حدود العرب: "هجاء" الدولة القطرية يهدد بتلاشي مفهوم الوطن كمجال حياتي وحقوقي وحيد ..3...

محمد جابر الأنصاري ... الحياة

 

 

يذهب الفكر السائد المعالج لظاهرة التعدديات العربية والحدود, المعنوية او المادية, الفاصلة بينها الى التركيز على ظاهرة الأقليات العرقية والدينية والطوائف والمذاهب المنسوبة الى هذه الظاهرة, إلا انه من المفيد موضوعياً التنبه ايضاً وبتركيز الى جانب آخر في هذه الإشكالية, وهي اننا امام تعددية "الأكثرية العربية" المفترض انسجامها قومياً و"مذهبياً" حيث ان اكثر من 80 في المئة من سكان الوطن العربي مصنفون "عرباً سنّة"... ولكن هذا الاعتبار لم يؤد الى "وحدة" هذه الأكثرية في كتلة موحدة, فظلت "تعدديات الأكثرية" هي الإشكال الرئيس الذي ينبغي الالتفات إليه في مقاربة المشكلة الحدودية في ابعادها الذهنية والنفسية و"الكيانية" وليس فقط بمفهومها السياسي او القانوني الدولي, وذلك ما ذهبنا إليه في بحثنا الموسوم (إشكالية التكوين المجتمعي العربي: اقليات ام اكثرية متعددة؟) في كتاب النزاعات الأهلية العربية الذي تشاركنا فيه مع فريق بحثي من المؤلفين العرب. (النزاعات الأهلية العربية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1997, ص 15- 46). وأخذ شيعة العراق اليوم يعكسون في سلوكهم السياسي والفكري تعددية مماثلة على رغم الرابطة المذهبية, الأمر الذي يستدعي البحث عن اسباب اخرى لمثل هذه التعددية.

وعلى رغم الوحدة العضوية العميقة للحضارة العربية الإسلامية ولدار الإسلام, فإن هذه الدار تجزأت سياسياً منذ وقت مبكر, وفي إبان قوة الدولة الإسلامية ومع عدم وجود قوى مسيطرة عليها في ذلك الوقت "تتآمر من اجل تجزئتها", كما تذهب الأدبيات العربية عن القوى الدولية في تبرير ظاهرة "التجزئة" العربية كلياً.

من هنا نشأ توتر دائم في تاريخ العرب والإسلام بين انتماء عقيدي وثقافي وحضاري شامل وبين انتماء سياسي واقعي متجزئ, وهو توتر ما زال قائماً الى اليوم بين الانتماء الديني او القومي الواسع وبين الانتماء القطري المتحدد.

وكما سبق وألمحنا الى ذلك فلم تتطابق الدائرة الحضارية الواحدة مع الدوائر السياسية المتعددة والمتصارعة داخلها كما تطابقت - على سبيل المثال - الدائرة الحضارية الصينية مع الدائرة الموحدة للدولة الصينية التي حافظت على وحدتها السياسية معظم عصور التاريخ, واستعادتها مبكراً في العصر الحديث في تطابق مقارب بين الدائرة السياسية والدائرة الحضارية.

