في السابع عشر من تموز : اين (نحن) المسؤولية ...

 منذر بن حلوم .. السفير

 

نحن جلالة الملك! ذات يوم من أيام طفولتي استوقفتني هذه ال(نحن) على بعد خطوات من باب دار بيت مختار ضيعتنا، المختار الذي ما زال ابنه وحفيده يعيشان بصفتهما واشيين رسميين بينما هو رحل. كان والدي قد أرسلني لإحضار ورقة تخصه من عند المختار، وما أن اجتزت عتبة الدار، حاملا الوثيقة المذيّلة بالخاتم والتوقيع، حتى رحت أقرأ، متعثّرا بحجارة الشارع غير المعبّد: نحن مختار.. نحن! لماذا يقول نحن بينما هو واحد؟! تساءلت. واليوم، على مسافة عقود من الطفولة، أتساءل: متى تكون (نحن) المنصب هي المسؤولة ومتى يكون الشخص حامل ال(نحن) هو المسؤول؟
كثيرا ما يخطر في بالي البحث في الأسباب التي تجعل الناس يسكتون عن المظالم التي يتسبب بها آخرون رسميون لهم، الأسباب التي تمنعهم من اللجوء إلى قضاءٍ ما، في مكانٍ ما، على سطح الكرة الأرضية، وكدت أقول: على سطح كوكب ما، وتجعلهم يسكتون عن المطالبة بتعويضهم عن بعض ما طالهم من ظلم وعذاب وحرمان وقلق وخوف وموت في السجون وخارجها. أيكون السبب في صفة ال(نحن) التي يتلطى خلفها الشخص؟ أم يكون في ال(نحن) المُشَرْعِنة للأحكام الجائرة العرفية والطارئة والاستثنائية وكل ما تستند إليه من قواعد وقوانين؟
أمام المساءلة، تبدو (نحن) المنصب غير محددة المعالم، وبما هي غير محددة المعالم تبدو خارج المسؤولية. هل (نحن) المنصب هي الصلاحيات التي تتيحها القوانين والقواعد والتعليمات واللوائح الداخلية لحامل ال(نحن)، أي للشخص؟ وماذا لو كانت هذه الأشياء متخلفة وجائرة! فعلى من تقع المسؤولية بعد ذلك؟ هل على الأشخاص الذين وضعوا هذه القوانين والقواعد، أم على الذي أوصى بوضعها، أم على صاحب التوقيع الأخير الذي يوافق أو لا يوافق، يعجبه أو لا يعجبه، يوافق مصالحه والمصالح التي يرعاها أو التي تحدد وجوده أو لا يوافقها؟ أم أن المسؤولية تقع على المنظومة التي تكون هذه القوانين والقواعد ممكنة فيها دون سواها؟.. وبعد سلسلة من أسئلة مشابهة، يستدرك المرء قائلا: ولكن، ألا توحي هذه الأسئلة الممكنة بضياع المسؤولية، وخلاص (نحن) المنصب من المساءلة؟ ذلك لأن توقيعا يقوم على توقيع، يقوم على غيره، وغيره على غيره، في سلسلة تنتهي إلى الأصغر مقاما، أو إلى صاحب الصياغة المكبّل، إمّا بجهله الذي أوصله إلى كرسي، أُوصدت الأبوابُ دون وصولِ عارفٍ إليه لأسباب سياسية أو عائلية أو عشائرية أو شيئا من هذا القبيل، أو المكبل بطاعته، لأن الطاعة والولاء أهم، بكثير، من المعرفة في ظل الاستبداد. حيث المعرفة تصبح خطرا على صاحبها، ذلك لأنها لا بد أن تفصح عن نفسها، فتكون، وغالبا ما تكون، في صالح الحقيقة المسدل عنها الستار أو المحبوسة وراء القضبان.
ومن عمومية مشكلة ال(نحن) أنتقل إلى خصوصيتها السوريّة، حيث تاريخ السابع عشر من تمّوز يستوجب وقفة مراجعة. وهكذا، فقد يكون ممكناً إلقاء شيء من الضوء على بعض وجوه (نحن) المسؤولية من خلال المثال الأكثر حضورا وأكثر إشكالية في الواقع السوري الراهن شعار التطوير والتحديث، الذي يبدو أن أحدا من الذين قد يكونون معنيين بنعيمه لا يعرف ماذا يعني بالتحديد، أو ما الذي يراد منه بالضبط. وهكذا، فإذا صرفنا النظر عن الإبهام وعدم التحديد اللذين يحيطان بهذا الشعار، وافترضنا أن المقصود هو تطوير ما هو إيجابي في القوانين والأنظمة وآليات العمل وتحديثها لتؤدي إلى واقع أفضل، وافترضنا كذلك توافر إرادة تحقيق ذلك، ثم حاولنا البحث عن (نحن) المسؤولة عن عدم تحقق شيء من الأفضل الافتراضي، فأين تكون هذه ال(نحن)، وعلى من تقع مسؤولية العجز؟ ولا يخفى على أحد أنّ عدم التقدم يعني، بالضرورة، تراجعا، أو ترديا، أو انتصارا للأسوأ الذي كان يُفترضُ تهميشه أو التضييق عليه، ولكن ليس إلغاؤه، لأن دمشق تحرص على تجنّب كلمة (تغيير) خشية ما تحمله من آفاق، بل قد تحاسب القائلين بها.
