السجن السوري من خارجه ...

. محمد علي الأتاسي

 

هل يمكن الانسان أن يعيش السجن من خارج أسواره؟ السؤال يبدو غريبا للوهلة الأولى, لكن من تسنح له فرصة الاحتكاك بعائلات السجناء السياسيين، سيعرف حتماً الجواب. هذه السطور محاولة لعرض الوجه الآخر للسجن السياسي  السوري  كما يراه ويعيشه أقرباء المعتقلين. إنها سطور حرض عليها مقال الصديق والزميل ياسين الحاج صالح في عدد 27\6\2004 من "الملحق"، والذي فصّل فيه بدقة الخبير نمط الحياة من داخل السجن، ودعا محقا إلى إضاءة تجربة السجن من جوانبها المختلفة حتى لا تبقى شبه بكماء ومثقلة بمكبوت الذاكرة.

مع أول الكلام يأتي أول السؤال عن الضرورة والغاية من رواية تجربة الاعتقال السياسي في سوريا: هل هي آتية فقط من الماضي للعبرة ولعمل الذاكرة، أو هي من الحاضر أيضا من أجل إنقاذ من تبقى في غياهب السجون، أم هي من المستقبل حتى لا تتكرر التجربة ثانية؟ هل هي للتنديد والتعرية أم للمحاسبة أيضا؟ هل هي للتصالح مع الذات أم للتصالح مع الآخر؟ هل هي لنكء الجراح أم لتضميدها؟

يسأل البعض ما الفائدة من نشر "غسيلنا الوسخ" وفضح أهوال الماضي, وبلادنا بالكاد تحاول الخروج من سنوات القمع الرهيبة وتعمل على لجم الاعتقال السياسي ووضع بعض "الضوابط" له؟ ويضيف هذا البعض، أننا إذا كنا نريد عنب الكرم لا ناطوره ونبتغي إغلاق ملف الاعتقال السياسي نهائيا، فمن الأجدر بنا العمل من دون استفزاز وبأنجع الوسائل على إخراج من تبقى في السجون ولنضع جانبا ما تعرض له المعتقلون السابقون وأهاليهم، فالأساس هنا أنهم عادوا طلقاء "أحرارا".

لن نغوص في الإجابة عن هذه الرزمة المعقدة من الأسئلة. سنكتفي بالقول ان الإنسان يموت أحيانا من القهر ومن الاحتقان ومن الصمت، وإن من حسنات الكلام العلني أنه يحرر الضحية والجلاد من الخوف ومن المكبوت ومن العار الأبكم. لقد حملت السنوات الأخيرة شهادات العديد من المعتقلين السياسيين السابقين في سوريا، بدءا برضا حداد مرورا برياض الترك وفرج بيرقدار ووصولا إلى ماهر عرار ومروان حبش، لكن السلطات السورية لم تقابل هذه الشهادات بالصمت والتجاهل فحسب، بل استمرت في بعض الأحيان في سياسة الاعتقال التعسفي وإن بشروط أقل عنفا ومسًا بكرامة البشر. بل أن بعض أطراف السلطة لا يزال يتفاخر بأن المفرج عنهم من معتقلي التيار الإسلامي تعلموا الدرس والتزموا الصمت رغم أنهم لاقوا أشد الأهوال خلال فترات سجنهم المديدة. لكن هذا يجب أن يكون نذير شؤم للبلاد قاطبة، لأن معناه أن مكبوت القهر والثأر لا يزال حبيس الصدور، ومن الممكن أن يتفجر في كل لحظة بأشكال لا تحمد عقباها، بدلا من أن تتاح له الفرصة لأن يخرج بأمن وسلام وطمأنينة.

في السطور اللاحقة سنحاول سرد ملامح السجن من خارج أسواره، مستعينين بنتف من تجربة شخصية ومن تجارب فردية أخرى وقع معظمها في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم في بلد اسمه سوريا. نتف رواها الآخرون واحتفظت بها الذاكرة الشخصية بشكل انتقائي وهي بالتالي تتحمل مسؤوليتها الكاملة.   