* * *

إذا شئنا التدقيق في واقع تعددية الانتماءات الداخلة في تشكيل الهوية العربية وتكوين النسيج العربي العام, نجد ان هناك ازدواجية ثلاثية تتعدى الثنائية التي اشرنا إليها, وذلك: بين انتماء عام للعقيدة والحضارة, وانتماء مجتمعي متحدد القبيلة او الطائفة او المحلة, وانتماء بحكم واقع الحال للكيانات السياسية القائمة (برهان غليون, نظام الطائفية: من الدولة الى القبيلة, بيروت: المركز الثقافي العربي 1990, ص 136- 137). هذا الولاء الثلاثي المزدوج نشأ في واقع التاريخ وما زال قائماً. وتزايد اخيراً بروز ولاء التعدديات المجتمعية الصغيرة من قبلية وطائفية على حساب البعدين الآخرين: الحضاري الشامل, والسياسي الوطني او القطري. هذه الازدواجية الثلاثية يوازيها ويصاحبها مظهر ثلاثي ناتج منها في الشخصية العربية الإسلامية العامة يتمثل في كون العربي "إسلامياً" في عقيدته وعبادته وقيمه الروحية..., "عروبياً" في ثقافته وقيمه الأدبية والفنية, قبلياً او طائفياً او محلياً في نزعته وفزعته الاجتماعية وفي عصبيته السياسية. وهذه التعددية في الانتماء وفي التعبير عن الشخصية ليست من حيث المبدأ حكراً على العرب, فهي ظاهرة انسانية عامة غير انها في المجتمع العربي ظلت تعددية متفلتة وغير متسقة ضمن سلم للأولويات يصهرها في بوتقة عامة واحدة, وقد يتقدم اصغرها على اكبرها في ادق المواقف من دون ضابط او هرمية تحدد الأولويات. وبتعبير آخر: فإنها تتضارب سلباً بدل ان تتكامل ايجاباً, كما في التجربة الاتحادية الأوروبية الجارية, والتي من المفيد ان نلاحظ انها تضاربت سلباً في مراحل سابقة من التطور الأوروبي نحو الكيان الأكبر, ثم استطاعت الأمم الأوروبية وضعها في تراتبية ايجابية ومفيدة لحركة التقارب ثم التوحيد.

على صعيد آخر, وعلى رغم انه ليس في الإمكان منهجياً التحدث عن "الديموقراطية" قبل تبلور مفاهيمها في العصر الحديث (وبما يتجاوز مفاهيم اثينا القديمة) إلا ان الحديث عن "ديموقراطية" حياة البادية عند العرب لا بد من ان تفهم في مدلولها الاجتماعي الواقعي, حيث قاربت طبيعة البيئة الصحراوية وضروراتها بين كبير وصغير وبالتالي فإنه لا يمكن تعميم المفاهيم الديموقراطية بالنسبة الى آليات السلطة عند العرب. فأي ديموقراطية سياسية تحققت في الواقع داخل قريش, او بين الأمويين انفسهم, او بين الهاشميين من عباسيين وعلويين, او داخل اي قبيلة او عشيرة عربية اخرى على رغم بساطة العيش بين الجميع في البيئة العربية؟ وعلى رغم ان الإسلام علّم المسلمين كيف يتعايشون ويتسامحون مع اصحاب الديانات الأخرى من اهل الكتاب, فإن المسلمين انفهسم - والعرب بخاصة - لم يأخذوا بهذه التعددية في تعاملهم السياسي في ما بينهم في حالات عدة.

والجدير بالملاحظة انه منذ بداية نشوء السلطة السياسية في الإسلام بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم), كان السؤال المتقدم الملح: "من يحكم", بمعنى اي قبيل او عشير؟ وتأخر السؤال السياسي الأكثر اهمية وموضوعية: "كيف يكون الحكم بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) في الدولة الجديدة, بأي منهاج وبرنامج استنباطاً من مبادئ الإسلام السياسية التي جاءت عامة مرنة تتطلب التحديد والتقنين؟"

هكذا حولت "ذاتية" القبيلة مسألة الحكم في تاريخ الإسلام من "موضوع": الحكم كيف يؤسس ويدار... الى "ذاتية" الحاكمين: من يكونون, من اي عشير او قبيل, وأي "ذات" منهم تفضل "الذات" الأخرى, بما زاد من صراع التعدديات السياسية داخل الوحدة الحضارية ولم يقنن مبدأ الشورى ليصبح مؤسسة سياسية فاعلة منذ بداية تاريخ الإسلام.

