تشيلي تستعيد في مئوية بابلو نيرودا شاعرها الكبير وروحها الضائعة ...

 ابراهيم درويش ... القدس العربي

 


اليوم الاثنين تمر الذكري المئوية علي ولادة شاعر امريكا الكبير، وصوتها الاثير، بابلو نيرودا* (1904 ـ 1973)، ويحتفل اتباع الشاعر ومحبوه في كل بقاع الارض بقراءات حارة، واشعار تستعيد صوت وصورة المئات من قصائده التي وقعت علي كل الاساليب الشعرية، التي تتراوح بين القصر والطول. فهذا الشاعر الشيوعي، اليساري احب الطبيعة، بقدر ما احب الحياة. ونيرودا الشاعر الحائز علي جائزة نوبل للاداب كان صديق لوركا وبيكاسو وبول ايلوار، ونيرودا لم يكن بالضرورة شاعرا وسياسيا ـ دبلوماسيا بل كان رجلا مليئا بالحياة يحب الخمر والنساء (ثلاث زوجات وعددا كبيرا من العشيقات) والاغاني، بعد الحرب الاهلية الاسبانية قام نيرودا بانقاذ حياة الفين من مؤيدي الجمهورية الذين فروا عبر الحدود لفرنسا وعاشوا في معسكرات، خوفا من ملاحقة قوات فرانكو لهم، وعاش نيرودا عاما كاملا كهارب من ديكتاتور بلاده غابريل غونزاليس فيديلا، وعرض حياته للخطر عندما هرب علي صهوة حصان عبر جبال الانديز، وعاش في المنفي الاوروبي ثلاثة اعوام، حيث كافح ضد الديكتاتورية في ايطاليا، وعند عودته للبلاد رشح للرئاسة الا انه تنازل في اللحظة الاخيرة لصالح سلفادور الليندي. كان نيرودا شخصية ذات حضور كبير، فقد وصفه لوركا بانه اقرب للدم منه للحبر ، واعترف نيرودا بالتناقضات الكثيرة في داخله عندما اعلن بابلو نيرودا.. هو العدو الخائن . ويبقي نيرودا، بصفته صوت الشعر والحقيقة في عالمه، عصيا علي التصنيف، الفني وحتي السياسي مع ايمانه الشيوعي، فمع ان موضوعاته واعماله الشعرية، ربما حملت عددا من تأثيرات ويتمان وويليام بليك وبودلير الا ان صوره وطاقته الشعرية، تظل ابداعه وتميزه الخاص، خاصة في موضوعاته الشعرية التي تحدثت عن العادي واليومي، مثل اغنية للبصل .
والشاعر الذي غاب منذ ثلاثة عقود، يظل حاضرا في تغريبته عن الحب الضائع وبحثه عن الحقيقة الشعرية الحب قصير، النسيان اطول . والحكومة التشيلية تريد اليوم ان تعيد بعضا من ذكريات الشاعر، وتجاوز بعض الجراح، خاصة الاعتقاد الشائع، بان وفاة الشاعر الذي كان يعاني من المرض، جاءت بسبب الانقلاب الدموي الذي قام به الجيش المدعوم من المخابرات الامريكية ضد حكومة سلفادور الليندي، اليسارية والرئيس المنتخب ديمقراطيا. وقبل ايام من وفاته، جاء حرس الليل والشرطة السرية للبحث عنه حيث واجههم بعبارته الشهيرة لا شيء هنا سوي الشعر او الكلمات.
وجاءت حكومة بينوشيه الانقلابية للاسراع في دفنه، في المقبرة العامة، بدلا من دفنه في بلدة ايسلا نيغارا . وتم تصحيح الخطأ بعد عشرين عاما، وخروج بينوشيه من الحكم، وظهور فلم درامي اخذ من حياة الشاعر واشعاره الكثير إل بوستينو ، حيث صور الشاعر كقلب كيوبيد الهة العشق يعيش في منفاه في جزيرة.
ولد نيرودا واسمه ريكاردوا الييسير نيفتالي ريس باسوالتو في 12 تموز (يوليو) 1904، وغير اسمه في عمر السادسة عشرة الي بابلو نيرودا، ربما اعجابا بالكاتب التشيكي يان نيرودا، وكان في العشرين من عمره عندما نشر اولي قصائده الشعرية عشرون قصيدة حب وقصيدة يأس ، وظل يكتب الشعر حتي عندما كان يعمل في السلك الدبلوماسي.

