقد ان من يشجع شارون على المضي في تدمير عملية السلام تحت شعار الأمن ليس جرائد اسرائيل، وإنما الجناح الليكودي المتطرف في الادارة الاميركية وحولها، وقد تعبت من الحديث عن المحافظين الجدد، ولن أفعل اليوم، فأكتفي بالقول ان مع تحويل الأمين العام كوفي أنان رأي محكمة العدل الدولية الى الجمعية العامة لم يجد الشاروني المتطرف وليام سافاير ما يكتب في "نيويورك تايمز" الراقية سوى مقال عنوانه عن استمرار التحقيق في "كوفيغيت"، فهو يصرّ على ربط كوفي أنان بفضيحة عمولات "النفط مقابل الغذاء" في العراق، وقد كتب عن الموضوع في السابق، واختار تدمير محكمة العدل الدولية حجج الحكومة الاسرائيلية كلها ليعود اليه، وينشر دخان تعمية حول صديقه شارون.
في المقابل، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ليس ليكودياً متطرفاً، ورئيسه السفير دنيس روس معتدل سياسياً، ومن أبرز الخبراء في الشرق الأوسط. مع ذلك فبعض الباحثين في المعهد يكتب بنفس شاروني، أو هو في تأييده اسرائيل غير قادر عن مخالفة ما هو كشمس الظهيرة.
ديفيد ماكوفسكي، وهو باحث كبير في معهد واشنطن مسؤول عن مشروع عملية السلام، هو من هذا النوع فقد نصّب نفسه محامي دفاع عن الجدار في الولايات المتحدة، وقبل كل مزاعم حكومة شارون، حتى انه استمر في تأييد الجدار بعد ان عارضت المحكمة العليا الاسرائيلية نفسها بناءه في أراضي الفلسطينيين.
كنت قرأت لماكوفسكي مقالاً في "لوس انجليس تايمز" في 24 شباط (فبراير) الماضي بعنوان "جدار فيه منطق" والعنوان يفسر الموضوع، ثم قرأت له دراسة مطوّلة في عدد آذار/ نيسان (مارس/ ابريل) من مجلة "فورين افيرز"، اي شؤون خارجية، النافذة بعنوان "كيف تبني جداراً" كرر فيه حجج حكومة شارون عن فوائد الجدار في حفظ امن الاسرائيليين. وتحولت هذه الدراسة الى كتيب بعنوان "جدار يمكن الدفاع عنه: محاربة الارهاب وتمكين حل الدولتين"، صدر عن معهد واشنطن وتزامن صدوره مع قرب اعلان محكمة العدل الدولية رأيها في بناء الجدار... يعني كان الكتيب جزءاً من الحملة الاعلامية الاسرائيلية الرسمية دفاعاً عن الجدار.
وعشية صدور قرار المحكمة الدولية كتب ماكوفسكي وبن ثاين مقالاً مشتركاً دفاعاً عن السور، طلعا فيه بفكرة عجيبة هي ان بعض أبرز الدول التي عارضت بناء الجدار بنى جدراناً امنية، واستشهد الكاتبان ببناء السعودية سوراً مع اليمن، والهند سوراً في كشمير وتركيا سوراً في لواء اسكندرون الذي تطالب به سورية.
هل يعقل ان ماكوفسكي الذي بنى الجدار مع بنائيه، غفل عن اهم نقطة في الموضوع، وهي ان السعودية والهند وتركيا بنت في أراضيها ولم تبن في اليمن أو باكستان أو سورية؟ بما ان ما سبق نشر بعد قرار المحكمة العليا الاسرائيلية فإنه يعري ماكوفسكي من أي دعوى موضوعية أو "اكاديمية" في متابعة الموضوع.
وقد عاد ماكوفسكي هذا الأسبوع، وبعد صدور قرار المحكمتين فكتب في "نيوزداي" مقالاً بعنوان "الجدار يعطي اسرائيل فرصة للسلام"، وأراه لا يعطي شيئاً سوى أرقام يتذرع بها أمثال ماكوفسكي للتغطية على مخططات شارون لتدمير السلام وفكرة الدولتين، و"فرصة السلام" لا يمكن ان تكون لاسرائيل وحدها، أو لأي طرف دون الطرف الآخر، غير انني لا أرى فرصة للسلام عندما يجد شارون من يؤيده ضد المحكمة العليا الاسرائيلية نفسها، ناهيك عن محكمة العدل الدولية.

(الحياة)