ضرورات التحديث... والواقع المجتمعي...

 خلف الجراد ... تشرين

يتراءى للبعض أنَّ عملية التحديث مسألة تقانية وفنية ورغبوية، وأنّ الإشكالية تكمن في عدم توافر العناصر الكفؤة، المؤمنة بهذه العملية، المستعدّة للسير بها إلى نهايتها الظافرة، والتضحية من أجل بلوغ الغايات المرجّوة منها. ‏

 

والحقيقة إنَّ عملية التحديث بمعناها الشامل والكلّي يجب أن تستند إلى مجمل عناصر المجتمع التي لابد من أن تتفاعل مع بعضها بعضاً وتتكامل بنائياً وتتساند وظيفياً؛ إذ لا وجود لعامل واحد من شأنه حسم عملية التحديث أو التغيير، ذلك لأنَّ عناصر المجتمع والدولة متفاعلة مع بعضها بعضاً، ولكل منها أداؤه الوظيفي تجاه حركة التنمية المجتمعية الشاملة بوجه عام.. ومن ثم فإن القصور أو التعطل أو الجمود الوظيفي في نسق ما ينعكس على مجمل الأداء الوظيفي لبقية الأنساق، وعلى العملية التحديثية برمّتها. ‏

وبناء على ما تقدم فإن أيّ كلام عن مشروع تحديثي يجب أن يعني الكلام عن منظومة شاملة من عمليات التحديث لعناصر وأنساق المجتمع كلها؛ حيث يتمّ تجاوز الأهداف الجزئية، أو الاستراتيجيات المنفصلة عن بعضها بعضاً.. لأن عملية التحديث يجب أن تشكّل تحقّقاً تاريخياً ملموساً لعدة أهداف متداخلة في مجالات متنوعة (اقتصادية، ثقافية، سياسية، اجتماعية، تقانية.. الخ)؛ ولا يمكن لعملية التحديث أن تحقق غاياتها التنموية المرجوة إلا في هذا السياق الكلي الشامل، الذي تترابط فيه مستويات المجتمع والدولة ترابطاً موضوعياً متبادلاً.

وفي هذا المعنى تقريباً يؤكد باحث عربيّ معروف أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تصنع نهضة إذا كان العمران السياسي والاجتماعي والثقافي متخلّفاً، والديمقراطية وحدها لا تصنع نهضة إذا لم تستند إلى تنمية اقتصادية وثورة ثقافية في المجتمع ولدى النخب. و«الثورة الثقافية» وحدها لا تصنع نهضة إذا لم تواكبها عملية تراكم هائلة في ميدان التنمية والتطور السياسي للمجتمع والدولة على السواء.. الخ. ‏

وبالجملة، يمتنع امتناع الاستحالة إنجاز النهضة في مجال أو قطاع وحيد دون آخر، بقدر ما يمتنع ­على النحو نفسه­ اختصار عملية النهضة في مستوى واحد من مستويات التقدم الاجتماعي؛ إذ النهضة بطبيعتها شاملة سائر مجالات المجتمع ومستويات بنائه، وغير قابلة ­بالتالي­ للحراك والتقدم الجوهري على أساس نظرة تجزيئية أو اختزالية. ‏

واستناداً إلى هذه المقاربة المتفق عليها لدى أغلبية علماء اجتماع التنمية والمتخصصين يمكن القول: إن عملية التحديث لا تكون ذات جدوى إلا إذا جاءت شاملة لأنساق المجتمع والدولة بآن معاً، وما لم تخضع لحالة من التوازن الدينامي في إطار استراتيجية تنموية متكاملة.. إضافة إلى أن التحديث يجب أن يجري بصورة تدريجية تلاؤمية وليس بصفة مفاجئة أو على شكل قرارات وإجراءات استثنائية، ودون تمهيد اجتماعي مناسب. فالتحديث الناجح هو القادر على تحريك العناصر البنائية المختلفة من حيث الأداء الوظيفي والاقتراب من الأهداف المرسومة، أما التحديث الناقص أو القاصر فهو الذي يركّّز على جانب أو نسق معين ويهمل بقية الأنساق؛ فينتج عنه إيقاعات تنموية مضطربة وغير متوازنة؛ سرعة في مكان يقابلها جمودٌ أو تباطؤ في مكان آخر؛ ما يجعل التطوير ممكناً هنا، والإعاقة والضعف والقصور التحديثي هناك. ‏