مع لوركا ضد فرانكو

وعمل في بداية حياته دبلوماسيا صغيرا في الشرق الاقصي، وبعدها نقل الي الارجنتين حيث اتصل بغارسيا لوركا، نقل بعدها الي اسبانيا. وكان اغتيال الشاعر الاسباني المعروف عام 1936 هو ما دفع نيرودا لتجاهل وضعه كدبلوماسي ويدعم الجمهوريين، وفي هذه الفترة بدأ يكتب مرثيته العظيمة لضحايا الحرب الاسبانية، اسبانيا في قلبي وفي هذه المرثية قدم الشاعر ملامح من الالتزام الاجتماعي والدفاع عن قضايا العدل والحرية. وفي عام 1937 عاد الي تشيلي، حيث كان هناك قلق كبير لاوضاع الالاف اللاجئين الاسبان الذين فروا امام تقدم قوات فرانكو، ولهذا قام بالسفر الي فرنسا لكي يقوم بتنسيق جهود نقل الفين منهم علي متن قارب استأجره لتشيلي، وفي الوقت الذي كان ينسق فيه جهود نقل اللاجئين اندلعت معركة برلمانية حامية بشأن نقلهم، حيث قال نواب ان البلاد لا تحتمل هذا العدد من المهاجرين، فيما ناقش اخرون ان البلاد بحاجة الي قوة عمل، وكان نيرودا البعيد الاف الاميال عن وطنه واعيا للظرف ولهذا كانت الايام التي سبقت رحيل القارب وينبيغ حافلة بالمفاجأت ، وعند مغادرة القارب ميناء بوردو وقف نيرودا الي جانب المرأة التي ستصبح زوجته الثانية ديليا ديل كاريل لكي يلوح للقارب الذي غادر الميناء في الرابع من اب (اغسطس) 1938، وفي قصيدته التي كتبها بهذه المناسبة اعلن نيرودا عن تخليه عن العاطفية والشعرية الرومانسية لكي يكرس نفسه، كشاعر طبعا لقول الحقيقة وللكشف عن المظالم التي تواجه الانسانية ستسأل ..اين اذا الليليك.. والوجود البعيد متوج بالخشخاش.. والمطر يرش كلماته.... يملأها بالثقوب والطيور؟ قد تسأل.. لماذا لا يتحدث الشعر عن الاحلام واوراق الشجر..عن البراكين العظيمة في موطنه.. تعال وعاين الدماء في الشوارع.. تعال وعاين الدم في الشوارع.. تعال وعاين الدم في الشوارع .