 

الغياب

الذاهب إلى عالم الظلمات والسجون السياسية في بلادنا، يرحل فجأة ومن دون استئذان. يرحل السجين عن أهله وأحبابه وعالمه الإنساني. يرحل مرغما إلى البعيد - القريب، تاركا مصيره وقرار عودته معلقا في زمن سرمدي تتملكه رغبة الحاكم وقراراته الاعتباطية وتقارير أجهزته الأمنية. يرحل تاركا وراءه فراغا ثقيلا داخل القلوب والبيوت، لا يستطيع احد غيره أن يملأه. إنه فراغ لا يضمر مع الزمن، ولا يرضى بغير صاحبه. أسمّيه فراغا لأنه صنو المكان وأسمّيه غيابا لأنه صنو الزمان.

غياب السجناء السياسيين عن أهلهم يختلف عن غياب الموتى أو غياب المسافرين. إنه غياب قسري بدايته معلومة ونهايته مجهولة. غياب هجين لا هو موقت ولا هو نهائي. غياب معلق بالزمان الثقيل وبوطأة الانتظار. غياب يسكنه الحضور ويأبى أبداً أن يغيب. غياب قاتل يذيق صحبته حنظل اليأس ويقتات على أملهم الحائر بين الممكن والمستحيل. إنه غياب من المتعذر أن يعتاد عليه أهل المعتقل أو أن يألفوه، لأنه غياب آني، موقت، لكنه أيضا غياب مخادع ينقلب في أحيان كثيرة على نفسه ويدوم دهراً.   

الداخل إلى بيت أحد المعتقلين في الأيام التالية لتوقيفه سيفاجأ بالحزن الغائر في دموع النساء ووجوم الرجال وخوف الأطفال. حال من الحداد تستحضر مجالس العزاء على الموتى. لكن الموتى يغادروننا إلى الأبد، وغالبا ما يستعيد دولاب الحياة دورته وتجري لملمة أغراض الميت وتُقسم تركته و يحُفظ مكانه في الذاكرة والوجدان. أما غياب السجين فيبقي الحداد معلقا والأغراض مبعثرة والتركة مجمدة والذاكرة مترددة ومشلولة عن ممارسة دورها. وكأن دولاب الحياة يأبى الدوران، ويظل ينوس بين الحضور والغياب.

يأتي عزرائيل الموت في كل لحظة ويأخذ أمانته من دون أن يراه أحد، تاركا وراءه الميت جثة هامدة سرعان ما تجد طريقها وطقوسها إلى القبر. أما عزرائيل السجون فغالبا ما يأتي تحت جنح الظلام تسبقه قرقعة السلاح والعتاد، يوقظ الجميع ويرهبهم ويمضي حاملا غنيمته، جسدا وروحا، ولا يترك وراءه إلا الغياب وبعض الصور المعلقة على الجدران تنتظر عودة صاحبها.

 

زمن الإنتظار

يجهد أهل السجين للتعود على خبز يومهم الجديد الذي اسمه الانتظار. يغمسونه تارة بمرارة اليأس وطورا بملح الأمل. تحاول الأم أو الزوجة عبثا أن توقف الزمن في انتظار عودة السجين. تترك أغراضه وملابسه في الخزانة وتبقي الغرفة على حالها وتدع كتبه راقدة هي الأخرى تنتظر في مكانها على رفوف الزمن. تتزين الزوجة كل صباح وتربي أنوثتها الذابلة على وقع الانتظار. يكبر الأولاد وتكبر مراهقتهم وتضيق ثياب الأعياد وتظل تتكرر عبارة الرجاء: "إن شاء الله العيد الجاي وبابا معنا".

تمر سنة أو سنتان، حقبة أو حقبتان، ويفرض الزمن في النهاية قوانينه ويغادر انتظاره! تتبدل حال المنزل وغرفه وأغراضه وأحيانا يتبدل المنزل بالكامل. تشيخ الزوجة وحيدة أو تغادر عش الزوجية قبل أن يدركها الانتظار. يتزوج الأولاد وتقام الأفراح على وقع الغياب وأحيانا لا تقام. يموت والدا المعتقل وحتما تقام لهما وله مجالس العزاء.

كم من معتقل سياسي سوري أفرج عنه في نهاية التسعينات، بعد عشرين عاما من الاعتقال أمضاها بدون زيارة أو أخبار من الأهل، عاد الى عنوانه القديم فلم يجد المنزل أو حتى لم يجد الحي بأكمله بعدما جرفه توسع العمران. وهناك من وجد والدته أو والده متوفياً أو حتى وجد زوجته وقد تزوجت من شخص آخر ظناً منها أنه توفي. كم من معتقل سياسي دخل السجن نضراً يافعاً وغادره حطام جسد إلى عتبة الدار: المنزل هو نفسه والباب لم يشخ، لكن المفتاح لم يعد يعمل! دق الباب وفُتح له. الجميع هنا في انتظاره. لا زواج ولا طلاق ولا وفاة. الجميع هنا في انتظاره، والجميع يعجز لبرهة عن التعرف عليه.    

عشرون سنة أو تزيد: كلمة في الفم. عبارة على السطر. برهة من الزمن. عشرون سنة أو تزيد: كلمة تمحو الكلام. عبارة تفيض عن اللغة. ثانية تبتلع الزمان.

 

زمن الصور

إذا كان من ميزات الصور الفوتوغرافية أنها تجمد الزمن المعيش لصالح زمنها الخاص، فإنها مع عالم السجون ولحظة الإفراج تشي بوقع الغياب وهول سنوات الاعتقال الطويلة. الصور هي في البداية طوق النجاة الذي يستعين به الأهل على وحشة الغياب. يحتضنون الصور كما يحتضنون أبناءهم وينسون أو يتناسون أن زمنها مغاير ومخادع. الصور خائنة بطبعها، لكن خيانتها مع عالم السجون تهد الجبال وتفجر الدمع وتحاكي الجنون. الزمن يضرب فجأة ومن دون رحمة بوقع عشرات السنين، فإذا بالأهل والأصدقاء في لحظة اللقاء أمام شخص بالكاد يشبه صورته. من منا لا يتذكر، على سبيل المثال، وقع صورة مانديلا وهو يطل على العالم لأول مرة بعد 26 عاما من الاعتقال، بالمقارنة مع صورته الشائعة والمألوفة التي التقطت له قبيل اعتقاله.

كم من معتقل سياسي في سوريا عاد إلى بيته بعد سنوات طويلة من الغياب ليجلس ويستقبل المهنئين ومن خلفه على الحائط تطل صورته قبل السجن وقد شاخ إطارها وبهتت ألوانها، لكنها مع ذلك تظل من داخل الإطار تتحدث بقدر حديثه عن معنى الزمن المسروق عنوة من حياته.

وإذا كانت الصور إحدى الوسائل الرائعة لإبقاء المعتقل على اتصال مع تبدلات العالم الخارجي، إذا سنحت الفرصة وسمحت الزيارة بإدخال بعض منها إليه، من مثل صور القادمين الجدد إلى العائلة من أولاد وأحفاد وأزواج، أو صور المنزل الجديد أو طقم المفروشات المقتنى حديثا، فإن غيابها في المقلب الثاني يشي باستحالة تواصل الأهل مع عالم ابنهم السجين. فكم من أهالي السجناء المفقودين يظل يحلم بإمكان أن يرى يوماً صورة لابنه في المعتقل تثبت أنه حي يرزق. وحتى في حال وجود السجين وتوافر زيارته، يظل الأهل يحلمون برؤية صورة لزنزانته ولبطانيته ولباحة التنفس ودورة المياه وطبق الطعام، لا لشيء إلا لتوقهم للتعرف على عالمه الآخر ولرغبتهم في رسم صورة دقيقة عنه، مهما تكن هذه الصورة بشعة وأليمة.     

هناك من الأبناء من يتربى ويكبر في ظلال صورة الآباء الغائبين، كحال تلك الطفلة الصغيرة التي تركها والدها ولها من العمر شهور، وخلال السنتين اللاحقتين كبرت الطفلة وتعلمت من أمها أن "بابا" هو تلك الصورة المعلقة على الجدار. بعد سنتين، وفي الزيارة الأولى لوالدها ولم تكن قد بلغت الثالثة من العمر، وفي محاولتها الإجابة عن سؤال والدتها "وينو بابا؟"، راحت تتطلع مستغربة وهي في حضرة والدها الجالس أمامها عن صورة ما معلقة على جدار غرفة السجن تشبه صورة والدها المعلقة في البيت.