وينجرف الفكر السياسي والديني الإسلامي في هذه "المفاضلة" العقيمة (افضلية ابي بكر ام علي بين امثلة اخرى) التي شغلت العقول والاجتهادات وأثارت النفوس والتحزبات وسالت حولها الدماء. وتضاءلت في المقابل قضايا الفكر السياسي والعلم السياسي الأكثر إلحاحاً في مطلب السياسة البناءة, كقضايا بناء الدولة وتقنين السلطة, وتنظيم الحكومة وتحديد المشاركة وإرساء اصول الحكم وآلياته بصفة عامة (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص26).

تمثل الوحدات الوطنية في الحاضر العربي, سواء كانت طبيعية من إرث التاريخ, او مصطنعة من فعل الاستعمار, المجال الحياتي الوحيد الذي يعيشه العربي, ويربي فيه اولاده, ويتفاعل من خلاله مع العرب الآخرين ومع العالم ويتعلم فيه قيم الوطنية والولاء والعمل والانتاج. الا ان العربي ظل يقيم ما يشبه العلاقة غير الشرعية مع وطنه الطبيعي الواقعي الملموس والمتجدد بسبب التجاذبات القومية الشاملة والدينية الشمولية. وظل هذا الوطن يمثل له "حالة موقتة" بانتظار الدولة الكبرى او الخلافة العظمى. من هنا في نظرنا هشاشة قيم السلوك المدني في حياة العربي. فهي قيم لا يمكن ان يتعلمها الانسان إلا في وطن متجدد يؤمن به ويمنحه كامل ولائه. لذلك لا يتردد العربي في تخريب مظاهر العمران والحدائق العامة ومصابيح الاضاءة في هذا "الوطن العابر" الذي لا مشروعية عميقة له في اعماقه. وقد اسهمت الايديولوجيا القومية المشرقية التي نشأت كرد فعل عصبي لتقسيمات سايكس - بيكو في "الهلال الخصيب" في خلق هذه الحال العصابية تحت مصطلح الدولة "القطرية" الممقوتة التي ما زال اكثر الكتاب العرب يصبون عليها جام غضبهم بسبب استبدادها وعجزها في مواجهة الاعداء وتجاوز التخلف, وربما كانوا محقين. والمدهش ان الايديولوجيا القومية الوحدوية التي ظلت تشجب "الكيانات القطرية" حافظت احزابها "القومية الوحدوية" على هذه الكيانات بكل ما اوتيت من قوة وحيلة عندما وصلت الى الحكم! ولم نسمع, بعد, من هذه الاحزاب تفسيراً لذلك!

إلا أن هذا اللبس والالتباس بين مفهوم "الوطن" الذي يعيش ضمن حدوده وكيانه الانسان وينبغي ان يتربى فيه تربية وطنية قوامها قيم السلوك المدني المتحضر المستند الى وشائج المواطنة والوطنية, وبين افرازات الدولة القطرية الحاكمة فيه بمساوئها, قد ادى الى خلط خطير ومضلل بين الوطن ونظامه السياسي. ولا بد من العودة الى التمييز بين الاثنين, وانقاذ مفهوم "الوطن" والوطنية والمواطنة من قفص النظرة السلبية القاتمة السائدة عن الدولة القطرية التي ينبغي ان يتحرر كل وطن عربي من سوءاتها ضمن مشروع اصلاحي ديموقراطي حقيقي يقارب بين مفهوم المواطنة والدولة بما يتجاوز حال الشيزوفرينيا القائمة بين القطرية والقومية القائمة في الوطن العربي, وذلك من منطلق إن من لا يستطيع بناء وطنه "الصغير" لن يستطيع بناء وطنه الاكبر, ومع التذكر دائماً ان "الدول الكبرى" التي قامت في تاريخ العرب, وآخرها الدولة العثمانية, لم تكن افضل من الدول القطرية من حيث الاستبداد والتخلف السياسي وكيفية التعامل مع المواطن ولا في رد العدوان الخارجي مع تطاول الانحطاط, وانه ليس ثمة ضمانة ان تكون طبيعة الحكم في الدولة الكبرى افضل من مثيلاتها القطريات اذا لم تتوافر الشروط الموضوعية للحكم الصالح في هذه الحال او تلك. والنقد الشديد الموجه اليوم الى الدولة القطرية ناجم عن كونها واقعاً ملموساً يشهد ضد حاله البارزة للعيان, بينما الدولة القومية او الدينية وعد جميل وردي لكنه بعيد ماثل في الافق, ولو عدنا الى التاريخ وتأملنا في تراثها السياسي لتبين لنا ان المسألة ليست في الاكبر والاصغر, وانما في الطبيعة والجوهر. ولا بد من ان نتذكر النقد الشديد الذي وجه الى الدولة "الوحدوية" الاكثر جذباً للتأييد في تاريخ العرب الحديث وهي دولة الوحدة بين مصر وسورية, فضلاً عن الدول الراهنة التي تمثل مشروعات "وحدة" قائمة, لا يريد الفكر "المعمّد" وحدوياً ان يستوعبها.

