قراءة الديموقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب ...اميل المعلوف .... الحياة    

 

قراءة "الديموقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب"

بعد قراءة اميل المعلوف كتاب صديقه ايليا حريق "الديموقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب" (دار الساقي, بيروت - 2001), وجه اليه الرسالة التالية:

بيروت في 9/3/2004

عزيزي ايليا,

قرأت كتابك الجامع "الديموقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب", قراءة متأنية. فهو ليس من الكتب التي يمكن للقارئ ان يتعجّل في تقليب صفحاتها, وان يستجلي ما فيها من زاد الفكر ومخزون العلم بزمن وجيز. انه نتاج سنوات عدة من التحري والجهد. والواضح انك عمدت قبل الشروع بتأليفه الى قراءة أمهات الكتب في السياسة والفلسفة, وتأملت بحصافة العالم المدقق في النظريات المتصلة بالغرض الأساسي لهذا الكتاب وهو الديموقراطية وما يداخلها من عناصر قانونية واخلاقية واجتماعية واقتصادية. كما انك صرفت زمناً طويلاً في انضاج فكرك لتخرج علينا بتحديد علمي وموضوعي لمفهوم الديموقراطية في الغرب حيث نشأت, ثم انتهيت بابداء رأيك الصريح في معناها من خلال تحليلك ونقدك لآراء العلماء من فلاسفة السياسة وذلك منذ نشوء الديموقراطية كنظام للحكم الى زمننا الحاضر.

واللافت في هذا الكتاب انك لم تكتف بعرض مفهوم الديموقراطية كما تتمثلها الانظمة في البلدان التي نشأت فيها, وانما كان لك في شرحها موقف الناقد لما وجدته في مبادئها من ميل عن جادتها الصحيحة, سواء أكان ذلك في بعض احكامها المبرمة التي تنال من حقيتها ام في تقصيرها عن الأخذ ببعض الاسس التي قضت على دورها الايجابي في تنظيم علاقة الدولة برعاياها. وقد حصرت هذا النقد في شرحك العلمي للديموقراطية بما أُسميه حركية النظرة اليها من حيث هي نظام حيّ قابل للمراجعة والتعديل بحسب المجتمعات المختلفة في التكوين الاجتماعي والديني والثقافي. فهي, في نظرك, ليست نظاماً جامداً له صفة الثبات والدوام وانما هي تشريع متحرك خاضع لمتغيرات يحكمها تباين المجتمعات واختلاف مشاربها وعاداتها. فالديموقراطية عندك نظام مرتبط بآمال شعب وآلامه, بحضارته وتقاليده. انها ديموقراطية خاصة لا عامة تنقلها الامم عن الاصل نقلاً يجرى تعديله على وفاق حاجات مجتمعات تلك الامم ومشارب ابنائها.

ولأن الديموقراطية خاصة وليست عامة فهي تنزع عن نفسها صفة التبعية الكلية للأصل الغربي. هذه الخصوصية في ديموقراطية الامم هي التي جعلتك تفرّق, عن حق, بين العدالة الشكلية للدولة التي ينص عليها القانون والعدالة التي تنص عليها رغائب الناس, فاذا اختلفت هذه عن تلك اصبحت تمثل حقوقاً اعتراضية. والحقوق الاعتراضية خاصة بكل أمة. ثم ان الديموقراطية التي تدعو لها, في كتابك الرائد, هي نهج اكثر مما هي محتوى او مضمون. ويرجع ذلك الى اعتبارك اياها ايديولوجية لا علماً محدداً بأطر نهائية. فهي معنية بما هو مستحسن او مستهجن من الوقائع لا بما هو خطأ او صواب في هذه الوقائع. والايديولوجية قابلة للتحرك على وفاق "المسالك المحلية" في الملاءمة بين افكارها والذهنيات المختلفة. لذلك فهي لا تخدم منظومة اخلاقية او دينية او عقائدية معينة لانها عندئذ تصبح اداة تسيير وقمع. وما أَحَدِيَّة مفهوم العدالة في "العقيدة المكتسبة", اي في الديموقراطية كعلم نظري مدرسي الطابع الا استعداء على المفاهيم الاخرى التي تؤمن بها المجموعات المختلفة في المجتمع الاهلي الواحد. ولما كانت الديموقراطية لا تخدم منظومة واحدة فالذي يعنيها هو فحوى النظريات والمعتقدات وليس مصادرها. ذلك ان الحوى هو من صنع البشر وليس من صنع غيرهم كالمصادر. واذا كان دعاة الديموقراطية الطوباويون من ذوي النظرة الاحادية يؤمنون بأن الديموقراطية توفر الوئام والمساواة للجميع فانهم يخطئون. فالديموقراطية لا تحقق للمواطنين الوئام, اي الموافقة في الصحبة والعشرة, ولا المساواة, اي تعادل الافراد في المجتمع بالرزق والمنزلة, لأن الخلاف والاختلاف امران كيانيان حضاريان في الافراد والجماعات لا تقضي عليهما الديموقراطية, وان كانت تقضي على النزاعات, فيظلان دائمي الحضور في المجتمعات والأمم, وبالتالي يظلان اصلين باقيين في فضاء الديموقراطية الوسيع.

