تطبيع أميركا ورفع حالة الطوارئ

جيم هوغلاند *



تجادل المؤرخون في السوربون بحدة ذات يوم، حول انعطافات الثورة الفرنسية التي مثلت اللحظة الجوهرية لتلك الانتفاضة وعواقبها الهائلة. فاقتحام الباستيل، وعهد الارهاب، وانقلاب بونابرت، ولحظات أخرى كان لكل واحدة منها ابطالها.
وظهر الجواب الواضح كرأي جماعي في السنوات الأخيرة فقط: تعين أن ينظر الى الثورة كوحدة واحدة. وتعين ان ينظر اليها ككل شامل لفهم معناها وتأثيرها الحاسم على فرنسا المعاصرة. وتلك هي، في نهاية المطاف، الطريقة التي سيتوصل الأميركيون بها الى تصوير المنعطفات التي وضعهم التاريخ فيها يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001. هل نلمح ما أصبحت عليه الشخصية القومية الأميركية، في تلك الصور المروعة من سجن أبو غريب، كما يزعم دعائيو قناة «الجزيرة» التلفزيونية ؟ أو في المذكرات الحكومية السرية التي يمكن أن تصوغ تعريف التعذيب؟ أو في قرارات المحكمة العليا المبدئية والمقنعة التي رفضت سعي جون أشكروفت الى حرمان السجناء من التشاور وجلسات الاستماع أمام القضاء ؟
ربما يكون الحادي عشر من سبتمبر قد غير كل شيء الا الدستور، وهو ما بدا أن أغلبية المحكمة قالته يوم الثامن والعشرين من يونيو الماضي، في قرارها القاضي بأنه حتى ياسر عصام حمدي، المواطن الأميركي الذي اعتقل في ميدان المعركة بأفغانستان، يجب أن يحصل على حقه أمام المحكمة. وهكذا يجب أن يكون حال أولئك المشتبه فيهم بالارهاب، البالغ عددهم 600 سجين، والمحتجزين في القاعدة البحرية بخليج غوانتانامو.
ولا توفر هذه التطورات سوى أجزاء من الكل الذي ما زال من دون حل. فالشخصية القومية ـ العادات الراسخة، الاحساس المشترك بالمصير، والاتفاق الضمني على ما سمته القاضية ساندرا داي أوكونور على نحو مدهش، وهي تتحدث عن قضية حمدي، «الامتياز الذي هو المواطنة الأميركية» ـ تجري صياغتها أو تغييرها في بوتقة الطوارئ. ولكن ذلك يحل فقط عندما تدرك الطوارئ في تخفيفها الى الحد الذي يسمح بآراء حول ما سنقبله الآن باعتباره «طبيعيا».
لقد خلقت الفترة الممتدة منذ الحادي عشر من سبتمبر احساسا بالطوارئ، فقد عبأ الرئيس بوش القوات المسلحة لخوض الحرب ضد الارهاب. لكنه لم يعبئ المجتمع في حرب مماثلة تجري في البلاد. فهو لم يجند الجنود أو المصانع والموارد الاقتصادية الأخرى، كما يفعل معظم الرؤساء في زمن الحرب. وقد ترك الانطباع بأن البلاد لا تحتاج الى تكريس كل مواردها لمواجهة تهديد دمار محدد مباشر، أيا كان خطابه. وأشارت قرارات المحكمة العليا الى هذا الواقع: ان المخاطر التي تمثلها «القاعدة» والإرهاب بالنسبة للأميركيين تبدو مختلفة اليوم مقارنة بما كانت عليه عام 2001، في الوقت الذي احتجزت فيه الادارة الاف المهاجرين المسلمين، وتصدت لتأسيس أية شبكة قضائية للمعتقلين في غوانتنامو.
ان الاتجاه نحو التطبيع الفعلي بدلا من حالة الطوارئ الذهنية، بات تحت رحمة الفرق الانتحارية لـ« القاعدة». غير ان توازنا جديدا بين التزام الولايات المتحدة بالحريات الفردية واحتياجاتها الأمنية يتبلور راهنا. وقد مهدت المحكمة العليا الطريق ليس فقط عن طريق مطالبة القضاء بالنظر في القضايا الارهابية ـ ولكن من خلال منح الحكومة مهلة اجرائية في التعامل مع الارهابيين المشتبه فيهم.
ان المراجعة المناوئة داخل المؤسسات الديمقراطية التشريعية والقضائية يمكن ان تمنع اساءة استخدام السلطة التنفيذية والسيطرة عليها. وحتى في تلك الحالة فان «التقدير السليم للمخاطر ورد الفعل عليها امر سهل فقط من خلال النظرة الاسترجاعية».

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»