واذا كانت هذه الابعاد الفوق - وطنية من قومية ودينية تنازع الوطن القائم ولاءاته في نفس الانسان العربي, فإن الابعاد دون الوطنية في القاع المجتمعي العربي من عشائرية ومذهبية تشد الانسان العربي الى اسفل, فلا يبقى للولاء الوطني الخالص غير هامش ضئيل لا يمكن ان يتم به بناء وطني يعتد به. ولمن يخشون مثل هذا الطرح, نقول لن تقوم للعرب قائمة, الا اذا عرفوا كيف يبنون هذه اللبنات الوطنية لتنضج مستقبلاً وتشكل اركاناً للبناء القومي المشترك اما الاصفار والكسور فلا تنتج رقماً قابلاً لأن يصبح رصيداً يعتمد عليه في صناعة الأمم.

وعليه, فإذا كان من الضروري التمييز بين مفهوم "الوطن" وطبيعة النظام السياسي للدولة "القطرية" التي تحكمه, من اجل ان يحيا الانسان العربي اولاً حياة "وطنية" صحية تترسخ خلالها في شخصيته الحقوق والواجبات الاساسية للمواطن في عصرنا, بما يهيؤه ويعده مستقبلاً لحياة قومية ارقى وأوسع, يقرر المشاركة فيها مع مواطنيه الآخرين في وطنه على اساس حرية الاختيار, ومن دون ضم او إلحاق او احتلال, فإنه من الضروري في الوقت ذاته تبين الجوانب الايجابية في ظاهرة الدولة القطرية ومغزاها, وتعزيز هذه الجوانب لإشباع وانضاج المرحلة التاريخية التحولية لهذه الظاهرة للدخول في التشكل المتدرج الاكبر للمجتمع القومي, دون التغافل عن سلبياتها, كأي ظاهرة في الواقع المحكوم بتناقضات الجدلية التاريخية والاجتماعية.

ان رؤيتنا هذه للمغزى التاريخي لظاهرة الدولة "القطرية" التي هي في واقع الامر الدولة "الوطنية" الاولى التي يعايشها الانسان العربي في تاريخه, وهي رؤية شرحنا حيثياتها التاريخية والسياسية باسهاب في كتابنا تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية, تستند باختصار الى المنطلقات الفكرية التالية (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص89-103 (1994).

(1) خضع العرب في تاريخهم لسلطات امبراطورية, آخرها السلطنة التركية العثمانية, التي مثلت لهم اطاراً امبراطورياً فضفاضاً مستنداً الى العاطفة الدينية, بينما كانوا يعيشون واقعياً في بناهم المجتمعية الاصغر من طوائف ومناطق وقبائل. اي انهم لم يدخلوا عضوياً في بوتقة الدولة ولم يخبروها ولم يتعمقوا تجربتها وأصولها كما عاش الصينيون على سبيل المثال في بوتقة دولتهم بالمعنى العضوي التاريخي للدولة. (وليس بالضرورة بالمعنى الحديث لها) ولا بد من ملاحظة الفارق النوعي بين الدولة والسلطة. السلطة التي تكون احياناً نقيضاً للدولة. كسلطة القبيلة او الطائفة.

