مزادٌ في واشنطن... لإرضاء شارون ...

 باسكال بونيفاس ... الاتحاد

 

 

إذا كان ثمة شيء مشترك بين الأوروبيين والعرب الآن، فهو القناعة بأن تردي الوضع في الشرق الأوسط لم يعد فقط غير مقبول، وإنما بات خطيراً من الناحية الاستراتيجية.
فما آلَ إليه حال الفلسطينيين أصبح مصدراً لا ينضب للإحباط في العالم العربي، وأيضاً في العالم الإسلامي. كما أصبح قضية مشتركة تعبئ، بشكل بالغ الحيوية مختلف العقول والمشاعر في المجتمعات الأوروبية للتحرك إزاءها.ولا شك أن استمرار هذا الصراع في الشرق الأوسط ليس سبباً وحيداً أو كافياً لتفسير ظاهرة تفشي الإرهاب. فالتوصل إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن يقضي بضربة سحرية على تلك الظاهرة، ولن يجعلها تختفي مرة واحدة وإلى الأبد، ولكنه مع ذلك سيضع حداً لواحد من أهم أسباب تنامي العداء لأميركا حول العالم، إذ لا يخفى على أحد أن السياسة الأميركية إزاء هذا النزاع لا تفتقد فقط التوازن، ولكنها أيضاً غير عادلة على نحو خطير، وموالية لإسرائيل بشكل واضح وأكثر مما يجب.

وفي حين حاول "بيل كلينتون" حتى آخر يوم من أيام حكمه التوصل إلى تسوية سلمية، وحل نهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإننا نجد أن الرئيس "جورج دبليو بوش" عزف الآن عن طموح تحقيق أي شيء في هذا النزاع المزمن.وقد توصل إلى هذه النتيجة بعد أن اقتنع بأن من الأسلم له أن يمضي وراء توجهات حكومة شارون خطوة بخطوة. أليس هو من وصف شارون بأنه "رجل سلام"؟! ولذا لم يسجل على بوش مخالفته لشارون في شيء، وعندما فعل ذلك اقتصر الأمر على اختلافات لفظية وشكلية، لم تتبعها أفعال على أرض الواقع.ولذا درج شارون مراراً وتكراراً على التبجح بقوله: إنني أعرف أنني لن أتعرض لضغط من طرف الولايات المتحدة. والمشكلة أن مثل هذا الضغط الفاعل من قبل "واشنطن" ضروري، ولا بديل عنه، إذا كانت هنالك رغبة حقيقية في إيجاد تقدم ملموس على طريق تسوية النزاع في الشرق الأوسط.

ويوماً بعد يوم ترتفع الأصوات منادية بضرورة وضع حد لهذه التبعية الأميركية لحكومة شارون التي دمرت بشكل لا رجعة فيه كل منجزات ومسار عملية "أوسلو" التي كانت تبدو خطوة جدية للتسوية. ومثل هذه الأصوات المحتجة والمناشدات تأتي من العالم العربي، ومن أوروبا، بل إنها بدأت تتردد منذ فترة في بعض الدوائر، وعلى ألسنة الخبراء الأميركيين أنفسهم.

والمفارقة أن الفلسطينيين كانوا يأملون في البداية،في أن ينالوا آذاناً صاغية، واهتماماً أكبر من الرئيس الأميركي بحكم انتمائه إلى الحزب الجمهوري المعروف عادة بمواقفه الإيجابية تجاه العرب، مقارنة بالحزب الديموقراطي المعروف، في المقابل، بموالاته غير المحدودة لإسرائيل.ولكن هذا التصور الذي كان سائداً تغير رأساً على عقب منذ أحداث 11 سبتمبر.ومع أن ياسر عرفات أدان بقوة تلك الهجمات، فإن شارون نجح في تمرير مقولة أصبحت منذ ذلك التاريخ رائجة لدى الرأي العام الأميركي مؤداها أن "عرفات = بن لادن". وزادت "بوش" اندفاعاً في هذا التصور اعتبارات انتخابية خاصة أيضاً. ففي سنة 2000، لم يصوت لصالحه سوى 19% فقط من اليهود الأميركيين.وهو يبذل الآن كل ما يستطيع لضمان تصويت نسبة منهم لا تقل عن 30%، وهذا ما سيجعله في وضع جيد في بعض الولايات المهمة التي تعتبر بمثابة مفاتيح للنجاح في الانتخابات، مثل "فلوريدا" و"بنسلفينيا" و"أوهايو". ولكل هذه الاعتبارات لم يعد يهم "بوش" سوى الظهور بمظهر المدافع الذي لا يلين له جانب عن إسرائيل.