 

الزيارة

الزيارة هي فسحة موقتة في الزمان والمكان تنطوي عليها جدران السجن، ويغادر فيها الطرفان عالميهما المتناقضين ويلتقيان على هذه الفسحة الأسيرة في حضور السجان وبشروطه. مدة الزيارة في أفضل الشروط ساعة كاملة، في حين أنها لا تتجاوز الدقائق المعدودة في بعض الحالات ومع بعض المعتقلين. تواتر الزيارة في أحسن الحالات يكون مرة كل أسبوعين، وفي حالات أخرى مرة كل ستة أشهر أو كل سنة، وهناك حالات لا تقر بها الزيارة إلا بعد معاملات مضنية ووساطات معقدة وتأتي مرة كل سنوات عدة. وفي حالة الإسلاميين فغالبا ما يكونون محرومين بكل بساطة من حق الزيارة.

الزيارة لمن يحظى بها من أهالي المعتقلين في سوريا الثمانينات هي امتياز كبير وفرح عابر وذل لا يوصف. امتياز كبير لأنها ليست في متناول الجميع، وفرح عابر لأن بهجة اللقاء سرعان ما تتبدد بضيق الوقت وكثرة المشاكل وغياب الحميمية. وهي ذل لا يوصف لأن الأهل، بنسائهم ورجالهم، بشيبهم وشبابهم وأطفالهم يخضعون للتفتيش من الرأس إلى أسفل القدمين، وقد يتعرض كل منهم في كل لحظة لعبارة خشنة أو ملاحظة جارحة. هناك العديد من المعتقلين السياسيين قطعوا عمدا زيارتهم طوال سنوات احتجاجا على ما تعرض له أحد أقربائهم من معاملة مسيئة.

غياب الحميمية لا يجسده فقط حضور الشبك الحديدي المزدوج الذي يحول بين المعتقل وملامسته لأهله، ولكن يحضر أيضا من خلال السجان وتقاريره، اذ يقف هذا الأخير في الفسحة الضيقة بين الشبكين أو يجلس بجانب المعتقل إذا كانت الزيارة تتم في غرفة عادية. وكم من العائلات اضطرت مكرهة للحديث في خصوصياتها ومشاكلها الحميمة مع معرفتها المسبقة أن التقارير ستكون في اليوم التالي على مكاتب الجهات العليا.

إعداد الطعام وشراء الأغراض وتوفير كل ما هو مسموح بإدخاله للسجين يعتبر من الواجبات المقدسة التي نادرا ما يبخل بها الأهل على ابنهم المعتقل. وكم من الأمهات والزوجات سهرن الليالي وهن يحضرن الطعام ويحكن الملابس ثم يقطعن مئات الكيلومترات وصولا إلى العاصمة دمشق لزيارة ابنهم المعتقل في أحد سجونها. وكم من العائلات اقتصدت في لقمة عيشها لـتؤمن لولدها السجين القليل من النقود لسد حاجاته الأساسية.   

مع ذلك تظل الزيارة بالنسبة لأهل المعتقل، على الرغم من أهميتها، قطرة في مجرى الحياة اليومية، لكنها بالنسبة للمعتقل حياة في قطارة السجن الرتيبة. يغادر أهل المعتقل السجن وتسكنهم حاجة غريزية للتخفف من وطأة الزيارة ومن ثقل قيودها. الساعات التي تلي الزيارة غاية في الصعوبة تكاد فيها الشرايين تتفجر في الأدمغة، لكن مشاغل الحياة سرعان ما تغيب تفاصيل الزيارة. أما المعتقل فإنه، على الأرجح،  يغادر الزيارة لكنها لا تغادره،  ويظل مسكونا بتفاصيلها الدقيقة شهورا طويلة.