(2) هكذا فإن التاريخ العربي الاسلامي تأرجح بين وضعية الدولة واللا دولة, ولم يتح للعرب, ان يخبروا استمرارية الدولة, التي هي مدرسة السياسة. وكما لاحظ دارسون فإن البعد السياسي للظاهرة العربية ما زال الى يومنا يتراوح بين تشكل وانحلال الوحدات السياسية من اكبر الى اصغر, وبالعكس, مرحلة بعد اخرى.

فقد تلخصت تراجيديا التاريخ العربي في انه: لا الوحدات الصغرى تنصهر سياسياً في الفضاء (القومي) الموحد لتشكل في اطاره كياناً سياسياً واحداً ثابتاً, ولا هي تنفصل او تنفك عنه بصورة نهائية لتقوم بذاتها في كيانات لا صلة لها به. "انه الانفصال في الوحدة, والوحدة في الانفصال", (وهذا ما يمكن ان يمثل اكثر المنطلقات المنهجية واقعية في التحليل النفسي والذهني (العصابي) للعرب المعاصرين, بين كياناتهم ذات السيادات المطلقة ودعوتهم الى تفعيل الجامعة العربية والمؤسسات فوق القطرية الاخرى!".

(3) إن المحصلة العملية لهذا الواقع التاريخي هي ان "الدولة الوطنية/ القطرية" الحديثة تمثل اول تجربة حقيقية للعربي في معايشة الدولة, سلباً وايجاباً... استبداداً وانتظاماً... حقاً وواجباً... قمعاً وتحرراً... الخ. ولا بد من ان تعطى هذه "التجربة" دورها الطبيعي في خصوصية التطور القومي الحديث للفرد العربي وللأمة العربية عموماً. وأي محاولة لاجهاضها قبل اوانها باسم القومية والوحدة لن تؤدي الا الى عرقلة ذلك التطور الطبيعي وإعاقته, فلا مفر من انضاج التجربة الوطنية "القطرية" لتصب بصورة طبيعية وايجابية في مجرى النمو القومي. فالعرب, بالمفهوم الحديث للأمة القومية, هم امة في طور التكوين - كما طرح ذلك بعض الماركسيين (فأقمنا عليهم القيامة!) ولا بد من احترام طبيعة هذا التكوين ومراعاة خصوصيته شئنا ام أبينا, وكما قرر محمد عابد الجابري: "دون نظرية الدولة العربية الواقعية الفعلية, الدولة العربية القطرية باختلاف اشكالها, لا يمكن وضع نظرية عملية في الوحدة العربية" (الجابري, اشكاليات الفكر العربي المعاصر, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1989, ص 97-98).

(4) وعليه فإن ترك الانسان العربي في عراء الانتظار لقيام الوحدة القومية الكبرى, او الخلافة العظمى, كوعد غير متحقق بعد, يجعل من العلاقة بينه وبين وطنه القائم المتحدد بمثابة ممارسة لعلاقة "غير شرعية" تتم في الخفاء والظلام وبعيداً من اي شرعية ضميرية.

ان الانتماء القومي والديني انتماء طبيعي وحقيقي لا ينكر. غير ان تحويله, سلباً, الى انتماء متضارب مع الانتماء الوطني, بدل ان يتكامل معه كما في التجربة الاتحادية الاوروبية مثلاً حيث تؤدي الانتماءات الوطنية الاوروبية "المشروعة" الى انتماء اوروبي اكبر - ومشروع ايضاً - وفي اطار الانتماء الطبيعي الاوسع للحضارة الاوروبية الغربية بمكوناتها المختلفة, نقول ان اقامة علاقة التضارب بين الانتماءات المختلفة في الهوية العربية, بدل العمل الفكري الجاد على تحويلها الى علاقة تكامل, يجعل من هذه الهوية ساحة للتمزق الداخلي, كما هي الآن, على رغم انها تملك مقومات التقريب والتوحيد لو عرفنا كيف نعيد ترتيب الأولوية الزمنية لولاءاتها وانتماءاتها المختلفة, الغنية والخصبة, بين انتماء وطني اولاً, ثم انتماء قومي, ثم انتماء ديني وحضاري... الخ.

