رؤية أميركية حول المدخل المدني للإصلاح والصداقة....

إبراهيم البحراوي ... الاتحاد

 

حاولت التنقيب في بعض الكتابات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومراكز البحوث الأميركية والأوروبية المعنية بقضايا الإصلاح في العالم العربي، بمناسبة ندوة حول دور المجتمع المدني في البلدان العربية في الإصلاح، نظمتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنطمة العربية لحقوق الإنسان ومكتبة الأسكندرية. كان هدفي البحثي من عملية التنقيب الاطلاع على الرؤى الأجنبية حول المجتمع المدني العربي لمقارنتها بالرؤى العربية في المجال نفسه.
أعتقد أنه من المهم أن نتوقف عند بحث أميركي صدر في شهر مارس 2004 عن مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي، تحت عنوان "الديمقراطية في الشرق الأوسط... هل المجتمع المدني هو الإجابة؟" بقلم الباحثة إيمي هوتبورت. البحث يقدم رؤية قد تثير جدلاً وحواراً واسعاً بين منظماتنا العربية. تطرح الباحثة سؤالاً عن إمكانية تحول المجتمع المدني العربي إلى قوة ديمقراطية صديقة لأميركا. ولكي نتفهم أبعاد السؤال فإنه يتعين علينا أن نضعه في سياقه التاريخي، فالبحث الذي يعالجه يأتي بعد أن جوبهت الولايات المتحدة بمقاومة رسمية عربية حازمة عندما طرحت مشروع الشرق الأوسط الكبير للإصلاح، وبالتالي فإنه يسهل علينا إدراك أن الولايات المتحدة بعد أن فشلت في محاولتها لفرض الإصلاح الديمقراطي على الحكومات، وحرصاً منها على تجنب إغضاب هذه الحكومات العربية الصديقة بمواصلة الضغوط على قمة المجتمعات العربية، راحت تفتش عن مداخل أخرى لتحقيق هذا الإصلاح المتوافق مع رؤيتها في تجفيف منابع الإرهاب. وعلينا هنا أن نتذكر أن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي والتي صدرت ممهورة بتوقيع الرئيس بوش في مناسبة الذكرى الأولى للهجمات على واشنطن ونيويورك عام 2002 قد ألحت في تفسيرها للمخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي للأميركيين سواء على أرضهم أم خارجها على مسألة نقص الديمقراطية والمشاركة السياسية للمواطنين العرب في صنع القرار العام، وعلى حرمان أعداد كبيرة منهم من الفرص الاقتصادية. ومن هنا أبرزت الوثيقة استراتيجية محاربة ثلاثية الفقر والقهر والفساد في العالم العربي كأداة بعيدة المدى لتجفيف المصادر التي تساعد الفكر الإرهابي على الانتشار. ترتيباً على هذا السياق التاريخي يمكننا أن نتفهم أبعاد السؤال الذي يطرحه بحث مؤسسة كارنيجي حول إمكانية تحول المجتمع المدني العربي إلى قوة تدفع نحو الديمقراطية من أسفل ونحو الصداقة معاً.

يرى البحث في الفصل الأول أن الولايات المتحدة تواجه امتحاناً صعباً في تحويل الصيغ الخطابية التي يدلي بها الرئيس الأميركي عن إحداث تحول ديمقراطي في دول الشرق الأوسط لأسباب عدة داخلية في العالم العربي، ولأسباب تتعلق بمشاعر معاداة أميركا المتزايدة نتيجة لإهمال معاناة الشعب الفلسطيني على أيدي الاحتلال الإسرائيلي فضلاً عن إحجام الإدارة الأميركية عن محاولة هز استقرار النظم العربية الصديقة بالضغط عليها لتحقيق الإصلاح الديمقراطي. ويرى البحث أن كل هذه الأسباب قد أسهمت في بلورة مسار آخر لدفع الديمقراطية خلال زمن أطول وعبر التدريج، وهو مسار تقديم العون للمجتمع المدني العربي خارج التجربة العراقية. وكذلك يرى البحث أن هذا المسار قد أصبح جذاباً للنظم الأوروبية المعنية ببذل جهود أكبر من أجل نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. ويشير البحث إلى أن تعريف المجتمع المدني ودوره كقوة مناصرة للديمقراطية هو مسألة خلافية تتعرض للجدل والحوار الواسعين في الدوائر البحثية والعلمية. ويعتمد البحث على تعريف أساسي محدود العناصر للمجتمع المدني يشير إلى العمل الجماعي التطوعي لخدمة المجتمع خارج حدود الانتماءات العائلية والعشائرية والمنفصل عن الدولة وعن السوق.

