هل على التاريخ اعادة نفسه في العراق ...

روجر أوين.... الحياة

 

كُتب الكثير منذ الغزو الأميركي - البريطاني للعراق عن الاحتلالات الكولونيالية، واستمدت غالبية المقالات مادتها من دروس التاريخ. مع ذلك لا يمكن اعتبار الموضوع منتهيا. لأن التشابهات التاريخية تستمر في التكشف أمامنا تباعا. مثلا، بعد أبو غريب والتشابه الواضح مع حالات في الماضي فضحت التناقض بين ادعاءات الكولونياليين وممارساتهم، رأينا مشاكل نقل السلطة الى حكومة محلية لا تتمتع بالسيادة يحاول المحتلون السابقون اقامة ما يسمى علاقات «كولونيالية جديدة» معها. ولأحاول أن أقدم المزيد عن تلك الدروس من التاريخ التي تبدو ذات معنى بالنسبة للتطورات في العراق اليوم. 

الكل يعرف ان هناك نوعين من الأحداث يمكن لهما تعجيل نهاية احتلال كولونيالي. من بين هذه ما حدث في أمرتسار في شمال الهند في 1919، عندما رفضت تظاهرة كبيرة التفرق وأطلق عليها الجيش البريطاني النار وقتل نحو 300 متظاهر. الحال الثانية المتميزة بوحشيتها كانت الشنق والجلد العلني لعدد من سكان قرية دنشواي المصرية في 1906، اثر هجوم القرويين على مجموعة من الضباط الانكليز كانوا يصطادون الحمام في القرية ومحيطها.

لهذا النوعين من الأحداث نتيجتان متوقعتان. فهما يقودان على المدى القريب الى تعبئة الرأي العام المحلي ضد المحتلين، وأيضا الى رد فعل في بلد السلطة الكولونيالية يمتزج فيه الاستبشاع للحدث بنزعة «وطنية» تقوم على الانكار والتبرير. فقد أدت مجزرة أمرتسار، على سبيل المثال، الى اقتناع المهاتما غاندي بأن سياسة بريطانيا في البنجاب «خاطئة في شكل لا يطاق»، وأن ممثلي الامبراطورية «ليس لهم أي اهتمام حقيقي برغبات شعب الهند». كما استبشع غاندي، مثل غيره من التحرريين الهنود، تأييد قطاعات من الرأي العام والاعلام في لندن للجنرال داير المسؤول عن المجزرة.

وينطبق الأمر نفسه على مجزرة دنشواي، التي اعتبرها كثيرون من الوطنيين المصريين مثل سلامة موسى اليوم الأسوأ في حياتهم. كما كانت المجزرة من بين الدوافع الرئيسية لتشكيل الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل. وفي لندن شهد مجلس العموم هجوما عنيفا على اللورد كرومر وسياساته، ركز فيه النواب الليبراليون على التناقض بين ادعاء كرومر انه أنقذ المصريين من «كرباج» جامعي الضرائب وغيرهم، وها هو يعود الى الوسيلة نفسها بحكم «الضرورة العسكرية» كما ادعى. بعد ذلك بوقت قصير أصدر الناشط المعروف ضد الكولونيالة ولفرد بلنت، ما أسماه «منشور المجزرة»، مؤكدا ان دنشواي لم تكن «خطأ استثنائيا» بل «جزء من نظام يُخضع منذ زمن طويل مباديء القانون المتحضر لما يعتبر مصلحة سياسية».

وعلى المدى الطويل ترينا غالبية الكتب عن تاريخ الامبريالية في القرن العشرين أن أحداثا مثل أمرتسار ودنشاوي تعزز المقاومة للنظام الكولونيالي فيما تضعف دعم الرأي العام في بلد المركز. كما نتعلم من التاريخ، وهو ما يحزن، ان هذا هو كل ما هنالك. أي ان تحول أبو غريب من رمز لأكثر ما في نظام صدام حسين من وحشية الى رمز لوحشية الأميركيين الذين خلفوه، لا يضمن بالضرورة اختفاء التعذيب من ممارسات نظام عراقي تحت حكومة عراقية صرفة. بل أن أكثر ما يثير الحزن في القرن الماضي، اذا اعتمدنا التاريخ، هو السرعة التي يتحول فيها ضحايا التعذيب الى جلادين.