مع الفقراء في تشيلي

قبل انضمام نيرودا للحزب الشيوعي عرض عليه عام 1944 لكي يرشح عن المنطقة الفقيرة في تراباتشا وانتوفاغاستا في صحراء اتشاما، وفي هذه المنطقة شاهد لاول مرة الفقر المدقع والبيوت التي بنيت علي المزابل، وشاهد لاول مرة الناس الفقراء او افقر الناس في تشيلي مازال قلبي يرتعد من مشاهد الفقر في هذه المخيمات.. هنا مخيم بان دي ازوكار الذي بني علي قمة جبل من القمامة، وعندما دخلت احد البيوت، امرأة (من منطقة السهول المعشوشبة) تقول لي كيف انها وجدت فجأة، من تحت ارضية الغرفة، فئرانا ميتة، واحذية قديمة.. مركزا للقمامة يسبح حتي سطح ارضية البيت، وعندما دخلت بيتها ارتني الاسرة الحديدية المتداعية، طاولة معمولة من رفوف، كرسي وحيد لكل البيت، لا مطبخ، في الغرفة السفلية، مدفأة من الصفيح وقطع الحديد تستخدم كفرن.. الطعام يخرج اسود، قالت لي . في عام 1945 انتخب نيرودا نائبا ممثلا للحزب الشيوعي عن انتوفاغستا وتاراباتشا، وبعد اربعة اشهر انضم للحزب الشيوعي التشيلي، في احتفال عقد في العاصمة سانتياغو، اهمية الانضمام للحزب، علي الصعيد الشخصي يمكن تحديدها من خلال القصيدة التي كتبها اي مي بارتيدو حزبي منحتني الاخوة لرجل لا اعرفه.. منحتني القوة الجديدة من بين كل الاحياء.. اعدت الي بلادي... وكأنه ميلاد جديد.. اعطيتني الحرية التي يفتقدها الانسان .. علمتني اللطف الجميل مثل النار.. ومنحتني القامة التي تحتاج اليها الشجرة.. وعلمتني ان ابحث عن الوحدة.. والتنوع في الانسان.. وعلمتني كيف يموت الم انسان لانتصار الجميع.. جعلتني قادرا علي رؤية وضوح العالم وامكانية الفرح.. جعلتني عصيا علي الدمار.. فلم اعد انتهي في نفسي .
في تشرين الاول (اكتوبر) 1947 ادت اضرابات عمال المناجم في لوتا الي احداث شغب واضطرابات حيث قام فيديلا بارسال قواته واعتقال المشاركين وارسالهم الي سجن حربي في جزائر سانتا ماريا وكويريكينا، وكان من بين المسؤولين شاب في الثلاثين من عمره سيصبح عنوانا هاما في تاريخ الاضطهاد في بلاده اوغستو بينوشيه. ولم يكن نيرودا قادرا علي الوقوف صامتا، ونظرا للرقابة علي النشر، فقد بحث عن اعلام في الخارج، وقام بنشر مقال في جريدة فنزويلية الناسيونال تحدث فيه عن وضع الديمقراطية في تشيلي وجاء فيه ان ازمة الديمقراطية في بلادنا هي ازمة لكل القارة اللاتينية. واتهم الرئيس التشيلي باستخدام اضراب عمال لوتا من كخيانة للشعب وقام باعمال لم تشهدها البلاد من قبل، وكتب قائلا لقد قاموا بتصويب المسدسات علي صدور الاطفال لكي يدلوا الجنود عن مكان اختباء ابائهم، ملأوا القطار وراء القطار، مثل قطارات النازية المشؤومة، بالعائلات والعمال الذين عاشوا في هذه المنطقة لاكثر من اربعين عاما، وفي غالب الاحيان تحولت القطارات لسجون ولم يسمح لاحد بمساعدة الضحايا، ومات الاطفال والنساء نتيجة هذه المعاملة، جثث عمال المناجم شوهدت في التلال ولم يسمح لاحد بالاقتراب منها .
في السادس من كانون الثاني (يناير) 1949 وقف نيرودا امام البرلمان والقي خطابه المعروف يو اكوزو انا اتهم، مستخدما عبارة اميل زولا المعروفة عندما اتهم الحكومة الفرنسية باساءة معاملة الضابط اليهودي، دريفوس، وقرأ نيرودا اسماء 650 من الرجال والنساء المعتقلين الذين اعتقلوا في معسكرات الاعتقال في بيساغوا، بدون تحقيق او اي معرفة بطبيعة الاتهامات الموجهة اليهم. واصبح نيرودا مطاردا، بل قامت صحيفة حكومية برصد جائزة لاي عنصر من عناصر الشرطة السرية (300) الذين كانوا يلاحقونه. ويقول نيرودا في مذكراته عن تلك الازمة ان الخيار الوحيد الذي بقي هو اللعب بالوقت والاختفاء وتبني العمل السري للكفاح من اجل عودة الديمقراطية في البلاد .
عاش نيرودا لعام مختفيا في بيوت الاصدقاء، حتي اصبح الوضع خطيرا ومن هنا، قرر اصدقاؤه تهريبه عبر الحدود للارجنتين، بجواز سفر مزيف، وهوية جديدة كعالم في الطيور، وقد اعجب هذا الدور نيرودا الذي احب هذه المغامرة وكتب عنها لاحقا كتابه ارتي دي باراجوس فن الطيور عام 1966. وقاده في المغامرة لجنوب البلاد، سائق يدعي جورجي بيليت، الذي تذكر لاحقا ان تعليقات نيرودا عن الطيور والحشرات جعلته يتغلب علي النوم. وفي المرحلة الاولي من الرحلة، اوقف شرطي السيارة وطلب من السائق ان يأخذه معه في الطريق، مما اثار مخاوف وقلق السائق، ولكن الشرطي ركب في المقعد الامامي، ولم يلاحظ نيرودا... بعد ذلك وصلوا الي مخزن للخشب قرب بحيرة مياهو، وفيها بدأ نيرودا يحضر للرحلة الشاقة عبر الانديز، ممتطيا صهوة الجواد، وكان قد نسي ركوب الخيل منذ طفولته.