اخي إيليا, ما هو ايجابي في كتابك انك لا تكتفي بذكر المسائل الشائكة في مجتمعات العالم الثالث فتدل عليها بوضوح تام وبموضوعية الباحث المتجرد من الاميال والاهواء, وانما تحاول جاهداً ان تأتي بحلول لهذه المسائل, وهذا ما نحن في حاجة الى مطالعته في العديد من كتب السياسة التي تعين ادواء مجتمعات العالم الثالث من دون ان يبذل مؤلفوها الجهد في التفتيش عن حلول لهذه الأدواء. فأنت عندما تقرر ان الديموقراطية لا تُذهب الخلاف داخل المجتمع لا تكتفي بالوقوف عند حدود تعيين هذا الخلاف وذكر ما ينتج عنه من صدع وتفرّق للمجتمع الواحد, بل تعمد الى ايجاد حل له كلياً او في درجة كبيرة وذلك من طريق ما تسميه "فقه الموازنات" في الشرع الإسلامي. فالخلاف المتأصل في جبلّة الأفراد الذين يكوّنون المجتمع والذين يصحّ فيهم وصف الشاعر بقوله:

إنما نحن في اختلاف عقول

مثلما نحن في اختلاف وجوه

هو, كما تذكر, نتيجة التعددية العرقية والدينية والثقافية التي تحكم معظم مجتمعات العالم الثالث, وبالأخص المجتمعات العربية. ونراك هنا تجعل من التعددية بواسطة "فقه الموازنات" منحة لا محنة, وميداناً للتوافق لا للتشاحن, وموئلاً للوحدة لا للشقاق. و"فقه الموازنات" ينطلق من مبدأ ان لكل قضية من القضايا الشرعية االسياسية او الأخلاقية مجموعة من الحلول ينتفع بها المجتمع. إلا انها تختلف في درجة النفع هذه, إذ يكون بعضها اكثر أو أقل نفعاً من بعضها الآخر. فمؤيد قانون إعدام القاتل مثلاً ليس منفصلاً عن الرافض له. فكلاهما يقرّان بقيمة الحياة, الأول عندما يدعو الى معاقبة القاتل كي يردع غيره عن القيام بفعلته, والثاني عندما لا يسلّم بإعدام القاتل لأن قتل نفس لا تواجه بقتل نفس اخرى, خصوصاً أن الردع في هذا الفعل غير متحقق في الواقع. فعندما يختار المشترع قانون اعدام القاتل او عدم إعدامه فإنه لا يفعل ذلك بقصد إلغاء معتقد الآخر كما يتصرف غلاة المشترعين, ولكنه يحقق في سباق الأولويات مع الآخر باتجاه الغاية المشتركة التي هي قيمة الحياة كسباً يكون الآخر متجهاً الى مثله في الوقت نفسه, ولديه اولويات تتفق مع اولويات الآخر في المقصد وتختلف عنها في طرحها سلباً او ايجاباً.

فـ"فقه الموازنات" يرسّخ في المجتمعات التعددية إمكان المساومة البنّاءة والتوافق الخالص من العداء, لأن الخلاف فيه هو خلاف على أولويات لا تعارُض في مآلها ولا تنابذ, وإن وُجد فيها تعارُض فلا يكون في الغاية بل في الدرجة والوزن. إن "فقه الموازنات" لا يرفض ما يطرحه المجتمع من قيم وأحكام, بل يحاول ان يستخرج منها اوجه القرابة والجمع التي تشكل الدعامة المقبولة لإنشاء عدالة وحرية متوازنتين. وتكون العدالة متوازنة عندما لا تغفل الأخذ من مصادر مختلفة للحقوق, فإذا استلهمت مصدراً واحداً وقعت فريسة الحكم الأحادي الجائر. وما يجعل العدالة التي هي اعطاء كل ذي حق حقه, الأساس الذي تبنى عليه الإيديولوجية الديموقراطية, هو التنافس القائم بين شقيها القانوني والأهلي, اي بين تشريع الدولة ومتطلبات المجتمع. ومن مميّزات هذا التنافس انه يؤدي الى التقدم الحضاري والديموقراطية. اما توازن الحرية فلا يعني إطلاقاً اختياراً يستثني من جملة المسالك مسلكاً واحداً. والاستثناء هذا يتم, في الغالب, عندما يكون المختار قادراً على تغيير موازين السلطة بقوته او بماله. فالاستثناء هنا يحمل للغير الأذى كله. اما الحرية المسؤولة فهي "في مفهومها الاجتماعي, كما تقول, خيار يوازن بين نسب الفوائد ونسب الأضرار الناتجة عن مسلك من دون غيره" (ص 190). وهكذا يبدو لمطالع كتابك ان نهج "فقه الموازنات" هو جزء اساس من نظريتك في "المواءمة" التي هي "التقارب في النظر والاستيعاب العملي لصيغة متجاورة للفكرة الأخرى وليس الإقصاء لها" (ص 243), وأن الديموقراطية تقوم, في رأيك, على المواءمة بين ايديولوجية هذه المدرسة الغربية المنشأ والتراث القومي لشعب من الشعوب.

وفي بحثك المتعلق بالديموقراطية في البلدان الإسلامية كبقعة جغرافية واسعة من العالم الثالث اراك ترد مقولة القائلين أن "ما من نظام سياسي ديموقراطي واحد في البلدان الإسلامية" (ص 227), محاولاً ان تُظهر أن لا علاقة للإسلام كدين بخلو الأنظمة السياسية في البلدان الإسلامية من الديموقراطية. وحجتك في ذلك ان "المعرفة لا تشتق من حالة نفي" (ص 226). ثم تحاول بمعرفة المطّلع والباحث الذي لا يطلق الأحكام اتفاقاً واعتباطاً, ان تُظهر ان "من نشد الديموقراطية وجد لها في الإسلام مهداً وهدياً" (ص 22). وهذا ما ينقض آراء الكثير من كتّاب الغرب والعرب وبعض الأصوليين العلمانيين الذين يذهبون الى ان مبادئ الحضارة الإسلامية لا تتفق مع مبادئ الديموقراطية. انك بخلاف هؤلاء تُظهر في كتابك ان الإسلام لا يُقصي الديموقراطية بل انه يوائم بينها وبين تعاليمه.

ان فكرة "المواءمة" هذه تذكّرنا بمحاولة التوفيق بين العقل والشرع في علم الكلام الإسلامي وبعده بين الدين والفلسفة في اعصر النهضة العربية الأولى. وقد رمز الكندي الى هذا التوفيق بجعله قحطان أخاً ليونان. فالفكر العربي الذي يطغى المكوّن الإسلامي على العناصر التي يتألف منها, والذي حمل في ثناياه امشاجاً من روافد ثقافية مختلفة, ما كان له ان يحقق هذا التمازج وهذه المواءمة لو لم تكن العقيدة الإسلامية "تعتمد التيسير لا التعسير" كما تؤكد. وكم كنتَ على حق عندما خطّأت المستشرقين الغربيين الذين اعتبروا الإسلام ظاهرة فريدة خارجة عن الأنماط الحضارية الأخرى باعتبارها غير قابلة للتفكيك (ص 258 - 259). والواقع انها قد تكون أطوع على التفسير والتأويل والاجتهاد, وبالتالي على المواءمة بينها وبين سائر الثقافات والأنماط الفكرية من الديانات الأخرى.

