كم "أمة" يوجد في سوريا ...

 ميشال كيلو ...النهار

ما ان اعتبر الدكتور بشار الاسد الاكراد السوريين قومية، حتى سارعت أحزابهم جميعها الى اصدار بيانات توافق على هذا الوصف وتشكر صاحبه على هذه السابقة، التي لا مثيل لها في تاريخ السياسة السورية في حقبة ما بعد الثامن من آذار، وتتناقض مع كل ما قاله البعث عن الاكراد منذ ذلك التاريخ.

بعد ذلك بأيام، كتب الاستاذ سليمان يوسف مقالة نشرتها "كلنا شركاء" تحدث فيها عن "القوميات غير العربية في سوريا"، وعددها على النحو الآتي: الآشورية/ السريانية/ الكلدانية، الكردية، الارمنية، الشركسية، التركمانية. فاذا أضفنا اليها، من عندنا (الكاتب) قومية العرب - لم اقل القومية العربية خشية ان يعترض ممثلو القوميات الاصيلة غير العربية على هذه القومية الوهمية والمصطنعة - كان لدينا ست قوميات في سوريا، خمس منها غير عربية، ما شاء الله وكان.

وكنت قد لاحظت قبل عامين ونيف، خلال اللقاء الاول الذي عقدته "لجان إحياء المجتمع المدني" مع جهة كردية هي الحزب الديموقراطي التقدمي الكردستاني، وجود نوع من تسيّب المفاهيم، تترتب عليه شعارات ومواقف سياسية تحمل، او قد تحمل، قدراً عظيماً من الخطورة، عندما ألقى الاستاذ فيصل يوسف، شريكي في التحضير للقاء، مداخلة قال فيها إن اساس المشكلة الكردية يكمن في عدم الاعتراف بوجود الشعب الكردي في سوريا. وبما أنني كنت أدير الجلسة، فقد طرحت عليه الاسئلة الآتية: كم شعباً يوجد في سوريا؟ هل فيها شعب سوري يضم عرباً وأكراداً... الخ، أم شعبان عربي وكردي، أم شعوب عربية وكردية وتركمانية وشركسية وارمنية وآشورية/ سريانية/ كلدانية... الخ؟ وهل تعتقد ان الاكراد شعب أم قومية أم قوم؟ وهل الشعب السوري متعدد الاقوام أم ان سوريا متعددة الشعوب؟

كان رأيي آنذاك أن في سوريا شعب واحد يتكون من أقوام - والقوم او الاتنية تكوين سابق للشعب حركته اقوامية وليست قومية، ما دامت القومية حركة تعبر عن وجود أمة، والأمة تكوين لاحق للشعب - وان حل مشكلات الاقوام السورية يكمن في الديموقراطية، اي في حقوق المواطنة والانسان، التي يجب أن يتساوى فيها وامامها جميع مواطني البلد بغض النظر عن انتمائهم الاتني، وفي الحقوق الثقافية، التي يجب أن تنالها الاقوام غير العربية لتنمي لغتها وثقافتها وشخصيتها الديموقراطية واندماجها في النسيج الوطني العام والدولة، انطلاقاً من خيارها المستقل وارادتها الطوعية.

بعد فترة، شاركت في حوار آخر أجرته اللجان مع ممثلي أحزاب كردية. واعترضت على رأي قال بـ"الحقوق القومية الديموقراطية" للاكراد على النحو الآتي: تعني الحقوق القومية الانفصال عن الدولة السورية، اما الحقوق الديموقراطية فتعني الاندماج فيها، فماذا تريدون: هل تريدون الانفصال أم الاندماج، أم تريدون الانفصال والاندماج في آن واحد، كما يقول شعاركم؟ إن ما تطلبونه من حقوق قومية ديموقراطية لا يقبل التحقيق، فالحقوق الديموقراطية ليست قومية او قطرية، وهي اما ان تكون ديموقراطية او ان لا تكون حقوقاً على الاطلاق. إن شعاركم متناقض ويقود الى نتيجتين متعاكستين ، فمن الضروري ان تقرروا ما ترغبون به: أهو حقوق قومية وانفصال أم حقوق ديموقراطية واندماج؟.

(...) بعد ايام قليلة، التقيت ببعض الاخوة الاكراد في مقهى الروضة، فتحدثت محذراً عن اتجاهين: اتجاه اول يراهن على ضعف العرب، يتسلى بالمسألة الديموقراطية ريثما تكون الضربة الاميركية قد نزلت بالعراق وخلقت ظروفاً جديدة في المنطقة، تجعل لكل حادث حديث. وقلت إن الرهان على هذا الاحتمال خطأ جسيم، لأن العرب سيعطون الاكراد حقوقهم كاملة إن كانوا اقوياء، اما ضعفهم وحرمانهم من حقوقهم بسبب الاستبداد او الاحتلال الاجنبي، فإنه سيدفعهم الى الحجر على شعبهم عرباً واكراداً، على غرار ما فعله البعث في البلدين الشقيقين سوريا والعراق خلال نيف واربعة عقود.

واتجاه ثان يبالغ في تجاهل قوة التيار القومي الكردي وفي التأكيد على انفراد التيار الديموقراطي بالساحة. وقد أكدت ان من واجب القوى الديموقراطية الكردية العمل لكسب غالبية الاكراد بدل الحديث عن سيطرتها على الشارع الكردي، الذي توجد اشارات كثيرة تدل على انه ليس معهم بالطريقة التي يتحدثون عنها، وان موازين القوى فيه تخضع لاعتبارات داخلية واقليمية ودولية متحركة، يمكن أن تغيره بصورة جدية ومفاجئة في اي وقت لمصلحة التيار القومي المتشدد، وهو ما تأكد - للاسف الشديد - خلال أحداث القامشلي ودمشق(...).

أظهرت هذه الوقائع آنذاك، وواقعة الحماسة الزائدة لتصريح الدكتور الاسد اليوم، ان التيار القومي قوي في الساحة الكردية، وانه يراهن على ضعف العرب - الذين هم على الارض تماماً بفضل نظمهم المقيتة والغبية - وان التيار الديموقراطي العقلاني والوطني محدود القوة والتأثير، ويمكن أن يصاب بضعف متزايد في ظل تطورات محلية واقليمية ودولية معينة، فلا بد أن يركز جهوده من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه وتقوية صفوفه وزيادة نفوذه الشعبي والوطني، ولا مفر من ان ينفتح بصورة جدية على مشكلات المجتمع السوري جميعها بدل التركيز الاحادي الجانب على القضايا الكردية دون غيرها. ولا بد أخيراً من أن تضم احزابه ديموقراطيين سوريين من مختلف الاتنيات، والا حكم على نفسه بالعزلة عن مجتمعه السوري وكان كمن يبيع نفسه ويبيعنا اوهاماً عقيمة تشبه اوهام ربيعه (صنوه): التيار الديموقراطي العربي، الذي أثبتت تجربة السنوات الاربع الماضية أنه سيبقى غارقاً الى إشعار آخر في شبر ماء(...).

كم قومية يوجد في سوريا؟ ومَن الجهة التي تفيد من تحويل أقوامها (وهي تكوينات سابقة للشعب) الى قوميات (وهي تكوينات تالية له)؟ الا تلعب هذه الكتابات لمصلحة الاتجاه الأمني المتحكم، الذي يستخدم منذ قرابة اربعين عاماً ورقة الوحدة الوطنية والقومية ذات الطبيعة الدمجية كي يناهض الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، ويبطل المواطنة وحقوق الانسان والمجتمع والدولة لمصلحة سلطة أمنية الطابع وفاسدة؟ هل من مصلحة الحركة الديموقراطية الكردية او غيرها تحويل شعارات خاطئة الى مطالب تحرق فرص الديموقراطية وتقوض شروط تحققها، وتخلق اجواء تشجع الانغلاق والتعصب، وتدمر بيد ما فعلته اليد الاخرى من اجل الديموقراطية، وتعطي اصحاب العقلية الامنية ذخيرة كافية وهوامش مناورة واسعة تمكنها من وضع نفسها في غير موقعها الحقيقي، بذريعة الدفاع عن الدولة والمجتمع ووحدتهما؟

ثمة مهمتان تتطلبان نقاشاً وطنياً صادقاً هما: وضع القوى الكردية، والشعارات التي تتذرع بالديموقراطية كي تمرر مقولات خاطئة السكوت عنها خطأ، والا كانت الديموقراطية اولى ضحاياها وبقي الاستبداد رابضاً على صدورنا باسم وحدة وطنية هي الاداة التي يعطل بواسطتها البلاد ويضطهد العباد، ويتجدد دمها من حين لآخر بفضل ما يرتكبه الديموقراطيون من اخطاء... لا بد من حوار علني وصريح، يقطع مع عقلية "القوميات" غير العربية في سوريا، ويعزز عقلية الشعب الواحد الذي يتألف من اتنيات متنوعة للمنتسبين اليها حقوق المواطنة وحقوق ثقافية لا مفر من ان ينالوها، من الضروري اعادة انتاج السلطة في ضوئها، كي تعبر عن مجتمع تعددي اتنياً وثقافياً، تقف اطرافه جميعاً على ارضية الديموقراطية المشتركة، التي ستكون محل قراءات متنوعة لكنها تتكامل وتتفاعل في فضاء وحدة وطنية من نمط جديد، مفتوح وتعددي وحواري، يقوم على المساواة امام القانون وعلى تكافؤ الفرص والعدالة، لينتهي بذلك الوضع الراهن، الذي تعتبر السلطة فيه ارضية وحيدة يتم بمعونتها وانطلاقاً منها انتاج الدولة والمجتمع والشأن العام، اي انتاج الخراب العام والازمات التي لا تني تتفاقم، وتهدد وجود الدولة ووحدة الشعب والمجتمع.

(دمشق)

كاتب سوري