مغامرة عبر الانديز

في 8 اذار (مارس)، بدأ نيرودا مع مجموعة من المرشدين والادلاء رحلتهم الشاقة غرب البحيرة، وهناك وجد ثلاثة من رعاة البقر ذكرهم نيرودا بالثلاثي جانوس ، كانت المرحلة الاولي تقتضي اجتياز نهر كارينكو ، وكان حصان نيرودا يحمل علي ظهره رتلا من الاشياء الثقيلة: اشهر شاعر في امريكا اللاتينية، زجاجة ويسكي وآلة طباعة كان يكتب عليها اغاني الكابتن/ الجنرال ، التي كانت سيمفونية حب وعشق، عن الحياة والطبيعة في جنوب امريكا، وعاني نيرودا في رحلته من المتاعب الكثيرة حتي قارب علي الموت، وكتب في عام 1971 كان علينا عبور النهر، هذه الامواج الصغيرة التي ولدت من قمم الانديز منحدرة منه، مشحونة بترنحها.. وجدنا حوضا.. مرآة عظيمة من المياه المتدفقة .. واخذت الخيول بخوض غمار الماء، وحصاني غمر بالماء حيث اخذت اتهادي.. ، حتي عبور النهر، وبعد اجتياز هذه المرحلة الصعبة سأله المرافقون ان كان خائفا من الموت، فاجاب نعم. فقالوا كنا وراءك بالحبال جاهزين.
اليوم الثاني للرحلة كان الاصعب، حيث كان عليهم اجتياز ما يعرف بطريق المهربين عبر الجبال. وبعد ان قطعوا المرحلة ووصلوا جبال الانديز، التفت نيرودا وسأل بيليت قائلا ماذا تسمون هذا الممر فاجابوا ممر ليلبيلا ، وعندها طلب من بيليت، حفر ابيات بالسكين علي قاعدة شجرة ضخمة انشدها نيرودا من خلال النموذج الشعري المعروف بالرباعي كوارتيتا ما اجمل رائحة الهواء.. في ممر ليلبيلا.. القاذورات لم تصل بعد .. من مؤخرة الخائن غونزاليس فيديلا . بعد الركوب الشاق عبر الجبال وصلوا الي الجانب الاخر من الحدود مع الارجنتين. بعدها سمع العالم نيرودا عندما خاطب مؤتمرا لمجلس السلام العالمي، قدمه اليه بابلو بيكاسو في باريس.
عاش نيرودا في المنفي الاوروبي حتي عام 1952، يقضي اوقاته بين زوجته الثانية ومحظيته الجديدة ماتليد اورتوتيا، وفي عام 1955 بدأ حياة مستقرة مع ماتليد في تشيلي.