(5) إن غياب القيم والمسلكيات المدنية في حياة العرب المعاصرين وهي لا تتأتى الا بغرس التربية الوطنية مرده الى هذا التضارب والتناقض الذي تغرسه الايديولوجيات والشعارات القومية والدينية - قبل أوانها التاريخي الصحيح - في نفوسهم حيال اوطانهم التي لا ملجأ لهم غيرها في المرحلة التاريخية الراهنة. فإن كان الوطن كياناً غير شرعي, وتجزئة مصطنعة, وتقسيماً استعمارياً, فكيف يمكن منحه الولاء والانتماء, وبالتالي اكتساب تربية وطنية سليمة في ظله وما يرتبط بها من غرس ضروري لواجبات السلوك المدني في المجتمع الوطني... الذي ينبغي ان يكون منفتحاً بدوره على الفضاء القومي الارحب في اللحظة التاريخية المناسبة.

اياً كان الامر فقد بقيت قيم السلوك المدني في الاوطان العربية المختلفة, قيماً مؤجلة لن تتحقق الا بتحقق الوحدة الكبرى والخلافة العظمى... وانتظاراً لها! واستقال المواطن العربي من واجبه الوطني الراهن - بحجة هذا الانتظار - وبقيت قيم السلوك المدني والوطني في مختلف الاوطان العربية تندب حظها, وتكشف عن هشاشتها. انها قيم لا بد من ممارستها "هنا والآن"... لا في اي مستقبل آخر. ولذا فقط لوحظ ان الفرد العربي مستعد للخروج في مظاهرة كبرى لكنس الامبريالية, باعتبار ذلك واجباً قومياً. لكنه ليس على استعداد في الاغلب للمشاركة في اية فعالية محلية لكنس الشارع القريب من بيته حيث ان السلوك المدني العربي - مؤجل - حتى تقوم دولة الوحدة. او هكذا تبلور "الوعي" القومي والديني بتأثير الأدبيات الايديولوجية التي ادت في الممارسة الواقعية الى عكس المنتظر منها ومن شعاراتها.

ويبدو الفكر المشرقي القومي هو الاكثر اعاقة وقصوراً في هذا الشأن, حيث نشأ كرد فعل عصبي كما أشرنا لمخطط سايكس - بيكو الذي كان تجزئة استعمارية, بلا ريب, لكن معالجته كانت تتطلب تعمقاً فكرياً افضل لسبر دقائق الاوضاع العربية. او كما لاحظ الكاتب السوري عماد فوزي شعيبي: "هذه الرومانسية القومية انطلقت من رفض كل دولة وطنية, وأذابت الوطني في مفهوم العروبة التراثي والوجداني وركبت تحليلات اقتصادية تدل على عدم نجاعة الوطني بمعزل عن القومي, ونسيت ان تلتفت الى الوطني في غياب القومي ضرورة ملحة. وانه من الغباء انتظار ما هو قومي حتى نبني اوطاننا بشكل قومي وجمعي. (هكذا) اصبح مفهوم الوطن مفهوماً ضائعاً بين عدم التعيين المعرفي وبين الهوية القومية المختلسة" (عماد فوزي شعيبي, صحيفة "الحياة", بتاريخ 5/11/1992, ص18).

ويتضح هذا الخلل المفهومي في الفكر المشرقي القومي تجاه البعد الوطني, اذا قارنا موقفه هذا بموقف الفكر المغاربي الوحدوي الذي يصبو الى وحدة المغرب العربي الكبير, من دون ان يقف من الحقيقة الوطنية لدول المغرب موقف التأثيم والادانة, باعتبار ان البناء الوطني لبنة في طريق البناء القومي وتلك هي النظرة الاصوب (عبدالباقي الهرماسي, المجتمع والدولة في المغرب العربي).