أولا، لا بد من الإقرار باندثار الخطوات والتدابير، بل النيات التي أُعلنَ عنها سابقا لمحاربة الفساد، بل غياب حتى التلميحات التي تشير إلى سياسة من هذا النوع! أم أنّ محاربة الفساد لا علاقة لها بحياتنا الأفضل التي يُفترضُ أنّها كانت مضمرة في شعار التطوير والتحديث؟ لماذا تلاشى الحديث عن موضوع بهذه الأهمية شكّل على مدى عدّة سنوات بساطا أخضر لمجيء الرئيس الشاب إلى الحكم؟ ولمن تُوجَّه هذه ال(لماذا) للمؤسسة الرئاسية أم للمؤسسة الحزبية أم للمؤسسة العسكرية أم للمؤسسة الأمنية؟ أم للأشخاص القائمين على هذه المؤسسات؟ أم لعامة الناس؟ للشعب؟
ثانيا، لا بد من الإقرار بالعجز عن تحقيق نمو اقتصادي ملموس، على أهمية الجهود المبذولة، فنّياً، لتحقيق إصلاح اقتصادي، إصلاح قالت مؤسسات السلطة جميعها بأسبقيته على السياسي.
وأمّا ثالثا، فليس بحاجة إلى إثبات التعسر في الحصول على نوعية جديدة من الأداء الإداري، وعجز أصحاب الملفات الأمنية النظيفة عن فعل شيء يخرج مؤسسات الدولة من موتها السريري. ومن جديد أتساءل: لماذا؟ ولمن أوجّه هذه ال(لماذا)؟!
منذ مجيء الرئيس الشاب إلى الحكم شُكّلت لجان كثيرة وأعدت دراسات وفيرة ورسمت خطط وعدّلت قوانين وبدّل أشخاص وعدّلت وزارات وصدر الكثير من المراسيم، لكن شيئا ذا شأن، قياسا بالمعلن عنه، لم يتغير. فأين تكمن أسباب العجز عن فعل شيء في أربع سنوات، عمرِ الرئاسة الشابة؟ هل في ثلاثين سبقتها؟ أم في شيء آخر ومكان آخر؟ لو طرحت هذا التساؤل على السلطة، فستجد من أصحاب الكراسي الرفيعة مَن يجيب دون تردد: المشكلة في الإنسان، كلما أتينا بشخص ظّنناه جيدا، يتبيّن أنّه ابن حرام ولص ومرتشٍ! الإنسان لدينا خربان، من أين نأتي بالناس!؟ أي أن صاحب الشأن الرفيع يرى الفساد سمة من سمات الإنسان السوري، وركيزة من ركائز هويته الوطنية. وللأسف، ترى الكثير من السوريين يعلنون ذلك في أحاديثهم اليومية دون أن يفكّروا بالأسباب التي جعلت الفساد يستشري، وبالآليات التي توصل الفاسدين والمفسدين إلى كراسي السلطة وإدارات الدولة. وهنا أتوقّف عند نقطة واحدة، لا بد أن تكون ذات دلالة كبيرة، وهي المعايير التي يُختار على أساسها الأشخاص لشغل المناصب. فإلى جانب معايير أكثرها شخصي وعائلي وعشائري..، يبقى المعيار الرئيس والأهم هو الولاء، وينعكس ذلك وثائقيا بسجل أمني نظيف. أي تنحصر المنافسة، إذا وجدت، بين أشخاص لم يعترضوا يوما على الفساد والنهب وتخريب مؤسسات الدولة، أو على طريقة إدارة الدولة التي تجعل الأخيرة أشبه بمزرعة خاصة، أو بين أشخاص تعاونوا مع المؤسسة الأمنية ضد أشخاص رأوا الفساد وأسبابه وسبل التخلص منه، تعاوناً ضّيق على الأخيرين وربما أدى إلى حبسهم وراء القضبان. ثم يُطلب من فائزٍ مِن هذا النوع، إذا طُلبَ ذلك منه، أن يحقق نتائج طيبّة في محاربة الفساد والهدر ويخرج بمؤسسته من العجز والخراب إلى أفق جديد! فكيف يكون ذلك ممكنا؟ فهو، أي الشخص، إمّا لم يكن يرى عيبا فيما سَكَتَ عنه قبل اعتلائه الكرسي، أو، على العكس من ذلك، كان يرى فيه طريقا صحيحا لإدارة المؤسسات بما يحقق مصالحه الخاصة ومصالح الذين أوصلوه إلى كرسي الفاعلية. فإلى أين يسير بالمؤسسة شخص كهذا، إذا كانت تنقصه، مع ما فيه من عماء وطني وأخلاقي، الكفاءة الوظيفية!؟ وهذا غالبا ما يكون، فالعائلة أو العشيرة أو الطائفة أو غيرها من الوحدات الأخرى الدافعة بالشخص إلى الكرسي قد لا يتحقق لها جمع صفة الولاء مع الكفاءة في شخص واحد من ذوي القربى. ولذلك، فليس لأن الإنسان السوري فاسد، إنّما لأن أي شخص، من غير أولئك الذين يسكتون عن الفساد والخراب بل ويدعمونهما، يعجز عن أن يخترق الحواجز الأمنية نحو كرسي ذي شأن. وهكذا يكون الفساد مطلبا وظيفيا، ناهيك عمّا كُتِبَ وقِيلَ عن الفساد كأسلوب في إدارة مؤسسات الدولة، أسلوب يضمن تقاسم المال العام المنهوب دون قلق، من جهة، ويجعل الجميع مرتكبين تحت الطلب من جهة أخرى. ولذلك، فإن ما يقال عن عيب في الإنسان السوري هو عيب في السلطة، وأمّا عيب السلطة، في هذا الشأن، فأكبر بكثير من حاصل جمع عيوب المواطنين. وعلى قدر هذا العيب تكون المسؤولية. ولذلك، أيضا، فإذا كان أحد من أصحاب القرار يرى، صادقا أو متوهما، استحالة تأمين كوادر قادرة على الخروج بمؤسسات الدولة من واقع الركود والعجز الذي هي فيه، فمن شأن رفع السقف الأمني واعتماد مبدأ المنافسة على أساس الكفاءات، والمشاركة على أساس أنّ سوريا للجميع، معارضين وموالين، من شأن ذلك أن يُخرجَ من دائرة المنع والتكبيل إلى دائرة الفاعلية الوطنية آلافاً من ذوي الكفاءات والعقول المبدعة. لكن هذا الشرط البسيط لا يكون ممكنا دون تغيير في النهج السياسي العام الذي يصادر ليس فقط عقول الناس إنما ومصير الوطن، ويجعله حكرا على مجموعة من الأشخاص، دون باقي عقول السوريين المختوم عليها بالشمع، وكدت أقول الأحمر تأثرا بتجربة الاتحاد السوفياتي، لكنني أصمت هنا مرتين، مرّة لأنني لا أريده فألا سيئا يُغضب (سلطتي) وثانية لأنني أجهل لون شمعنا.
ومن محاولة رفع التهمة عن الإنسان السوري عموما، أعود إلى حلقة المسؤولية لأتساءل: ألا يمكن تحديد المسؤولية أكثر في ظل الواقع السوري، حيث المؤسسة شخص والشخص هو المؤسسة، وحيث ربطت السلطة مواطنيها ومؤسساتها وتربطهم بخيوط أمنية مكهربة تصعق من لا يستجيب، إلى يد واحدة، جاعلة منهم دمى تفرح أو تحزن، تغضب أو لا تغضب، تتضامن أو لا تتضامن وفقا لحركة اليد القابضة على الخيوط؟ قبل أن أجيب تستوقفني حقيقة يصعب إغفالها، وهي أن الزمن، بصرف النظر عن رغبة السلطة، تغير نحو آفاق جديدة. فبعض الخيوط بدأ ينقطع، ومن الواضح أن هذه الخيوط راحت تنقطع أو تُقطع من جهة واحدة، ليست هي جهة السلطة. وقد يكون واضحا أنها، أي الخيوط، ما ان تنقطع من جهة المواطنين حتى تعود لتلتف على عنق السلطة. وعليه، اسمحوا لي بأن أستبدل بالإجابة سؤالا يشي بها أوجهه إلى ذوي الشأن: أما آن الأوان للبحث عن خيوط أخرى تربط الناس بالسلطة، أو يدار بها الناس؟ أما آن الأوان لقطع الخيوط التي تحوّلت إلى أنشوطات خنقت أربع سنوات من عمر التحديث والتطوير وما زالت قادرة عليه؟ وبعد ذلك، بعد ذلك فقط، يمكن القول أين تكون (نحن) الشخص مِنْ (نحن) المنصب، وأين نكون نحن البشر السوريين بلا تصنيفات أمنية وكيف نكون. فهل يأتي السابع عشر من تمّوز، هذه السنة، بخطاب جديد يُعلن الحاجةَ إلى تغيير حقيقي، تغيير لا مستقبل لأحد دونه؟
(
) كاتب سوري