بعد سنين طويلة من السجن سمح لعائلة أحد المعتقلين السياسيين في سوريا بزيارته للمرة الأولى. غابت البنت الكبرى عن الزيارة لكونها تزوجت حديثا وغادرت مع قرينها إلى المغترب. السؤال الأول للأب السجين حال لقائه عائلته كان عن سبب غياب ابنته، وسرعان ما طمأنته الزوجة وزفت له النبأ السعيد وحدّثته عن القادم الجديد إلى العائلة وأصله وفصله. انقضت سنتان ونصف سنة وسمح لهم بزيارة ثانية وأتت العائلة هذه المرة برفقة البنت الكبرى وهي حامل. تأثر الأب لمنظر ابنته الحامل واغرورقت عيناه بالدموع وراح يسألها عن حال زوجها في المغترب. تكفلت الأم الإجابة وأخبرته ان الابنة تطلقت من زوجها خلال هاتين السنتين والنصف وتزوجت مجددا وهي حامل من زوجها الثاني!  وتمت الزيارة.           

 

بداهة السجن

السجن مهما تعددت أشكاله وأسبابه، هو واحد في النهاية لجهة أسر الحرية قسرا. مع ذلك فإن السجناء السياسيين لا يختلفون عن سجناء الحق العام فقط لجهة شدة ظروف الاعتقال. إنهم في الأساس مسجونون ظلما لممارستهم حقهم المشروع في إبداء الرأي. لكن كيف إفهام أطفال المعتقل السياسي أن السجن ليس مقتصراً على الأشرار فقط! بل وكيف إفهام صحبتهم وأصدقائهم في المدرسة أن والد رفيقهم ليس مجرماً؟  لقد مر زمن على سوريا كان من المتعذر فيه على عائلات المعتقلين التصريح علناً بأن ابنهم معتقل لأسباب سياسية خوفا من أن يطالها هي الأخرى بطش السلطة  بتهمة التحريض أو نشر أنباء كاذبة!  

مع ذلك فإن دور الأهل أساسي ومحوري، ليس فقط بمد السجين بجذوة الأمل وبقوة الصمود، ولكن بالحفاظ أيضا على كرامته خارج السجن، مثلما يجهد هو للحفاظ عليها داخل السجن. قد تبدو هذه القضية بديهية، لكن من عرف سوريا في الثمانيات والتسعينات يدرك كم كان الأمر صعباً ومضنياً للعديد من العوائل. فكم من الأهالي لم يتركوا باب مسؤول إلا حاولوا طرقه بحثا عن ابنهم المفقود، وكم من العائلات جرى ابتزازها ماديا ومعنويا بافتراض تزويدها معلومات عن ولدها المفقود أو من أجل السماح لها بزيارته ولو مرة واحدة. وهناك حالات، أنتزع فيها من العائلة جميع أبنائها الشباب وإلى اليوم لا يزال مصيرهم مجهولا. وكم من العائلات لا يزال متعذرا عليها التصرف بأملاك أولادها الغائبين أو المعتقلين السياسيين، ونراها تعجز، وهي المثقلة بالفقر والديون، عن بيع البيت أو قطعة الأرض أو المخزن لأن ابنها الغائب يملك حصة فيها.        

 

أشياء السجن وأشباحه

مسبحة من بذور التمر أمضت أيدي مقيدة عشرات الساعات في صناعتها. بذرة دراق حفر عليها بعناية عبارات رقيقة وأشكال جميلة، محفظة أو طوق من الخرز. أشياء بسيطة وجميلة يصنعها السجناء ويقدمونها هدايا إلى عائلاتهم. تغادر هذه الأشياء السجن، لكنه لا يغادرها. إنها كمصباح علاء الدين، تلامسها أيادي الأحبة والأهل لتستحضر الغائبين، لكن هؤلاء على عكس جنّي المصباح السحري لا يظهرون أبدا!

في السجن هناك جنّي دائم الظهور، لكنه من جنس آخر. إنه الجلاد بوجهه الغليظ ويديه المفلطحتين وبذلته الكاكية الغامقة وبسطاره العسكري الثقيل. قد تبدو الصورة كاريكاتورية لمن لم يرها، لكن صدّقوني إنها أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال. أن تزور قريبك في السجن يعني أيضا أن تلمح هذا الوجه القميء هنا أو هناك على إحدى البوابات الحديد أو حتى من الممكن أن تلتقي به في الزيارة عندما يقرر أن يكون الضابط المراقب. ومع تواتر الزيارات والسنوات تعتاد الأعين على هذا الكائن الغليظ، حتى تخاله جزءا من مستلزمات السجن. لكن في صبيحة أحد الأعياد، وفي سوق شعبي من ضواحي دمشق، تبحث جاهدا عن منزل صديق تريد أن تعيّده، ومن بعيد تلمح وجه الجلاد الغليط من بين المارة! جسده عار من لباسه العسكري ويداه المفلطحتان تمسكان طفلا يرتدي حلة العيد. شعور غريب بالقشعريرة. فالطفل يشبه بشكل فاضح أباه. تحار كيف تقرأ المشهد، وتؤنب نفسك كيف أسقطت بشاعة الجلاد على براءة الطفولة! رباه كم كان أسهل لو أن الجلادين لم ينتموا إلى جنس البشر، ولكنهم منه!

في مهجع أحد سجون النساء، أدخلت امرأة حامل في شهرها الأخير. أنجبت الأم الأسيرة في السجن وأنشأت طفلها بين جدارنه الأربعة. ولظروفها الاستثنائية سمح لها بحرية حركة داخل السجن. وفي أحد الأيام وبينما هي تساعد في إخراج أكياس القمامة إلى بوابة السجن برفقة طفلها، لمح هذا الأخير حمارا ينهق في الحقل المجاور. كانت المرة الأولى يرى فيها الطفل حيوانا بهذا الشكل. حال عودته إلى المهجع برفقة أمه أمضى الطفل ساعات طوالاً وهو يقلد صوت الحمار وحركـاته!   

براءة الطفولة تفاجىء من داخل السجن، كما من خارجه. تتذكر الحديث الهادئ والمخيف لتلك الصديقة وهي تروي تفاصيل جلسة التعذيب التي تعرضت لها. الجسد المستباح والمدمى مسجى على الأرض. بين الفينة والأخرى تنهال أسطل الماء تليها الشحنات الكهربائية. شتائم وضرب وزعيق، في حين ان الروح تهيم بين اليقظة والغياب وتصل إلى تلك الحالة التي لا يجدي فيها ضرب ولا كهرباء. الألم يتجاوز كل الحدود البشرية بحيث لم يعد يخيفه أي ألم جديد. فجأة يرن الهاتف في غرفة التعذيب ويقول العنصر لرئيسه: "سيدي طالبينك من البيت". يتناول كبير الجلادين السماعة، يرقّ صوته فجأة وتعلو وجهه ابتسامة الأبوة ويقول: "كيفك بابا، ما ني مطوّل. شو بدّك جبلك معي على البيت حبيبي؟". تستيقظ صديقتي من سكرة الموت ويرتعد جسدها ألماً يفوق كل آلام الصدمات الكهربائية: "يا إلهي إنه بشر مثلنا!"

               

آخر الكلام

في شهادته - الفاجعة عن السجن والتعذيب والأمل كتب الصحافي السوري رضا حداد من على سرير الموت كلمات تلخص في ذاتها مأساة السجون السورية وجذوة الأمل المتقدة في صدور ضحاياها. وأختتم رضا شهادته بالعبارات الآتية: "ها أنا اكتشف بعد أربعين يوماً من إطلاق سراحي بأني مصاب باللوكيميا وابيضاض الدم. ورغم أني غادرت السجن إلا انه لم يغادرني، فآثار آلامه تغلغلت في دمي، لكن روحي ما زالت تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة".

غادرنا رضا حداد بعد ستة أشهر من إطلاق سراحه، لكن كلماته لا تزال تؤنبنا وتحاكي صمتنا، وروحه لا تزال ترفرف من بعيد على سوريا أخرى تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة.

يا أصوات المساجين، يا صمتهم. يا آهات الأمهات، يا لوعتهن. يا عودة الغائبين، يا خيالاتهم. كوني صدى لكلمات رضا، واشهدي: إن في الكلام حرية.