الليندي يفوز

بعد عدة محاولات فاز الليندي بالرئاسة التشيلية، وانتخب كأول ماركسي في انتخابات ديمقراطية عام 1970. عين بعدها نيرودا، سفيرا لتشيلي في باريس. في عام 1971، وكان مصابا بمرض سرطان البروستات، سافر الي استوكهولم لاستلام جائزة الاكاديمية السويدية، نوبل للاداب. عاد لتشيلي في ايلول (سبتمبر) 1973. في 29 حزيران (يونيو) بدأ ما صار يعرف بـ تاكوينتازو ، حيث قامت مجموعة بقيادة الكولونيل روبرتو سوبير باحتلال وسط العاصمة وقصف وزارة الدفاع، ومع ان قوات الجمهورية قامت بالسيطرة علي الوضع الا ان البلاد كانت تنهار.
في هذه الاثناء احتفل نيرودا بعيد ميلاده التاسع والستين، ولم يكن الجو احتفاليا، حيث كان نيرودا قعيد الفراش وكان يتابع اخبار انهيار الاوضاع، وكان يقضي نيرودا وقته بين الاستماع للراديو وكتابة الاشعار، وكان الامريكيون يرسلون الاموال الي تشيلي لدعم الانقلاب الجديد. في 23 اب (اغسطس) استقال وزير الدفاع، واوصي الليندي بتعيين اوغستو بينوشيه، الذي كان يعتقد انه موال للحكومة في ذلك الوقت، وكان تعيين بينوشيه خطأ فادحا. فبعد ثلاثة ايام قام اصحاب المحال باغلاق محلاتهم في تظاهرة ضد الليندي.. وبحسب الصحافي التشيلي لوي البرتو مانسيلا، راقب نيرودا الوضع عبر الراديو والتلفاز، وقال الا تعتقد ان البلاد تنحدر نحو الحرب الاهلية ، ويقول الصحافي انه طلب منه القيام بانشاء لجنة دولية من الكتاب لدعم هذه الحكومة التي لم تجد من يدعمها، واعطاه بعض الاسماء، ماركيز، ماريو فارغاس لوسا، ارثر ميللر .
في تلك الفترة قام نيرودا بكتابة مقال في نيويورك تايمز ، دعا فيه شركة الاتصالات والبرق الدولية التوقف عن التدخل في شؤون البلاد.
وعندما نشرت الصحيفة ردا علي مقاله، كان في المراحل الاخيرة من مرضه، ولا يبعد عن الموت سوي شهر واحد، واراد استجماع كل طاقته للرد عليه، ولكن لم يحدث، حيث قام الصحافي فاراس بالاتصال بنيرودا في صباح 11 ايلول (سبتمبر) 1973 اخبره فيها عن الانقلاب، وانهي المكالمة قائلا اراك فيما بعد ، فاجاب نيرودا لن اراك ابدا . في ذلك اليوم قام الجيش بانقلاب دموي، حاصروا القصر الجمهوري، ومات الليندي في ظروف لا تعرف حتي الان، قتل ام انتحر، وقتل الاف التشيليين العاديين. وتقول ماتليد انه علي الرغم من اعتلال صحة نيرودا فقد كان يمكن ان يعيش لو بقيت حكومة الليندي، فقد كان نيرودا يأمل باصدار سبع مجموعات شعرية جديدة، اضافة الي مذكراته التي صدرت كلها بعد وفاته وفيها كتب نيرودا افعال واعمال الليندي، التي لا يمكن ان تمحي قيمتها امام الشعب، اغضبت اعداء التحرير.. والرمزية التراجيدية اتضحت من خلال قصف القصر الجمهوري.. وتعيد للاذهان القصف النازي للمدن الاجنبية.. والان نفس الجريمة ارتكبت في تشيلي.. الطيارون التشيليون قاموا بطائراتهم لقصف القصر.. الذي كان ولقرون طويلة مركز الحياة المدنية في المدينة.. اكتب هذه الكلمات السريعة بعد ثلاثة ايام من الاحداث التي لا توصف التي اودت بصديق عزيز، الرئيس الليندي، دفن سرا، وسمح فقط لارملته بمرافقة جسده الخالد .
قام الجيش بتفتيش بيته، وتتذكر ماتيلد حضور الجنود المدججين بالسلاح، وكان نيرودا يراقب الجنود بخوذاتهم يفتشون الاشجار والازهار في الحديقة، من خلال ثقوب ستارة غرفته.. وعندما سأل قائد الوحدة عن نيرودا.. اشاروا الي مكانه، فقام بالصعود وبخطوات حذرة الي الغرفة... في يده سلاحه.. عندها قال نيرودا له انظر حولك... هناك شيء واحد خطر عليك.. الشعر .. وانسحب الجنود، ولكنهم قاموا بالعبث وتدمير منزل اخر له. في 18 ايلول (سبتمبر) في عيد الاستقلال تداعت صحة نيرودا، وقررت ماتيلد نقله الي العيادة، وفي الطريق اوقفهما الجنود، الذين