ردا علي صبحي حديدي: الحوراني ناهض الاقطاع وعفلق قاد سورية للدكتاتورية

 

الاستاذ رئيس التحرير
تحية طيبة وبعد،
في سياق دعوة اللجنة السورية لحقوق الإنسان إلي اعتبار يوم الثامن من آذار يوما وطنيا لمناهضة حالة الطوارئ المفروضة علي سوريا منذ عام 1963، كتب السيد صبحي حديدي محاولا استقراء مستقبل حكم حزب البعث في سوريا ومستعرضا سجله قائلا أنه كتب باختصار تقضيه الحقيقة وأمانة هي أضعف الإيمان تجاه ذكري وحقوق مئات الألوف من الضحايا معتبرا أن ما آلت إليه الأمور يرتبط بمنطق صارم ببدايات الحزب مع زكي الأرسوزي ومقولته العربي سيد القدر وميشيل عفلق وأفكاره الفيختاوية عن القومية العربية كما وصفها، وأكرم الحوراني ومناهضته الإقطاع عازيا إليه مناداة الفلاحين بإحضار الرفش والزنبيل لدفن الإقطاع دون إبطاء .
وأقول للسيد حديدي أن أول ما تتطلبه الأمانة لذكري الضحايا هو الموضوعيةإذ يغيب عني المنطق الصارم الذي استند إليه المقال للربط بين مناهضة الإقطاع والتهميش والإقصاء اللذين انتهجهما حزب البعث بعد وصوله للسلطة. فما مناهضة الإقطاع في جوهرها إلا رفض لحالة التهميش الاقتصادي الاجتماعي والسياسي التي عاشتها شرائح من فقراء المجتمع السوري. وكان علي حديدي أن يتأكد قبل إن يعزو مناداة الفلاحين بدفن الإقطاع للحوراني فهذه المقولة تحوير لهتاف معروف كان يتردد في المظاهرات الشعبية في حماة (أطلقه علاء الدين الحريري أحد نشطاء الحركة الشعبية في إحداها) وأما ما نادي به الحوراني فقد كان الإصلاح الزراعي وإنهاء نظام الإقطاع لتحسين الأوضاع السيئة للفلاحين، ولإنهاء الهيمنة والإقطاع السياسي في المدن والذي ساد في بعض المناطق ومنها محافظة حماه (أكبر المحافظات السورية في حينه مساحة) والناتج عن هيمنة الملكيات الإقطاعية علي ما يقرب من 70%من الأراضي مصدر الثروة الأساسي بل الوحيد في بعض مناطق المحافظة. ولم يكن ذلك دعوة للتسلط والشقاق كما يوحي حديدي، بل أدي ذلك في حينه إلي التقريب بين الشرائح الشعبية لمدينة حماه وريفها إذ وضعت الولاءات التقليدية الضيقة جانبا وكذلك الحساسيات المعهودة بين أبناء الريف والمدينة وأصبح الولاء لأهداف عامة قائمة علي العدالة الاجتماعية وحدت تلك الشرائح ضمن كتلة سياسية مثلها الحزب العربي الاشتراكي في مجلس النواب.
لقد لعب الحوراني دورا محوريا في إنهاء نظام الإقطاع ولكنه لم يكن في ذلك بعيدا عن تطلعات المجتمع السوري فقد وافق أكثر من ربع أعضاء مجلس النواب السوري عند التصويت علي جعل مادة تحديد ملكية الأراضي في دستور 1950 ذات مفعول رجعي ـ وبكلمة أخري تطبيق الإصلاح الزراعي ـ وكان من هؤلاء نواب من حزب الشعب المشارك في الحكومة والدكتور الشيخ مصطفي السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين والتي تشهد محاضر مجلس النواب بمواقفهم الصريحة تجاه هذا الموضوع.
إذ عرف بعض من أبناء ذلك الجيل أن نظام الإقطاع أدي أيضا إلي ممارسات مجحفة، كممارسة بعض الملاك تهجير الفلاحين عن بيوتهم وقراهم، وأن كل هذا العوامل تضافرت وتراكمت لتولد جيوبا من التوتر عبر عن نفسه مرات بصدامات فردية وثقت جانبا منها الصحف وسجلات السلطات السورية، وبصدامات جماعية بين الفلاحين والإقطاع عمت قري ومناطق بأكملها ابتداء من عام 1858 بانتفاضة الفلاحين في جبال لبنان بقيادة طانيوس شاهين والتي عرفت باسم عامية كسروان ، مرورا بحركة الفلاحين في جبل العرب عام 1886 بقيادة ما عرف ب زعامة العامية ضد الإقطاعيات الدرزية والتي حصل علي أثرها الفلاحين الدروز علي اعتراف السلطات العثمانية بحقهم في ملكية أراضيهم، وآخرها كان حركة فقراء جبل الأكراد في حلب ضد بعض الاغوات الأكراد عام 1939 والتي عرفت باسم حركة المريدين . لقد أوصلت شرائح حماة الشعبية الحوراني إلي المجلس النيابي لمناهضته نظام الإقطاع، وكان وصوله برغم تعارض كل ما نادي به مع مصالح مواقع القوة التقليدية تعبيرا عن توتر قائم، وعن أحد أسباب نجاح الأنظمة الديموقراطية ـ وليس سقوطها كما قد يستنتج من مقال السيد حديدي ـ وهو قدرتها ومن خلال الحريات والتفاعل المستمر مع مجتمعاتها علي استشعار التوترات الاجتماعية ومحاولة إيجاد الحلول لها، وتنظيم التحولات التي يفرضها التطور الاجتماعي مجنبة تلك المجتمعات خطر الصدامات والتحولات المفاجئة.
