مدينة الحب والأحزان

محيي الدين اللاذقاني الشرق الاوسط



ايه ايها الصفصاف المستحي على ضفاف نهر «شبريه»، ماذا تفعل في هذا المكان الغريب..؟ ولماذا ما تزال تدلي أغصانك لتخفي جذعك كما تفعل النساء الخفرات لحظة المداهمة..؟
انه ليس زمنك ولا مكانك في مدينة ليس عندها الكثير من الحياء ولا تبذل جهدا كبيرا لتخفي ما يجري في ساحاتها العامة من عري وخلاعة وفجور وكله باسم الحب، فقد شبعت عاصمة بسمارك وهتلر من الاحزان والامجاد وادركت انه باطل وقبض ريح كل هذا الصراع من أجل السيطرة والنفوذ فالمستقبل في علم الغيب والماضي لبس أكفانه وتعطر ليستريح لكن هل حقا استراح؟
برلين لا تعرف الجواب وهي تنظر الان بكل ما عندها من طاقة للتسامح مع الماضي الى أكبر نصب للهولوكست يتم بناؤه فوق الملجأ الذي انتحر فيه هتلر مع ايفا براون بعد يوم من زواجهما، فالفوهرر يريد ان يدخل جهنم أو الجنة متزوجا ليضمن مستقبله في حالة لم يكن له في الحور العين نصيب.
والنصب الجديد الذي يضعون اساساته اليوم على بعد أمتار من بوابة بريندينبرغ ليس الوحيد الذي يجدد التفكير والتذكير بالمآسي الألمانية فهناك مكان آخر ليس بعيدا عن نصب ضحايا الهولوكست يسمونه قصر الدموع، وليس هو قصر ولا من يحزنون لكنه خرابة فيها غرفة ضخمة مستطيلة يعلوها الصفيح وتكسوها الالوان العشوائية كأن ضحايا الحرب الباردة من الالمان الشرقيين يقفون عندها ويبكون حين يقفزون فوق الجدار الى الجانب الغربي ويدركون انهم لن يروا الأهل مرة أخرى ولن تكتحل عيونهم بتراب وطن غادروه مرغمين.
وغير بعيد عن قصر الدموع وسط برلين متحف فريد من نوعه يسمونه متحف الجدار ويعرضون فيه صور وذكريات الناس الذين دفعوا ثمن الحرب الباردة بدمائهم ودموعهم وكيف كان الناجون وهم قلة يتحايلون على القمع بغريب الافكار، ففي المتحف صندوق الصوت الذي وضع فيه أحد الموسيقيين حبيبته ليهرب بها من أرض الهرين الاحمرين (هونيكر واولبرايت) الى الجانب الذي يحكمه الهران (شميت وبرانت).
وغير هذه الحادثة لم يكن في تخطي الجدار رومانسيات تذكر فعصابات تهريب البشر بين الجانبين هي التي تستفيد دوما من الحروب الباردة والساخنة والفاترة وتترك المجد للعسكر والدموع للابرياء الذين يريك متحف الجدار كيف كان احدهم يعصر نفسه في مكان داخل سيارة لا يتسع لأرنب ليهرب بروحه من فضاء القمع.
وما كانت برلين الشرقية مشغولة بالتهريب وحده فقد كانت فيها حركة فنية رائدة وكان فيها بريخت ومسرحه (برلين انسامبل)، الذي ما يزال شامخا لا لينعي من بناه انما ليذكر بقدرة الفنان الشجاع على تحدي القيود.
ان الألمان عندهم ما يعلمونه للعرب ـ لو كان العرب يريدون التعلم ـ فأول مآثرهم أنهم أحالوا الهزيمة الى نصر ونهضوا بسرعة من بين الانقاض والخرائب ليبنوا دولة عصرية قوية عضت على جرح الانقسام والانفصال المفروض من الخارج، ثم استغلت اول فرصة سانحة بعد هدم الجدار لتعيد توحيد نفسها وتتوقف عن البكاء على الأطلال، وها هي اليوم تعيد اكتشاف الفرح وتتصالح مع نفسها وماضيها لتغلق ملف الاحزان.
برلين اليوم هي المدينة التي تقيم في يوليو (تموز) من كل عام أكبر مهرجان للحب في العالم أطلقه برفيسور منها على سبيل التجربة قبل ثلاثة اشهر من تحطيم الجدار عام 1989 فحضر مهرجان الحب البرليني الاول 350 شخصا فقط، لكن ذلك المهرجان صار يضم الآن ثلاثة ملايين شخص سنويا يرقصون للحب من مطلع الشمس الى مطلعها التالي لينسوا كل ما يحيط بهم من الاحزان التاريخية المعتقة.
لقد بدأ البروفيسور موتيه مهرجانه تحت لافتة الحب فلما تكاثرت التعليقات عن ضرورة عدم ابتذال تلك العاطفة السامية في التشجيع على ممارسة العهر على الارصفة في مهرجان الحب اختار المنظم الحصيف لمهرجانه بعد توحيد الالمانيتين شعار (سلام ومتعة وخبز مرقوق) فلم يختلف المعنى ولا نقص الحضور، ومع الوقت تحول ذلك المهرجان الى مناسبة محافظة قياسا بمهرجان الشواذ العالمي الذي تستضيفه برلين برحابة صدر، فهي مدينة تزعم انها الاكثر تحررا بين أخواتها الالمانيات.
تاريخيا هناك ما يساعدها على هذا الزعم، ولكن في التحرر الفكري وليس الجنسي، فقد كانت برلين إحدى محطات فيلسوف عصر الانوار الكبير فولتير، الذي استضافه صديقه الامبراطور فريدريك الكبير في بوتسدام ومهد الاثنان لحركة فكرية متحررة من وجهة نظريهما ومسيئة من وجهة نظر بقية المدن الالمانية المتزمتة التي صارت تطلق صفة (برليني) على كل شخص متحرر في المانيا.
وبعد فولتير وفريدريك بقرنين ونصف القرن من الزمان سيأتي الرئيس الاميركي جون كيندي ليصرخ في اجتماع حاشد أمام دار البلدية في الجانب الغربي: أنا برليني فتأخذ الصفة هذه المرة معنى مختلفا وتصبح اعلان موقف ضد الاستبداد الشرقي.