(6) ان الاستقراء التاريخي - المجتمعي, ماضياً وحاضراً, للدور "الوحدوي" العملي الذي تؤديه "الدولة القطرية" في دمج البنى المجتمعية الصغيرة - من طوائف وقبائل ونواح واطراف - في نسيج الجسم الوطني الذي تحكمه, وان يكن بدرجات تتفاوت من الاستبداد والتحكم وصولاً الى بناء المجتمع المدني - هذا الاستقراء يدل على ان الدولة القطرية في المنظور التاريخي تمثل مرحلة "توحيدية" لتلك البنى والتعدديات الصغيرة في القاع السوسيولوجي لمختلف البنى التي تكلست تاريخياً في ظل السلطات الامبراطورية الفضفاضة والتي اعطى وجودها الانطباع الملتبس بأنها "وحدت" العرب في كيان واحد.

وعلى سبيل المثال, فوحدة "اليمن الكبير" التي ما زالت تعتبر من الوحدات القطرية" بالمنظور القومي, نعتقد ان هذه "الوحدة" هي خطوة تاريخية مهمة من اجل توحيد البنى المجتمعية اليمنية الاصغر, التي بقيت هكذا بفعل عوامل الجغرافيا والتاريخ, على رغم اعتبار اليمن جزءاً من الدول الاسلامية الكبرى التي "توحدت" في "الوعي" التاريخي السائد لدى العرب. ومن المستغرب ان تمر ذكرى وحدة اليمن على الفكر العربي من دون ان يلتفت اليها كدرس جديد وواقعي يمكن ان يخرجه من تهويمه الرومانسي الذي كنا نتمنى لو حقق شيئاً.

مثل هذا الاستقراء التاريخي المجتمعي يمكن تطبيقه على مختلف الكيانات القطرية العربية اليوم التي تتفاعل في اطارها البنى المجتمعية الاصغر - صراعاً او وفاقاً - في تحولها الى مجتمع وطني متجانس يمكن ان يمثل بنية صالحة لتشكيل نسيج قومي اكبر في المستقبل. وهي حالات تعرضنا لها تفصيلاً في كتاب "تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية" وفي فصل قائم بذاته من فصوله بعنوان: "بمنظور الواقع الفعلي للتاريخ والمجتمع الدولة القطرية: تجزئة ام توحيد؟" (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص105-127).

اذا صحت هذه الفرضيات, ونعتقد بصحتها - فسيكون من المفيد لحركة الوحدة العربية في المدى الطويل, امتلاك الجرأة على تحديد الحدود "القطرية" للدول الوطنية في العالم العربي, سواء اعتبرنا هذه الدولة او تلك من صنع التاريخ او من صنع الاستعمار - فهي واقع ملموس يعيشه الانسان العربي, هنا وهناك, ويتقرر فيه مصيره ومصير ابنائه. وبعد تحديد هذه الحدود "القطرية" وتبادل الاعتراف بها, واطمئنان المواطنين العرب على جانبيها الى توقف الصراع في شأنها, يمكن ان تنغرس بذور تلك الثقة المفقودة في يومنا, وذلك من خلال المشروعات والمصالح المشتركة التي يمكن ان تؤدي, الى تجاوزها تدريجاً لصالح مختلف الاطراف.

قبل خمسة عقود, كان الصراع الحدودي بين الدول الاوروبية على اشده الى ان تحددت الحدود, بعد تحديدها وتبادل الاعتراف بها, اخذت المؤسسات الاوروبية المشتركة تتنامى مخففة من حدتها تلك, بل عاملة من اجل تجاوزها.

تلك هي جدلية التاريخ, في الحدود وغيرها. وليس العرب استثناء لذلك. لذلك نرى انه لتجاوز الحدود بين العرب, وهذا ما نأمله مستقبلاً, لا بد من تحديدها اولاً في سبيل الوحدة العربية... اخيراً!.

* مفكر وأكاديمي من البحرين, والمقالة جزء من دراسة تنشرها دورية "عالم الفكر" في اصدارها الجديد.