اذا نظرنا الى نقل السلطة نجد ان تاريخ العراق يقدم نموذجا جديرا بالدرس للمشاكل الكثيرة المتعلقة بالقضية. فقد حرص البريطانيون قبل تسليم السلطة في العراق في 1931 على تقوية وضعهم في المرحلة ما بعد الكولونيالية من خلال معاهدة 1930 التي حفظت لهم قواعدهم العسكرية هناك. وجاء قبل ذلك قانون النفط في 1925 الذي أعطى المزيد من الامتيازات لشركة النفط العراقية التي يسيطر عليها الأجانب. كما تركوا للعهد الجديد نظاما لتسجيل الأراضي أملا في انه سيقود الى تمليك الأراضي لزارعيها الفعليين.

وما حصل أن هذه الاجراءات أصبحت مصدرا للمتاعب. وكانت الضحية الأولى نظام تسجيل الاراضي، الذي نجح سياسيو وتجار المدن من جهة، وشيوخ القبائل من الثانية، في القضاء عليه في شكل كامل تقريبا، ما أعطى العراق نظاما لملكية الأراضي كان من الأكثر اجحافا في الشرق الأوسط. ثم جاء دور المعاهدة التي وصل كره الرأي العام العراقي لها في الأربعينات الى درجة تجاوزت القبول بأي تعديل لها، وانتهى الأمر بالغائها بالقوة في 1958 . وبعد سلسلة طويلة من المفاوضات الصعبة تم تأميم شركة النفط العراقية في 1972 . هذه الاجراءات التي حاولت بريطانيا فرضها، خصوصا نظامي النفط والأراضي، أصبحت بذاتها مصدرا للاضطراب السياسي وفاقمت من الصعوبات أمام الساعين الى بناء مجتمع سياسي ليبرالي في العراق.

وينطبق الأمر نفسه على قضية الأكراد. فبالرغم من مقاومتهم لمحاولة بناء الدولة التي قام بها البريطانيون حصل الأكراد على امتيازات تذكر بما شهدته المشاريع الكولونيالية الأخرى، كما في حال الأقلية التركية في قبرص. وها نحن اليوم نرى سعي أكراد العراق الى استغلال ما يتمتعون به من حماية الى تطوير قوة مسلحة قادرة على صد أي محاولة لتفكيكها أو ادماجها في الجيش العراقي الجديد. واذ يعتبر عرب العراق أن الحرب أدت الى احتلال بلدهم يميل الأكراد الى اعتبار التدخل تحريرا يقدم فرصة لاستعادة الأراضي والممتلكات التي صادرها حكم صدام حسين.

لا نستطيع بالطبع التكهن بما سيأتي به المستقبل. والبادي أن الأميركيين تخلوا عن خططهم لاصلاح صناعة النفط العراقية وتركوا الأمر للعراقيين أنفسهم. لكن حتى لو سمح حسن الحظ للعراقيين بأن يحظوا أوائل 2005 بحكومة وطنية منتخبة فمن الصعب ان نرى امكان تجنب تصاعد المطالبة الشعبية بالانهاء الكامل للاحتلال. كما ستواجه تلك الحكومة الفوضى الضاربة في ملكيات الأراضي في المدن والأرياف، وهي قضية لم تبذل سلطة الاحتلال جهدا يذكر لمواجهتها، بل ربما فاقمت منها من خلال محاباتها السياسية لبعض الأطراف. اضافة الى ذلك هناك مشكلة الانقسام المتزايد بين العرب والأكراد.

مع كل ذلك لا يصح القول أن العراقيين أو غيرهم محكومون بالبقاء أسرى تاريخهم، اذا تمكنوا من فهم منطق ذلك التاريخ. ولا بد في هذا المجال من الكثير من النقاش والتناظر. كما يجب ان نجد سبيلا لابقاء فظائع وكوارث الماضي حيّة في الأذهان، للتنبيه الى أخطار الممارسات المنفلتة للسلطة، سواء من قبل محتل أجنبي أو طاغية محلي.

٭ مدير مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفرد.