حدود العرب (2): توتر بين قطري وقومي ...

 محمد جابر الأنصاري     الحياة

 

تمثل الحدود في "الظاهرة العربية" - مادياً ومعنوياً - إشكالية ومفارقة بالغة التعقيد والتناقض. فمن جهة يتحدث العرب, وأحياناً يتصرفون, وكأنهم امة فوق الحدود, التي خلقها الأجنبي كما هو شائع في الخطاب العربي السائد, وعليه فهي حدود مصطنعة لا حقيقة لها فينبغي ان تزول, وفي حركة رمزية يؤتى احياناً بـ"البلدوزر" لإزالتها كما فعلت ليبيا بحدودها مع مصر في حالات الاندفاع "الوحدوي" الموقت. إلا ان الحدود تصبح في الوجه الآخر من السلوك العربي - العربي مسألة شائكة ومعقدة, ومدعاة للاختلاف والتنازع, وقد يذهب بعض العرب الى المحاكم الدولية للتقاضي بشأنها. وفي حالات أخرى فإن مفاوضات مطولة ومضنية تجرى وراء الكواليس لحل هذه الإشكالات الحدودية التي وإن رسمتها الطبيعة في بعض الأحيان بحكم الفراغات الصحراوية الواسعة بين هذه البلدان, فإن الكثير منها رسمه التوزيع العشائري لـ"حمى" القبائل نتيجة لنمط معيشي تجاوزه العصر, وهو نمط الإنتاج الرعوي القائم على التجوال الموسمي لانتجاع مساقط الغيث (وذلك ما يشكل نقضاً اساسياً لمفهوم المجتمع الحديث المستقر والدولة القائمة على اسسه). وتمتلئ المكتبات الدولية والعربية بموسوعات ومجلدات في شأن القضايا الوضعية للحدود بين البلاد العربية, اغلبها مستمد من الوثائق البريطانية والفرنسية, فالعرب يعيشون المشكلة لكنهم نادراً ما يدونونها ويوثقونها.

وبنظرة تاريخية مقارنة نلاحظ بأنه بينما يقتضي منطق النمو الزراعي والعمراني في البلاد النهرية او الوفيرة الأمطار, والتي طورت لهذا العامل حضارة مستقرة متصلة الحلقات ومتماسكة النسيج, حيث اندمجت القرى الزراعية في الإقطاعيات, ثم تكاملت الإقطاعيات لتؤلف الدولة الوطنية الأوسع, كما في آسيا الموسمية وأوروبا, فإن منطق التشرذم العشائري من القبيلة الواحدة ادى الى تعدد الفروع و"الأفخاذ" وتصارعها وتباعدها. وإذا كانت "الأحلاف" القبلية الموسعة تنشأ لاعتبارات سياسية مرحلية, فإن الصراع بين العشائر يبقى ظاهراً او مبطناً وقابلاً للظهور في حال تصدع الحلف القائم, لأن مثل هذه التحالفات تنشأ بالمنطق القبائلي, ولا تتجاوز الى ما ورائها في تطور التاريخ, موضوعياً ومعنوياً, وعلى رغم النقلة الهائلة التي احدثها الإسلام في حياة العرب, فإن الاعتبارات القبلية ظلت اساسية في تقسيم الجيوش, وتخطيط المدن, وتوزيع الغنائم والخراج, بل ان تاريخ الإسلام السياسي في جانب مهم منه هو تاريخ الصراع بين الفروع والأفخاذ القرشية على السلطة. ويكفي ان نلاحظ ان اكبر سجال مذهبي شهده تاريخ الإسلام الفقهي والسياسي - بين السنّة والشيعة - لم يكن في بدايته سوى تباين بين فخذين من "أفخاذ" قريش!