من هنا يدرج التعريف في إطار المجتمع المدني المنظمات غير الهادفة للربح والمنظمات الدينية واتحادات العمال وروابط رجال الأعمال وجماعات الإرشاد والجمعيات الأهلية والنوادي ومراكز البحوث بالإضافة إلى الحركات السياسية والاجتماعية والدينية غير المسجلة رسمياً. ويقدم البحث رؤية تفيد أن المجتمع المدني في ظل الظروف الصحيحة يمكن أن يساهم في تحويل النظم السلطوية إلى نظم ديمقراطية كما يمكنه أن يساعد في دوام النظام الديمقراطي بمجرد إنشائه. ويضرب البحث أمثلة بالفليبين ودول شرق أوروبا وجنوب أفريقيا وصربيا وأخيراً جورجيا، حيث استعمل المواطنون منظمات المجتمع المدني من أجل خلق فضاء سياسي مستقل للتعلم حول الديمقراطية ولصياغة بديل ديمقراطي للوضع القائم ولنشر الفكرة داخل المجتمع ولحشد الملايين من أقرانهم المواطنين ضد النظم القمعية.

ويضيف البحث إلى هذه الأمثلة إبراز الأدوار المهمة التي يقوم بها المجتمع المدني عبر منظماته في النظم الديمقراطية. كما يرى أن الولايات المتحدة وأوروبا قد اعتمدتا على دعم المجتمعات المدنية في

العالم بالوسائل المالية والفنية، وأن فكرة المجتمع المدني تبدو على نحو خاص مغرية باعتبارها الحل لتحدي دفع الديمقراطية في العالم العربي مؤكدين أن المنظمات غير الحكومية قد تنامت من حيث العدد والأداء في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وأن هذا التنامي يفسر عادة في أوروبا والولايات المتحدة باعتباره علامة على وجود مجتمع مدني مستقل آخذ في التعاظم والنمو، بل وأحياناً ما يفسر على أنه المصدر للتحول الديمقراطي السلمي على غرار الحركات المناصرة للديمقراطية والتي ظهرت في شرق أوروبا في سنوات الثمانينيات.

ويضيف البحث أن هناك افتراضاً يفيد أن مجال المجتمع المدني غير مسيَّس بشكل مأمون، بمعنى أنه منفصل عن المجال السياسي المحكوم بمشاعر العداء للولايات المتحدة وعن الصراعات المثيرة للشقاق، وبالتالي فإنه من الممكن أن يكون أكثر تقبلاً للمساعدة القادمة من الولايات المتحدة من القوى السياسية وأن هذه المساعدة لن تساند المجموعات المعادية لأميركا. والواضح من البحث أن هذا هو التفكير السائد في دوائر أميركية متعددة بشأن المجتمع المدني العربي، وإمكانية بناء جسور مع الأغلبية العربية الصامتة عن طريق تقديم المساعدة للمجتمع المدني، وإقناع هذه الأغلبية بأن الولايات المتحدة تقف إلى جانبها. وأخيراً يمتد التفكير الأميركي إلى أن التركيز على المنظمات غير الحكومية يبدو كطريقة جيدة لدعم التحول في سياسات المنطقة يأتي متدرجاً ومدفوعاً من المواطنين. وبهذا تتجنب الولايات المتحدة مخاطر الدعوة إلى تحول ديمقراطي فوري للمجال السياسي وتوفر على نفسها متاعب ممارسة ضغوط ثقيلة على النظم العربية. وهنا تنتهي صاحبة البحث إلى القول إنه من أجل كل تلك الأسباب السابقة فإن الإجابة على السؤالين الشائعين الآن في واشنطن، تقول على نحو غالب إنه لابد من تقوية المجتمع المدني العربي.

أما السؤالان الشائعان في واشنطن واللذان يحصلان على هذه الإجابة فإن أولهما يقول: كيف يمكن تحول العالم العربي إلى الديمقراطية؟ وماذا يجب أن تفعل الولايات المتحدة لمساعدة الديمقراطية في ذلك العالم؟

هذه رؤية أميركية لمعادلة المجتمع المدني العربي والإصلاح والصداقة وهي تستهدف تحويل المنطقة إلى ديمقراطية صديقة للولايات المتحدة بالتدريج. ويبقى أن نجول في البحوث العربية والمناقشات التي شهدتها مكتبة الأسكندرية منذ بضعة أسابيع حول دور المجتمع المدني العربي في الإصلاح، لنتعرف على الفروق بين الرؤية العربية والرؤية الأميركية والقواسم المشتركة.

غير أن السؤال الذي يجب أن نطرحه يقول: هل يتصور الباحثون وصناع القرار الأميركيون أنهم حقاً قادرون على كسب صداقة الجمهور العربي بالقفز فوق أسباب مشاعر العداء للسياسة الداعمة لإسرائيل بمجرد دعمهم للمجتمع المدني العربي؟! سؤال أرجو أن يفكر فيه الأميركيون.