وإذا كان هذا هو حال "جورج بوش"، فلا يبقى سوى التعلق بأمل أن وصول الحزب الديموقراطي إلى السلطة في انتخابات نوفمبر 2004 سيشكل منعطفاً، وستترتب عليه تغييرات جوهرية في الموقف الأميركي، بحيث تتبنى الولايات المتحدة سياسة أكثر فاعلية ونشاطاً، بغية الدفع بالعملية السلمية، مع ما يستلزمه ذلك من ضغط على الحكومة الإسرائيلية. فهل من الوارد تحقق شيء من هذا القبيل؟ يصعب تصور حدوث ذلك. ومع أنه لا شيء مؤكدا في هذا الصدد، فإن تصريحات المرشح الديموقراطي السيناتور "جون كيري" الآن، في حملته الانتخابية المحمومة، ربما تفيد في عملية تجميع المؤشرات الدالة على معالم "خريطة الطريق" إلى مستقبل السياسة الأميركية لو قدِّر له الفوز.والحقيقة أن تصريحات "كيري" تدفع إلى الاعتقاد بأنه ربما سيكون أكثر ولاءً لإسرائيل، وأقل قدرة على الضغط عليها.إنه لا يعطي الانطباع بأن في مقدوره إحداث تحوُّل، إذ جاء في واحد من آخر ما صدر عنه من بيانات ما يدل على المزايدة على منافسيه، من خلال المبالغة في التقرب إلى شارون.

ولمعرفة حقيقة موقف "كيري" إليكم الآن هذا الخبر.ففي مذكرة بعنوان:"لضمان أمن إسرائيل، ولدعم العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، وهي مذكرة سرية لم تعلن على الملأ حتى الآن، وإن تمّ تسريب بعض الفقرات منها، يتودَّدُ "كيري" إلى المنظمات اليهودية الأميركية بوصفه لياسر عرفات بأنه قائد "مُفلس".ولا يقف عند هذا الحد، بل يوجه نداءً إلى الفلسطينيين لخلع عرفات. ومعنى هذا، بالمختصر المفيد، أن كيري يتخذ من قاموس رئيس الوزراء الإسرائيلي أصلا ومصدراً لا يستطيع مخالفته.ولذا فهو يؤيد، دون تحفظ، بناء الجدار الأمني بين إسرائيل والأراضي المحتلة، في حين أن المحكمة الإسرائيلية نفسها قضت بتغيير مساره، على الرغم من غضب الحكومة الإسرائيلية من ذلك، (وقد أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً بعدم شرعيته، وطالبت بهدمه ووقف بنائه، على الرغم من احتجاجات إسرائيل).

لقد ذهب "كيري" شوطاً بعيداً جعل تصريحه في أكتوبر 2003 بأن الجدار هو "حاجز من أجل السلام" يبدو كلاماً متواضعاً في تأييد شارون. لقد أصبح الجدار الآن، من وجهة نظر "كيري"، تعبيراً عن حق إسرائيل الطبيعي في الدفاع عن نفسها، ولا يجوز، من وجهة نظره، أن تنظر في موضوعه أصلاً محكمة العدل الدولية. لقد مضى ذلك الزمن الذي قال فيه الرجل إنه سيعين "جيمس بيكر"، وزير خارجية "بوش" الأب، مبعوثاً خاصاً للسلام في الشرق الأوسط. لأن هذا الكلام أثار، آنذاك، موجة من الاحتجاج لدى المنظمات اليهودية الأميركية التي تعتبر "بيكر" موالياً للعرب أكثر مما يجب.

و"كيري"، قبل هذا وذاك، لا يكف عن التذكير بأنه كان دائماً الأكثر التزاماً تجاه إسرائيل، وأن سجله التصويتي في مختلف اقتراعات مجلس النواب طيلة 19 سنة أمضاها في عضويته، ينهض شاهداً على ذلك.ويذكّر بأنه مضى في تأييده إلى حد كتابة هذه العبارة:"إن قضية إسرائيل يجب أن تكون هي قضية الولايات المتحدة".

إن هذا يقودنا إلى أن نطرح سؤالين، وملاحظة. ونبدأ أولاً بالملاحظة وهي أن السياسة الخارجية للقوة العظمى الأولى في العالم، مرتبطة ارتباطاً قوياً بعوامل سياسية داخلية كثيرة.أما السؤال الأول فهو: هل حقاً قضية إسرائيل، (وما تسعى إلى تحقيقه)، هي قضية الولايات المتحدة؟ إن كثيراً من الخبراء الأميركيين يعتقدون بأن العكس هو الصحيح، تماماً، إذ يرون أن تبعية "واشنطن" لـ "تل أبيب"، تضر بالمصالح الوطنية الأميركية.ويبقى السؤال الثاني وهو: هل حكومة شارون نفسها تستطيع تحقيق شيء لقضية إسرائيل على المدى البعيد؟ إننا نعتقد بأن مصالح إسرائيل يستطيع أن يفيدها، بشكل أفضل، سياسيون إسرائيليون آخرون، يسعون إلى إيجاد سلام حقيقي مباشر مع الفلسطينيين، وفي مقدمة هؤلاء "يوسي بيلين"، وليس شارون وأنصاره.