إنّ المتتبع بدقّة للوضع المجتمعي لدينا يلحظ مباشرة مدى التحول والصيرورة، والانتقال، والحراك والتفاعلات الظاهرة للعيان في العناصر البنائية كافة؛ الأمر الذي ينفي عنه بشكل عام صفة «الجمود والشلل والتكلّس». ‏

وهذه خاصيّة حضاريّة أطلق عليها المفكر القومي قسطنطين زريق خاصية «الحيوية والتغيّر».. فإذا ما أخذت بالحسبان في العملية التحديثية الشاملة، يمكنها أن تيسّر إجراءات تزيل هواجس كثيرة، من حيث جهوزية المجتمع لتجديد قواه الحية من جهة، وإسهامه الواسع والمؤثر في النهضة الحضارية المأمولة من جهة أخرى. ‏

وقد أشار واحد من علماء الاجتماع العرب إلى أن مجتمعنا يمثل نموذجاً فريداً من التنوع والتكامل بل هو «التنوع المتكامل»؛ الأمر الذي يمنحه حيوية كبيرة وقدرة على الاستيعاب والتفاعل والنهوض. ‏

وإذ يركز بعض الكتّاب والإعلاميين على الواقع المتأزّم للمجتمع العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقيمياً وتقانياً، ويعربون عن يأسهم المطلق من إمكانية التحديث والتطوير، ناهيك عن التنمية والنهضة الحضارية، فإنّ اتجاهاً مضاداً آخر يؤكد أن الأزمة في حدّ ذاتها علامة صحّة وحياة. ‏

فليس هناك أزمة إلا في سياق الحياة والحركة «وقد تكون الأزمة عالية الخطورة، شديدة العمق واسعة التأثير، معقدة العناصر، سلبية النتائج، إلا أنها مع ذلك تدل على أن هذا الكائن.. لايزال يملك عناصر الحياة والنشاط، وأنه يحتوي على عمليات ومحاولات للتكيف مع ظروفه والظروف المحيطة به، ومواءمة الجديد مع القديم من خلال عملية تفاعل يُطرح فيها القديم البالي ليمثّل القيم الجديدة.. فالأزمة إذاً بالمنظور الاجتماعي علامة صحة وحركة وحياة.. في نهاية المطاف». ‏

وأيّاًً كانت معوقات التحديث وعوامل تثبيت الواقع والعناصر الكابحة للتطوير، فإنّ الحراك المجتمعي الداخلي يشكّل قوة دافعة كبيرة، لابد من أن نتائجها ستظهر بأشكال فكرية واقتصادية وسياسية وثقافية مختلفة.. إضافة إلى أن مجتمعنا يتمتع بإمكانات هائلة للتطور ولتحقيق نهضة حضارية شاملة، إلا أن السؤال الجوهري يتركز في المفاضلة بين أسلوبين: الأسلوب الأول يقوم على الترميم والإصلاح وإدخال التحسينات على العناصر والأنساق القائمة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وقيمياً دون المساس بجوهرها وأسسها ومرتكزاتها؛ أي من خلال التركيز على عملية تراكم الإصلاحات الجزئية؛ والأسلوب الثاني يقوم على النسف وإعادة البناء ابتداء من الصفر، وإحداث تبدلات جذرية في حياة.. المجتمع الاقتصادية والسياسية والفكرية والقيمية؛ أي إجراء تغيير شامل لمناحي الحياة المختلفة، بصرف النظر عن جاهزية المجتمع، وقدراته، وإدراكه واستعداده لمثل هذه التغيرات. ‏

لكنْ بعيداً عن مماحكات المتخصصّين ومجادلاتهم، فإن مجتمعنا بمختلف فئاته وشرائحه ونخبه وعناصره يتفق على أن عملية التحديث ليست ترفاً نظرياً أو مسألة فكرية أو تأملاً ذهنياً، بل هي حاجة مجتمعية شديدة الحيوية والإلحاح والضرورة، هدفها تحسين نوعية الحياة بكل وجوهها ومعانيها ودلالاتها. ‏

وهذا هو جوهر التطوير والتحديث، الذي نسعى إليه عبر إصلاح الاختلالات في البنية الاقتصادية والاجتماعية والتقانية والثقافية لتحقيق أهداف التنمية الشاملة، التي ترتقي بالإنسان مادياً وثقافياً، وتحفظ كرامته وتصون حقوقه وإنسانيته. ‏

"تشرين"