وعندما نسمع الإمام محمد عبده يقول: "إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دلّ عليه العقل" (محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية, القاهرة: 1982 ص 119), ندرك للتو ان التواصل لا يزال قائماً بين الحديث والقديم, فنعرف ان كلام محمد عبده هو ترجيع لأقوال المتكلمين القدماء أمثال الخياط والجاحظ والقاضي عبدالجبار وغيرهم من شيوخ المعتزلة.

وعندما نقرأ, كما تورد في كتابك, لمحمد عابد الجابري: "ان الصحوة المطلوبة هي إيجاد الحلول العملية لما يطرحه علينا عصرنا من قضايا لم يعرفها ماضينا" (ص 256), ندرك الصلة التي ما زالت قائمة بين هذا الباحث التجديدي وبين أبي حنيفة ومدرسته في الرأي والقياس. وعليه, نخلص بثقـة الى أن, كما حاول الأئمة المجتهدون والفقهاء والمتكلمون القدماء "التسامح مع العلم في حقيقته" والأخذ عن "العلماء الحكماء فنون الحرية في النظر ومنهم تهبط روح المسالمة بين العقل والوجدان" بحسب ما يقول محمد عبده (محمد عبده: م. س, ص 201), يحاول المتنورون المسلمون اليوم ان يقرأوا الماضي بعناوين الحاضر كما فعل علماؤهم القدماء, فبدت في كتاباتهم معطيات لم تكن كمعطيات السلف وإن كانت تنطلق من قواعدهم.

وعليه, فقد ظهر اثر المواءمة عندهم في أن العلمنة والإسلام ليسا ضدين لا يلتقيان, وأن ثنائية الدين والدولة ليست للفصل بينهما بل للتبادل والتفاعل, وان عدم الفصل هذا لا يعني وحدة السلطتين الدينية والزمنية, وفي هذا تخط لمسألة الخلافة, كما ان ربط سلوك المواطن والحاكم معاً بالأخلاق الحسنة هو جزء أساسي في العقيدة السياسية, وأن الشريعة تخضع لمقتضيات الزمان والمكان, والانتقاء من خارج التراث أمر جائز.

وكذلك فإن الشريعة مصدر وليست قانوناً, وأن الفصل بينها وبين القانون العام أمر تستدعيه الظروف الحياتية المستجدة, وأن لكل مسلم حق فهم النص الديني من دون أن يملي عليه أحد, وان العدالة التي هي ركيزة الديموقراطية جوهر مشترك بين الدين والاجتهاد البشري.

وهكذا يحاول المتنوّرون المسلمون, بلجوئهم الى نظرية "المواءمة" التي تزعمها الإمام محمد عبده في الماضي القريب, ان يجدوا داخل الحضارة الدينية أصولاً متواصلة مع الديموقراطية تسمح للعالم الإسلامي بولوج الحداثة المعدّلة بتعاليم الاسلام وحضارة شعوبه.

أخي إيليا, ليس من الممكن ان أعرض لك في رسالة موجزة كل الايجابيات التي يتضمنها كتابك الفريد عن الديموقراطية في مفهومها العامّ وأثرها في عملية التحديث التي ينهض لها شرقنا العربي ودول العالم الثالث. فقد كان في ودي ان أعرّج على بحثك الدقيق في الفلسفة الديموقراطية ومظاهرها المختلفة في مصادر السلطة والتمثيل السياسي, وما ساقه العلماء بشأنها من نظريات منذ أرسطو الى اليوم, فأبيّن ما ينطوي عليه بحثك من إيغال في المعالجة وسهولة في العرض, وأن أشير الى عمق تناولك لمفهوم العدالة في الكتاب وإظهار مكانتها في التيارين العقلاني والسوسيولوجي من دون اغفال الكلام على التحيّز البنيوي في صوغها والوقوف طويلاً عند عرضك لقضية المساواة الاجتماعية والمسألة التوزيعية فيها وعلاقتها بالاستحقاق. كما انني كنت أرغب في التوسّع بإظهار استبطانك لمعاني الحرية, كما تعرضها, بأبعادها الوجودية والاجتماعية والسياسية, والتبصّر في الخيارات التي تطرحها الحرية ضمن مسالك متعددة, وعلاقتها بالقانون, والمآخذ التي تأخذها على بعض الباحثين فيها.