بدا تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي في مقال السيد حديدي وكأنه سلسلة منسجمة مترابطة وطمست تحولات مثلت انقلابا حقيقيا في مفاهيمه وأسلوب تعامله مع السلطة. فما هو المنطق الصارم الذي يربط بين الحزب في الخمسينات عندما كان قائما علي المبادئ الديموقراطية، مشاركا في التجربة البرلمانية في سوريا وقابلا بالتداول الدستوري للسلطة مع ما آلت إليه الأمور في 8 آذار عام 1963 عندما قامت قيادتا ميشيل عفلق وصلاح البيطار مع فريق من الجيش بالاستيلاء علي الحكم بما يتنافي مع الدستور هذا مع أن أول هدف رفعه الحزب بعد اندماج الحزب العربي الاشتراكي وحزب البعث العربي كان تطبيق الدستور روحا ونصا. لقد كان الحزب في الخمسينات منسجما مع النظام الديموقراطي التعددي وحقق في ظله نجاحات لا يستهان بها، ولم يكن هناك علاقة قدرية حتمية تربط بين بدايات الحزب وبين تحول عفلق والبيطار عن النهج الديموقراطي، بل كان ذلك التحول قرارا سياسيا أخذته هذه القيادات للاستئثار بالحكم وتمت معالجة أفكار الحزب بعد عام 1963 لتتلاءم مع هذا القرار، بما في ذلك تبنيه لما عرف ب الديموقراطية الثورية .
وأما عن القومية العربية فإنه من غير الإنصاف أن يغفل المقال أن أفكار عفلق كانت وبالدرجة الأولي تمثل جناحه ومريديه من الحزب والذي كان عددهم 400 شخص عند وصول عفلق والبيطار للحكم في سوريا عام 1963 استنادا لشبلي العيسمي أمين سر الحزب عام 1963 وكتب آخرون بأن عددهم كان 260 شخصا. وأما جناح الحزب العربي الاشتراكي، والذي يشهد تمثيله النيابي بقواعده الشعبية وبأنه كان الجناح الفعال علي الساحة السياسية خلال التجربة البرلمانية، فقد آمن أنه من غير الممكن ومن غير الضروري أن نصنع للقومية نظريات، وإنما المطلوب بالتحديد للأمة العربية استخلاص وبلورة مبادئ عربية تقدمية مستقاة من ماضيها وتراثها ومنبثقة من حاجاتها وتطلعاتها، ولم ينفصل هذا يوما ومنذ البداية عن أهمية الحريات في بلورة هذه المبادئ، كونها الوسيط الذي يمكن من تفاعل هذه المعطيات وترسيخ هذه المباديء. إذ كتب أكرم الحوراني في جريدة اليقظة بتاريخ 10ـ7ـ 46 معلقا علي قرار حول حرية التجمع فقال إذا كان للنظام البرلماني الديموقراطي ميزات فأولي هذه الميزات ضمان الحريات... لأنه لا يمكن أن تحيا أمة بعقلية فرد ولا فئة مهما كانت مختارة ممتازة . وكان هذا الإيمان بالحريات السبب وراء فصل أكرم الحوراني من حزب البعث العربي الإشتراكي بتهمة الإنفصالية في مؤتمره القومي الخامس عام 1962 (دعي إليه عفلق بشكل انفرادي وغابت عنه معظم القيادات السورية)، لأن من يقرأ نشرة المؤتمر الداخلية التي دعت إلي تجديد الوحدة ثم تكلمت عن مواجهة جبروت عبد الناصر وحكمه الفردي، لا يسعه إلا أن يشكك بجدية هذه الدعوة وبأنها ما كانت إلا غطاء لسلخ الحزب عن جناحه الديموقراطي بفصل أكرم الحوراني والتمهيد للانفراد بالحكم عام 1963. إن إغفال السيد حديدي لحقبة الخمسينات التي آمن خلالها الحزب بالمبادئ الديموقراطية وانتقاده الشمولي له، بدلا من التركيز علي أسلوب هذا الحزب في الوصول إلي السلطة هو تشويش وتناقض مع أحد المباديء الأساسية للأنظمة الديموقراطية ـ والتي أعتقد أن السيد حديدي ينادي بها ـ وهو أن شرعية الحركات السياسية لا تعتمد علي تقييمنا الشخصي لطروحاتها، بل تستمد من قبولها بالتداول الدستوري للسلطة وعملها من خلال النظام الديموقراطي. وهذا الإغفال هو إجحاف كبير بحق الكثيرين ممن انتموا لهذا الحزب في الخمسينات ولكن انتهوا في السجون والمعتقلات عند وصوله للحكم في 8 آذار 1963، أم أن هؤلاء غير محتسبين بين الضحايا بسبب آرائهم السياسية؟
كما أن تحميل المسؤولية ضمنيا لأكرم الحوراني الذي آمن بالوحدة والحرية والاشتراكية ولكن آمن بالديموقراطية أيضا ـ فأسقطت عنه حقوقه السياسية رسميا بعد أيام من وصول الحزب للحكم في 8 آذار1963 ليصبح ملاحقا ومنفيا و بعيدا عن مواقع السلطة والقرار خلال كل العهود البعثية قاطبة ـ ولأمثال زكي الأرسوزي الذي لم يشغل يوما موقعا لصنع القرار، يحمل في طياته بذور مشاريع ألفتها المنطقة، فلطالما اتخذت الأفكار الهدامة ذريعة لظلم الناس وكم أفواههم. ويهمل ذلك واحدا من الدروس المهمة التي علمتنا إياها التجربة، وهو أن المواقف هي التي تحدد معاني الشعارات وتعرف القيادات وليس العكس.
وفاء الحوراني
باريس
6