لم يستجيبوا لرجائها ان نيرودا يحتاج لعناية طبية، بل انزلوهما من السيارة واخذوا يفتشون كل شيء، وانتظروا اكثر من نصف ساعة، خلالها لم يبنس نيرودا بكلمة، فجأة شاهدت ماتليد العبرات تنز من عينيه، وقال لها امسحي وجهي، باتوجا (اسم الدلال لماتليد) . بعد ان وصلوا العيادة، ودخوله غرفة العناية، تركته ماتليد للحظة لكي تقوم باجراء مكالمة، ولم تنته منها الا وتلقت مكالمة شديدة وغاضبة تدعوها لكي تكون الي جانبه، حيث قال لها انهم يقتلون الناس، ويجمعون الاشلاء.. المشرحة مليئة بالجثث.. الم تسمعي بما حدث للمغني التشيلي المعروف فيكتور جارا.. كان واحدا من الذين قطعوا اشلاء.. يا الهي، كأنك تقتل عندليبا.. قيل انه ظل يغني وغناؤه جعلهم كالمجانين .. في ليلة 22 ايلول (سبتمبر) ترك نيرودا وحيدا، حيث كان لطيفا مع ماتليد التي طلبت منه الراحة، لم ينم الا ساعات قليلة، ليصحو بعدها، وهو يهلوس، ويقول انهم يطلقون الرصاص.. وبعدها ذهب في غيبوبة. مات نيرودا في ليلة 23 ايلول (سبتمبر) 1973 وكانت اخر كلماته هي انا ذاهب/ مي فوي . قررت ماتليد، نقل جثة زوجها الشاعر الي بيته في لاكاسوكونا الذي عبث به الحرس السري، وكان القرار في نظر الكثيرين جنونيا، الا انها ارادت من ذلك لفت انظار العالم لفظائع الانقلابيين، فقد حدست ان الحدث سيحضره صحافيون ومحبون للشاعر.
ويتذكر صديق الشاعر، هيرنان ليولا، الذي اصبح فيما بعد احد الباحثين المهمين في حياة واشعار نيرودا انه سأل ماتليد عن السبب، واجابت الا تعتقد انه كلما كان البيت في حالة سيئة، كان الامر جيدا لنيرودا . بعد يوم في البيت، نقل نيرودا الي المقبرة، حيث اجتمع امام البيت، عدد من العمال والطلاب، وتجمع الناس ليشاهدوا الجثمان في طريقه، سمعت اول صرخة، الرفيق بابلو، واجاب المشاركون حاضر ، ومع وصول الجثمان للمقبرة اصبحت الجنازة مظاهرة احتجاج كبيرة، كما يقول ليولا حيث ارتفعت الايادي والاصوات الرفيق نيرودا وردت الجموع في تحد صارم للجنود المدججين بالسلاح حتي الاسنان ، وتذكر الحضور قتلي الانقلابيين، المغني فيكتور جارا، والليندي.
في صباح اليوم الذي مات فيه نيرودا يتذكر صديقه فرانشيسكو فلاسكو انه ذهب الي بيته، وشاهد جموعا كبيرة امام البيت تشير الي مخلوق غريب في داخله، وعندما دخل وجد نسرا ضخما في غرفة الشاعر، عندها تذكر فلاسكو مرة اسر له فيها نيرودا انه ان كانت هناك حياة اخري فيتمني ان يتحول لنسر، وعندما اتصل فلاسكو بماتليد، واخبرها عما شاهده، قالت بدون تردد ذاك هو نيرودا .
في هذا اليوم، تتذكر تشيلي ابنها، وتستعيد تاريخها المفقود، حيث ستوزع سفاراتها في اكثر من 65 بلدا اوسمة لعلماء وشعراء، كما ستشهد العاصمة سانتياغو استعراضات، وطائرات ترمي مناشير/ اشعار نيرودا من الجو، وهناك محاولات ليست من المناسبة الرسمية، لاستدعاء روح الشاعر، والاهم من ذلك ان تشيلي، بعد سنوات من التغيب والسجون السرية والاف القتلي والمفقودين، تستعيد اشعار صاحب اغاني الكابتن/ الجنرال ، ومعه تستعيد روحها التي فقدتها، عندما دخلت اموال سي اي ايه البلاد، وقلبتها الي جحيم كبير. يقول الباحثون في حياة واشعار نيرودا ان قوة وصدمة، وطزاجة الكلمات بالاسبانية اقوي منها عندما تترجم، ومع ذلك فروح القصيدة ولون المغامرة والرفض لا تزال حية، رطبة، وجميلة، يقرأها اتباع نيرودا في كل انحاء العالم. فقد كان الصوت الذي حمل اليهم، الظلم والرفض، والالتزام من تلك البقعة الجميلة التي احبها في امريكا اللاتينية.
(اعتمدت في هذه القراءة علي الكتاب الصادر حديثا عن دار بلومزبيري، في لندن بابلو نيرودا: عشق للحياة من تأليف ادام فينستين (
Pablo Neruda: a Paion for Life).
كاتب من اسرة القدس العربي