هل يعود الإخوان المسلمون في سورية إلي دمشق من البوابة الأمنية

 

الطاهر إبراهيم            القدس العربي
في كل مرة أقرأ مقالا لكاتب سوري، يعيش في سورية، معروف عنه جديته في تناول علاقة النظام السوري بمختلف ألوان الطيف السوري المعارض في داخل سورية وخارجها، أشعر بارتفاع نسبة الأمل عندي، وبأن هذه الأصوات لا يمكن أن تذهب جفاء، ولا بد أن يأتي يوم، تؤتي تلك الجهود ثمارها، ولو طال الزمن.
فكما قرأنا للأستاذ ميشال كيلو في النهار البيروتية في 26 أيار الماضي، مقالا تحت عنوان متي كان الإسلام في سورية أصوليا؟ مطالبا فيه النظام السوري بفتح صفحة جديدة مع الإخوان المسلمين ، باعتبارهم تيارا عريضا له وجوده علي الساحة السورية.
كذلك فقد قرأنا في نشرة كلنا شركاء في الوطن في عدد الاثنين 5 تموز الجاري، تعليقا للأستاذ فائز سارة علي دعوة عضو البرلمان السوري محمد حبش الإخوان المسلمين الموجودين في الخارج إلي العودة إلي سورية، في الحوار الذي أجرته أبيض وأسود مع حبش في 21 حزيران الماضي.
ومع كل التقدير لهذه البادرة التي أطلقها الدكتور حبش ، فإني، كواحد ممن تعنيهم هذه الدعوة، أجدني مضطرا لذكر بعض الملاحظات التي لا بد منها، لتستقيم الصورة كاملة أمام من يتصدي إلي هكذا دعوة، تمس مفصلا رئيسيا في المشهد السياسي السوري.
ونسجا علي منوال الأستاذ سارة في عدم الإطالة، فسأكتفي ببعض النقاط التي أوردها، وسجل فيها وجهة نظره من خلالها. قال حبش : أشعر بأن سورية جاهزة لاستقبالهم ( أي الإخوان المسلمين) كأفراد. (وأن) النظام يريد ألا تكون هناك معارضة في الخارج وهذه رغبة صحيحة. نحن نطالب الآن بإلغاء العقبات .
وبالرغم من أنه لا جديد في موقف السلطات السورية في الموضوع ، كما فهم ذلك الأستاذ سارة ، من خلال كلام حبش ، حيث أن النظام ما زال يصر علي عودة الإخوان المسلمين كأفراد، ويجري بعدها تصفية ملفاتهم الأمنية وإغلاقها.. ، (يلاحظ قوله بعدها وليس قبلها وهي تعني رغبة أجهزة الأمن في إخضاع المواطن السوري العائد، إلي تحقيق أمني بعد أن يصبح أسير قبضتهم في سورية). ويبدو واضحا، مما ورد بين المزدوجتين، أن موضوع الإخوان المسلمين ما يزال محجوزا لصالح أجهزة الأمن وحتي إشعار آخر.
الجديد في دعوة الدكتور حبش ـ كما لاحظ ذلك الأستاذ فائز سارة ـ أنه أشار إلي أمر هام، وهو وجود عقبات حقيقية أمام عودة الإخوان المسلمين ، طالب بإلغائها. فما هي تلك العقبات التي أشار إليها الدكتور حبش ولم يسمها؟
ابتداء نقول إن العقبات التي تقف أمام عودة الأخوان المسلمين إلي سورية بخاصة، وباقي فصائل المعارضة بعامة، يمكن تذليلها بالعودة السريعة بسورية إلي وضعها الدستوري قبل قيام الوحدة في عام 1958 من القرن الماضي، وبإلغاء قانون الطوارئ وكل المحاكم الاستثنائية.
ولكن هناك أمورا مستعجلة تسبق تلك العودة، وتحقيقها أسهل أمام النظام السوري، ولن تكون هناك عودة آمنة ما لم تتم معالجة تلك الأمور التي تعتبر غاية في الأهمية، وهي لازمة وغير كافية، ولكنها شديدة الحساسية منها:
أولا: إن أول وأهم ما ينبغي معالجته في سورية هو إغلاق ملف الاعتقال باعتباره قضية إنسانية ونزع صفة السياسية عنه. وإغلاق هذا الملف يجب أن لا ينتظر الانتهاء من تسوية ملف الإخوان المسلمين. فهو ما يزال ينخر في عمق الوجدان الإنساني علي مدي أكثر من ربع قرن، وينطوي علي دمل يعتمل في نسيج المجتمع السوري. وما لم يتم تسوية هذه القضية، فسيجد النظام نفسه واقفا في المربع الأول. وإذا بَخِل النظام بتطويق تداعيات هذا الملف فهو بغيره أبخل.