وأجدني مقصّراً أيضاً في ايفاء الكتاب حقه بما ضم من احاطة بقانون الانتخاب في دول الغرب والمقارنة بينه وبين النظام الانتخابي في البلدان العربية, والاشارة الى تمهّرك في طرح الايديولوجيات الدينية وعلاقتها بالديموقراطية.

وأقرّ بتقصيري كذلك في التعليق على ما تذكره من تطور المشاعر الدينية في العالم الاسلامي, والعلمنة وموقف الاسلام منها, وكلها مسائل مرتبطة عضوياً بمفهوم الديموقراطية الذي تعالجه بنظر محكم وروّية ثاقبة مستشهداً عليه بنصوص من البحّاث الدينيين والعلمانيين على السواء.

ولكن الأمر الذي لا بد من الاشارة اليه هنا هو ان جميع هذه المعلومات المحيطة بأصول الديموقراطية وفروعها قد أوردتها في كتابك لا في شكل نظري مجرد, ولكن بنسبة ارتباطها بحضارات المجتمعات القائمة في دول العالم الثالث وأنظمتها.

اما هدفك من ذلك فهو تهيئة الطريق لمعارضة هذه الحضارات والأنظمة بتلك الأصول والفروع. فالمعارضة هنا, في رأيك, تكشف, ولا شك, عن نقاط التباعد والتقارب بين الحضارات الشرقية وديموقراطية الغرب, وتسهّل على المشترع في بلدان العالم الثالث تحقيق المواءمة بين ما هو منتقى من قيم دينية واجتماعية في حضارة بلده وما في الايديولوجية الديموقراطية من مبادئ وآراء.

بقي ان أذكر الجهد الكبير الذي بذلته في كتابك عن الديموقراطية وعلاقتها بحضارات العالم الثالث يفترض من القارئ جهداً مماثلاً لإدراك محتواه. فقد ضمّنته خبرة أربعة عقود او اكثر من التفتيش والتحري عن مادته, وصرفت السنوات الطوال في مناقشة مختلف النظريات والآراء المتصلة بهذه المادة وذلك من خلال التدريس والمباحثة الدائمة, وكنت تتبع في مطارحاتك جميعاً نهج المصارحة والأمانة الفكرية, حتى إذا ثبت لك إلمام حقيقي بما هو صحيح في هذا العلم وتشعّباته الكثيرة, وتنسّمت منه النفع والفائدة, قمتَ تقدم النصح للمشترع كي يقتبس ما يجده فيه منسجماً مع واقع مجتمعه وتطلعات أبنائه الى نظام سياسي تحكمه العدالة والمساواة.

وأودّ هنا ان أنهي رسالتي إليك بقول لإرنست رينان يذكره في نهاية مقدمة كتابه "ذكريات الطفولة والشبـاب" وهـو "ان جميع العصور التي تجثم على كاهل أمة ما هي صحائف من كتاب واحد, وان رجال التقدم الحقيقيين هم أولئك الذين يتخذون من احترامهم العميق للماضي منطلقاً لهم". وهل أنت في ما تكتب وبخاصة في كتابك موضوع هذه الرسالة, غير واحد من كوكبة رجالنا الذين يرمون الى بناء المستقبل بالرجوع الى عصور تراثنا الماضي التي هي وعصرنا الحاضر صحائف من كتاب واحد؟

واسلم لصديـقـك إميل المعلوف.

* كاتب لبناني.

أعلى النموذج

أسفل النموذج