مقــدرة سوريــا وضعفهــا ...

سمير قصير ... النهار

 

يدرك اي مواطن لبناني لماذا يريد رئيس الجمهورية الحالي تمديد ولايته (او تجديدها فهذا عنده سيان). عفواً، الرئيس الحالي لا يريد شيئاً لنفسه ولعائلته وبطانته، هذا ما لا ينفك يقوله. ولكن ما دام لا يقول اكثر، وتحديداً انه يرفض كلياً فكرة التمديد او التجديد التي يجاهر بها مريدوه واقرباؤه، وان فقط بالمصاهرة، فهذا يعني انه يريد التشبث بالسلطة، وهذا ربما مشروع من الناحية النفسية وان لم يكن من الناحيتين الدستورية والسياسية.

لكن للتمديد وجهاً آخر هو الوجه السوري، وهذا ما لا يستطيع المواطن فهمه بالكامل، لانه يعرف في المقابل ان للحكم السوري المتحكم بلبنان خزاناً من المرشحين الموثوقين الذين لم يتوانوا منذ استكمال نظام الهيمنة والاستتباع، مطلع التسعينات، عن تقديم كل البراهين على ولائهم له ورفع شارات الطاعة العمياء لأسياده ومندوبيهم لذا، فمن البديهي ان يتساءل المواطن اللبناني (وايضاً السوري) لماذا يزجّ الحكم الشامي نفسه في عنق الزجاجة؟

والحال انه، لو لم يكن التغيير الرئاسي في لبنان مسألة حيوية، وعدمه دعوة مفتوحة لليأس المديد، لكان يمكن التأسف لكون المقاربة السورية لهذا الموضوع تثير الشفقة، فرغم ما يريد ان يقتنع به اهل التلازم، ورغم اعلاناتهم المتكررة بأن الرئيس السوري يقرر اسم الرئيس اللبناني، وهم جميعاً مطيعون، فإن الحكم البعثي في دمشق ليس في موقع القوة الذي يتصورونه، بل قد يكون العكس صحيحاً.

طبعاً، لا يزال الحكم السوري قادراً على اختيار من يشاء رئيساً للبنان، ورغم انف معظم اللبنانيين، او على فرض بقاء الرئيس الحالي رغم موجة الاعتراض العارمة التي يثيرها هذا الاحتمال. لكنه يستطيع ذلك فقط لان الطبقة السياسية التي اوجدها في لبنان مهزومة سلفاً ومستعدة لان تبلع كل اعتراضاتها اذا قرر ذلك اسياد دمشق. وفي اي حال، فحتى هذه المقدرة لم تعد تعني قوة للحكم السوري، بل لعلها صارت تندرج في سياق ضعفه المتفاقم.

فإذا كان لبنان، بعد الدخول السوري اليه، المدخل الى تحول سوريا سبعينات القرن الماضي لاعباً اقليمياً، فإن لبنان نفسه لم يعد، ومن وجهة نظر الحكم البعثي، سوى جائزة ترضية تعوّض هذا الحكم سقوط وهم القوة الاقليمية. هذا في احسن الاحوال، اذ لم تعد فكرة دفع جائزة ترضية الى نظام همّش نفسه مأنوسة دولياً، مثلما صارت مستبعدة فكرة مكافأة سوريا على بعض الخدمات الامنية التي تؤمنها لمكتب التحقيقات الفيديرالي الاميركي باهدائها بلداً بأكمله.

ومن دلائل هذا التحوّل الذي جاء يعكس في آن واحد المتغيرات الدولية بعد 11/9 واخفاقات الحكم البعثي، ان في الداخل السوري، او في اكتساب القدرة العسكرية الاستراتيجية، او على المستوى الديبلوماسي - من هذه الدلائل ما يقال ويعمم عن تطلع سوري الى الحوار مع الاميركيين، على امل طرح موضوع الرئاسة اللبنانية خلال هذا الحوار ومن دون ضمان ان تكون واشنطن راغبة في الدخول في عملية اخذ ورد. ويزيد من دلالة هذا الكلام، المبني على تسريبات من دمشق او من بيروت او ما بينهما (عنجر)، ان بعض ابواق الحكم البعثي في لبنان هم الذين يعطون هذا التطلع، ومن حيث لا يدرون، طابع الاستجداء.

فلماذا اذن يصر الحكم السوري على توريط نفسه في مثل هذا الامر؟ ثمة جواب متداول عن هذا التساؤل، وهو متداول خصوصاً بين اهل التلازم. يقول هذا الجواب ان الحكم البعثي يشعر بأنه اذا تراجع قليلاً في مكان، فإنه سيتراجع في كل مكان وهذا قطعاً تحليل صحيح، لكنه جزئي.

ولا بد هنا من النظر الى الصورة كاملة. واذا فعلنا، فسيتبين لنا وللحكم السوري بوضوح ان تراجعه بدأ، وانه صار ملزماً التخلي عن هوايته المفضلة الكامنة في تضييع الوقت، حتى لا يضيع نفسه.

نعم، سوريا في تراجع، بل معرضة الى تراجع اكبر، وهذا تحديداً ما يحتم على الحكم البعثي السعي الى تنظيم آليات هذا التراجع. ففي المنطق القويم ان يبادر الحكم السوري من تلقائه الى تخفيف قبضته على لبنان، بل الى اجراء نوع من التسلم والتسليم مع هذا الجزء من الطبقة السياسية الذي حافظ على استقلاليته من دون ان يسترسل في العداء لسوريا، بدل ان تقتنص فرصة الانتخابات الرئاسية اللبنانية لتؤكد انها غير معنية بما يجري في الشرق الاوسط، فتزيد تهميشها وتستمر في تهشيم آمال مواطنيها (واللبنانيون معهم) في مستقبل اكثر حرية.