ثانيا: إن بقاء القانون / 49 / لعام 1980 ، الذي يحكم بالإعدام علي مجرد الانتماء السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ساريَ المفعول، سوف يبقي سيف هذا القانون مسلطا فوق رقبة أي عضو من هذه الجماعة يعود إلي وطنه. ويجب أن لا يقام كبير وزن لما يردده بعض المسؤولين السوريين من أن القانون مجمد ، لأنه في أي لحظة يمكن إعادة الروح إليه وتقع الطامة، ما لم يتم إلغاء هذا القانون الجائر.
ثالثا: قد لا تعترض الغالبية الساحقة من المنفيين علي العودة الفردية إلي الوطن. ولكن الاعتراض ينصب علي إصرار الأجهزة الأمنية علي العودة من خلال البوابة الأمنية، لأن ذلك يشكل انتقاصا من حق المواطن السوري في العودة دون أي شروط إلي وطنه.
رابعا: مع كل التقدير لصدور مرسوم العفو العام عن كثير من المجرمين ،في بداية عهد الرئيس بشار الأسد، دون أن يشمل ذلك المعتقلين السياسيين، جعل الجميع يشعر بالأسف لأن هذا العفو تناسي المعتقلين السياسيين و المنفيين مع أن معظمهم قد انتهت مدة الحكم عليه وتحفظت عليه إدارات السجون الأمنية. كما أن سياسة إطلاق سراح المعتقلين بالقطارة وحسب المناسبات، يؤسس لتسييس تلك الخطوات التي ينبغي أن تكون إنسانية بحتة.
خامسا: ما تزال القيادة السياسية في سورية تتغاضي عن تصحيح الحيف الواقع بحق عشرات الآلاف من المنفيين السوريين وأولادهم، المحرومين من حقهم بالحصول علي وثائق السفر. وتصحيح هذا الحيف ينبغي أن يتبعه إصدار عفو عام عن كل من غادر..
ونحن نعتقد أن إصدار العفو العام سوف يؤدي إلي عودة مئات الألوف وهم مطمئنون إلي أن عودتهم غير منقوصة. صحيح أن بعض القياديين ربما لن يعودوا إلا في ظل تسوية سياسية، إلا أن الصحيح أيضا أن الغالبية الساحقة التي ترفض العودة عن طريق البوابة، سوف لن تتردد بالعودة عند صدور عفو عام عن جميع المنفيين بلا استثناء.
ونؤكد هنا إلي أن أي خطوة تتم لتشجيع المنفيين علي العودة إلي وطنهم سورية، لا بد أن تسبق ببادرة حسن نية، تتمثل بحصر هذا الموضوع الحساس بين أيدي السفراء والقناصل، وإبقائه بعيدا عن أيدي مندوبي أجهزة الأمن الملحقين في القنصليات السورية.
ونشير أخيرا لملاحظة الأستاذ سارة ، إلي أن عودة المنفيين السوريين تتقاطع مع اهتمام السلطات السورية في أمرين، حشد إمكانات السوريين في مواجهة التحديات، والثاني تخفيف وجود معارضة خارجية للنظام . ولا نذيع سرا إذا قلنا أن تخفيف وجود المعارضة في الخارج يتم فقط بتشجيع أفراد هذه المعارضة، الذين هم رأسمالها الأهم، علي العودة. ولا يتم ذلك إلا في حالة واحدة فقط، وهو إلغاء أسباب هذا الوجود، التي قد عددنا بعضا منها آنفا. فقط نؤكد هنا أن حساسية المرحلة والتحديات التي تواجه سورية،لم يتم حتي الآن التصدي لها من قبل النظام بما يكافئ تلك التحديات. وقد قيل في المثل: لن تحصل علي العشرة حتي تنفق التســـعة ، والمطلوب حاليا أقل من التسعة بكثـــير. لقد سجل الأستاذ فائز سارة في مقاله أنه قد خطا الإخــــوان المسلمون السوريون في الخارج خطوات باتجاه التقارب مع النظام والفئات السياسية والاجتماعية المختلفة، فنقدوا تجربة الماضي، وأعلنوا تبنيهم أساليب عمل علنية وديمقراطية.. . وكأني بالأستاذ سارة يعني في كلامه، أن الكرة الآن في ملعب نظام الحكم السوري، وأنه آن الأوان لكي يدرك ذلك، وأن يرد التحية بأحسن منها أو مثلها.
كاتب من سورية   عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام
8