المشروع الأميركي لصياغة الإسلام الليبرالي….

السيد يسين الاتحاد الاماراتية

في العقود الأخيرة تبدو الانتهازية السياسية الأميركية واضحة في دعمها لأسامة بن لادن وجماعات المتشددين الإسلاميين في فترة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، حيث دعمت ومولت وسلحت "الجهاد الإسلامي" لأنه كان يناضل ضد الشيوعية. وسرعان ما انقلبت على أسامة بن لادن حين سقط الاتحاد السوفيتي وانسحبت القوات السوفيتية من أفغانستان، وتركته هو وأنصاره من "المجاهدين" لمصيرهم. ومن ناحية أخرى شجعت الولايات المتحدة الأميركية صدام حسين في حربه ضد إيران، لمواجهة خطر تصدير الثورة الإسلامية، وأمدته بالسلاح والمشورة العسكرية، وبالمعلومات الاستخباراتية، إلى أن انتهت الحرب. ومرة ثانية أوحت لصدام حسين عن طريق السفيرة الأميركية الشهيرة في العراق أنها لن تمانع لو قرر غزو الكويت. ووقع الرئيس العراقي السابق في الكمين، واندفع بجهالة وحماقة سياسية نادرة إلى غزو الكويت، معتدياً بذلك على الشرعية الدولية والشرعية القومية العربية على السواء. وأدى الغزو إلى دعوة القوات المسلحة الأميركية مع قوات التحالف لتحرير الكويت، وكان ذلك في الواقع بداية للحضور العسكري الكثيف في منطقة الخليج العربي من خلال قواعد عسكرية ضخمة وقوات مسلحة متعددة.

والواقع أننا أردنا باستحضار الوقائع التاريخية السابقة إبراز انتهازية السياسة الأميركية، وعدم انطلاقها من مرجعيات ثابتة لا تحيد عنها. وتطبيقاً لذلك حدث تحول ملفت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الإمبراطورية الأميركية البازغة حربها ضد الإرهاب، والتي كان شعارها الشهير هو "من ليس معنا فهو ضدنا".غير أن هذه الحرب المعلنة والتي لا سابقة لها، لأنه ليس لها مسرح محدد ولكن هي بامتداد المعمورة، وليس لها مدي زمني معروف، لأنها بحسب التصريحات الأميركية حرب إلى الأبد، اتضحت لها سمات فريدة. لأن هذه الحرب عبر الأعوام الأخيرة، أخذت تتبنى تحليلاً ثقافياً متميزاً حاول تشخيص الأسباب العميقة الكامنة وراء الإرهاب.

وهذا التحليل الثقافي توصل من خلال جهود علماء اجتماعيين وخبراء استراتيجيين أميركيين عديدين إلى معادلة بالغة البساطة تقول إن الإرهاب هو الناتج الأساسي للتفكير الإسلامي المتطرف الذي شاع في بلاد عربية وإسلامية متعددة في العقود الأخيرة وتبنته جماعات إسلامية مسلحة، أصبحت تمارس الإرهاب تحت شعاراته التكفيرية، وسواء في ذلك تكفير الحكومات العربية أو البلاد الإسلامية بدعوى أنها لا تطبق شرع الله، أو تكفير الأجانب من الغربيين والأميركيين خصوصاً الذين "يدنسون" البلاد الإسلامية، وتحديدا أراضي السعودية.

وحاول التحليل الثقافي الاستراتيجي الأميركي البحث عن أسباب شيوع هذا الفكر المتطرف، ووجدها في انسداد آفاق الممارسة الديمقراطية من حيث حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم أمام مئات الألوف من الشباب المسلم، بحكم سيادة النظم الاستبدادية في البلاد العربية والإسلامية. ولذلك لم يجدوا منفذا أمامهم سوى الانخراط في الجماعات الإسلامية التي سرعان ما تحولت إلى جماعات متطرفة، انتقلت - بحكم اشتراكها في الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي الشيوعي في أفغانستان- من المستويات المحلية إلى الآفاق العالمية، بحيث أصبحت تمارس الإرهاب على مستوى العالم. وما أحداث سبتمبر 2001 التي وجهت ضد رموز القوة الأميركية سوى الإعلان الجهير بأن الإرهاب الإسلامي قد تعوْلم، وأصبح يمارس على مستوى العالم كله.

والولايات المتحدة الأميركية وضعت استراتيجية لتغيير الأوضاع الاستبدادية في "الشرق الأوسط الكبير" بما يضمه من دول عربية وإسلامية متعددة، تمتد من تركيا حتى باكستان، تقوم أساساً على فرض الديمقراطية فرضاً على النظم السياسية المستبدة، التي بانغلاقها السياسي أدت إلى شيوع الفكر المتطرف والإرهاب. وهذه المبادرة الأميركية التي لاقت رفضاً من قبل الحكومات والشعوب العربية، نقلت إلى مؤتمر الدول الثماني الكبرى، حتى تسهم في التصديق عليها وتمنحها مزيداً من القوة والتأثير. وبغض النظر عن مصير هذه المبادرة في التطبيق، فإنه يلفت النظر أن الولايات المتحدة الأميركية - بناء على تفكير استراتيجي وتحليل ثقافي متعمق- قامت بصياغة استراتيجية "إبستيمولوجية" ونعني معرفية لأول مرة، هدفها الرئيسي إعادة صياغة مفاهيم الإسلام الليبرالي، ودعم الجماعات الإسلامية التي تتبناه، وتشجيع المفكرين والمثقفين الإسلاميين الذين يرفعون لواءه. والإسلام الليبرالي يُعنى به هذا الاتجاه من اتجاهات تيار الإسلام السياسي، والذي لا يري تناقضاً بين مبادئ الإسلام وقيم الليبرالية والديمقراطية. وهي تسمية على كل حال تتسم بالغموض لأنه تقع تحت ما يسمي بالإسلام الليبرالي "تيارات شتى"، ومفكرون إسلاميون يختلفون اختلافات متعددة في رؤاهم للعالم، وفي الحلول التي يتبنونها للمشكلات المعاصرة.

والاستراتيجية المعرفية الأميركية التي نتحدث عنها عبارة عن وثيقة بالغة الأهمية أصدرتها الباحثة الأميركية "شيرل بينارد" التي تعمل بقسم بحوث الأمن القومي في مؤسسة راند الأميركية. وهذه المؤسسة بحكم تاريخ نشأتها كمركز بحوث استراتيجي لسلاح الجو الأميركي، تم تحويلها من بعد إلى مركز عام للدراسات الاستراتيجية الشاملة، وهي خير معبر عن "العقل الاستراتيجي الأميركي".

أصدرت بينارد كتيباً بعنوان "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" وذلك عام 2003. ويبدو أنه لم يتم الالتفات إلى أهميته القصوى إلا عندما قامت مؤلفة البحث بنشر ملخص لأهم نتائجه بعنوان خمسة أعمدة للديمقراطية:"كيف يمكن للغرب أن يدعم الإصلاح الإسلامي"وذلك في ربيع هذا العام (2004).

ولو رجعنا إلى نص البحث الأصلي لرأينا مؤلفته تقرر في التمهيد ما يلي: إن العالم الإسلامي منغمس في صراع لتحديد طبيعته وقيمه، مع ما يتضمنه ذلك من نتائج خطيرة تمس المستقبل. والسؤال هنا: ما هو الدور الذي يستطيع باقي العالم (وتعني غير الإسلامي) القيام به في هذا المجال؟ وهو العالم الذي يهدده هذا الصراع، ومن شأنه أن يؤثر على مساره؟.

إن للولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بالإسلام السياسي ثلاثة أهداف. الهدف الأول هو وقف شيوع الفكر المتطرف واللجوء إلى العنف. والهدف الثاني هو رفع الشبهات التي قد تحيط بمسلكها ذلك باتهامها أنها تعادي الإسلام. والهدف الثالث: أن عليها أن تجد طرقاً لمواجهة الأسباب العميقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تغذي الراديكالية الإسلامية وتشجيع الحركات التي تسعى إلى التنمية والديمقراطية.

ولاشك أن الجدل والصراع الداخلي الدائر في العالم الإسلامي حالياً قد يؤدي إلى غموض الصورة الراهنة للخلافات الإيديولوجية الإسلامية. ولأجل تيسير مهمة الفهم من الأفضل ألا يصنف الفاعلون باعتبارهم يمكن أن يندرجوا تحت هذه الفئة أو تلك، ولكن على أساس توزيعهم على أفق ممتد له أطياف متعددة. ومما يعمق الفهم أيضاً تحديد آراء كل منهم بالنسبة لعدد من الموضوعات الأساسية، وذلك ضماناً لتصنيفهم داخل هذا الأفق بشكل دقيق. وفي هذا الضوء نعرف من هم الأقرب إلى القيم الغربية والأميركية خصوصاً، ومن هم الذين يتبنون مواقف عدائية منها.

وبناء على هذه الدراسة المتعمقة يقدم التقرير عناصر أساسية لاستراتيجية ثقافية وسياسية مقترحة لفرز الاتجاهات الإسلامية الرئيسية والتي يجملها التقرير في أربعة وهي: العلمانيون، والأصوليون، والتقليديون، والحداثيون. وفي ضوء هذا الفرز تشن الولايات المتحدة الأميركية حرباً ثقافية - إن صح التعبير - ضد الاتجاهات الإسلامية العدائية، وفي الوقت نفسه تصوغ استراتيجية لدعم الاتجاهات الإسلامية القريبة من القيم الأميركية، مادياً وثقافياً وسياسياً لمساعدتها في الاشتراك في ممارسة السلطة السياسية في البلاد العربية والإسلامية.
وما سبق ليس سوى مقدمة وجيزة، تشير إلى الاستراتيجية الأميركية لتطوير الإسلام الليبرالي. غير أن قصة الإسلام الليبرالي لها جذور تاريخية تستحق أن نرصدها واستراتيجيات معرفية تحتاج إلى تحليل.