إلا انه ينبغي التنبه والتنبيه بوضوح ان هذا "التشرذم" العشائري الموروث تاريخياً وجغرافياً لعوامل موضوعية كانت قائمة ليس قدراً مقدراً على العرب, وينبغي عدم القفز من تقرير هذه الظاهرة - علمياً - الى انها من الموروثات والجينات الداخلة في صميم تكوينهم. فعندما يبدأ نمو الدولة الوطنية - بمنطق الدولة الحديثة وقوانينها ومفاهيمها - فإن هذه التعدديات تتمازج وتنصهر في النسيج الوطني عبر عملية التحول التاريخي من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث, ثم عبر عملية التنمية الشاملة والمستدامة, وصولاً الى نسيج المجتمع المدني, الذي هو الشرط الأساس للنمو الديموقراطي في ظل الدولة الدستورية. ومن الأدلة التاريخية, لكن الملموسة الى عصرنا في العالم العربي ان مصر - التي وصفها ابن خلدون منذ ايامه بأنها "سلطان ورعية", اي دولة ومواطنين بلغة عصرنا, قد استوعبت العناصر القبلية المهاجرة إليها من مشرق ومغرب ودمجتها في نطاق مجتمعها الحضري في ظل الدولة المركزية وهي ظاهرة نراها ايضاً في المملكة المغربية, حيث ادى تماسك النسيج الحضري بين القصبات المغربية الى نشوء دولة مركزية تمثلت تاريخياً وإلى مطلع القرن العشرين في دولة "المخزن" ثم تطورت الى المملكة الدستورية التي نشهدها اليوم (راجع: عبدالكريم غلاب, التطور الدستوري في المغرب).

وإضافة الى قطيعة المكان (الفراغات الصحراوية الهائلة), نشأت قطيعة اخرى في الزمان اضعفت الاستمرارية التاريخية للدولة ومراكزها الحضرية. حيث كانت الغزوات الرعوية المتتابعة تاريخياً, سواء من جزيرة العرب او من آسيا الوسطى الخزان الأكبر للموجات الآسيوية, تتوالى فارضة بعد كل اجتياح العودة الى نقطة الصفر تقريباً في اعادة بناء الحاضرة والدولة (كتاب المؤلف, تكوين العرب السياسي, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت).

وعلى رغم ذلك فقد بقي العرب كما ألمحنا امة (موحدة الوجدان مفرقة الكيان), حيث اثبتت تجارب العقود الأخيرة, انه على رغم تصدع النظام الإقليمي العربي, وتراجع الفكرة القومية, واضمحلال المؤسسات العربية المشتركة وضمور "التضامن" و"العمل العربي المشترك", إلا ان مختلف هذه التراجعات والإحباطات لم تستطع التأثير في الوجدان الشعوري الموحد بين العرب على رغم استقواء النزعات القطرية ومؤثراتها التربوية والثقافية والإعلامية, وانعكاساتها على الواقع اليومي المعاش للعرب في اقطارهم المختلفة. فعندما كانت القطيعتان المكانية (التصحر) والزمانية (الاجتياحات التاريخية الرعوية) تتضافران على مركز حضري وحضاري لتخريب معالمه, كانت الأسس المادية العمرانية (البنية التحتية) تتدمر تحت وطأتهما بطبيعة الحال, غير ان القيم المعنوية تتمكن من الفرار عبر الكتب المنقولة بالقوافل وعبر الذاكرة الفردية والجمعية الى الحواضر الأخرى البعيدة من الخطر, فتبقى في الوجدان والشعور وتزدهر من جديد. هكذا عبر العصور والاجتياحات وسقوط الحواضر كان الكيان المادي على الأرض يتمزق ويتلاشى, بينما الوجدان يترحل ليبقى حياً في ذاكرة الأمة وشعورها, بل يقوم بالتعويض عن فقدان بُناه بتضخم اشد. ومن هنا الاحترام الشديد للأجداد وكبار السن عند العرب منذ الجاهلية, لأن ذاكرتهم الشفوية هي "السجل المعرفي" الوحيد للقبيلة ومجمع القبائل (الأمة).

وما زال "الوجدان" العربي على الصعيد الشعوري ينبعث حياً وحاداً في كل مواجهة قومية, وعاد في معظمه الى رصيده الإسلامي يستقي منه ويستوحيه صموداً وقوة. إلا ان هذه "الهبات والفزعات" الوجدانية الشعورية ما تلبث ان تخفت امام العوامل الموضوعية المضادة (كنجاح الغزو الأميركي للعراق, واستمرار التفوق العسكري الإسرائيلي ليس على الفلسطينيين وحدهم وإنما على الدول العربية مجتمعة), فلا يتمكن "الكيان" القومي المتفرق في سياساته وحدوده ومؤسساته ونسيجه الواقعي المادي من التصدي للتحدي الماثل. وذلك عبر عقود متعددة ومنذ نشأة التيار القومي في الحياة العربية, بدرجة او بأخرى, بل على رغم قوته اثناء المد الناصري.