تشريعات السلطة الغاشمة....

السيد يسين

 

ليس هناك شك في أن رد الفعل الأمريكي علي الهجوم الإرهابي في سبتمبر 2001 والذي وجه إلى رموز القوة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية والذي تمثل في سياسة الحرب ضد الإرهاب، يحتاج إلي دراسة نقدية مطولة.وهذه الدراسة النقدية لا ينبغي أن تقف عند حدود الآثار الدولية السلبية التي أحدثتها هذه الحرب علي الأمن العالمى، بل إنها ينبغي أن تتسع لتشمل تأثيراتها السلبية علي ممارسة الحريات داخل المجتمع الأمريكي نفسه وفي مجتمعات عديدة أخرى في نفس الوقت.
وإذا كان النظام السياسي الأمريكي من المتفق عليه أنه نظام ديموقراطى، إلا أنه – مثله مثل عديد من الأنظمة السياسية الأخرى – ينبغي تحليله من زاوية الفجوة بين النظرية والتطبيق. فهو نظام يعطي للمواطن الأمريكي – نظرياً – مجالاً واسعاً لممارسة الحرية، حرية التنظيم وحرية التفكير وحرية التعبير. غير أنه في الواقع هناك قيود جسيمة تقيد ممارسة هذه الحريات جميعاً. ويكفي أن نشير إلي انتخابات الرئاسة الأمريكية التي لا يستطيع أي مواطن أمريكي أن يطمح إلي الدخول في غمارها، لأن المرشح للرئاسة لابد له أن يحظى بالدعم المالي الضخم للشركات الكبرى ولرجال الأعمال. وقد رأينا الرئيس بوش في سعيه للترشيح لفترة رئاسة أخرى، يطوف الولايات لجمع الأموال والتبرعات والتي تصل في العادة إلى ملايين الدولارات.أما ممارسة حرية التفكير وحرية التعبير فترد عليها قيود خفية تمنع المواطنين من التعبير الحر عن أفكارهم، وقد تسد أمامهم طرق النشر المختلفة.

وربما عبرت عن هذه القيود بشكل مجسم الحقبة المكارثية التي سيطر عليها السناتور مكارثي في عهد اشتداد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. وإذا كانت الحقبة المكارثية يؤرخ لها في التاريخ الأمريكي بأنها كانت الاستثناء وليست القاعدة، بمعنى أن عوامل متعددة أدت إلى بروزها، إلا أن هناك تحليلاً آخر يرى أن النظام الأمريكي ينهض في الواقع على أساس القهر المستتر، الذي يقيد من الحريات الضخمة التي يعطيها الدستور الأمريكي للمواطنين.وقد أتاحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر للفاشية العدوانية، ان تعتدي على الحريات السياسية الأساسية للمواطنين الأمريكيين.وقد تمثل هذا الاتجاه أساساً في عدد من القوانين التي أصدرها الكونجرس الأمريكي عقب أحداث سبتمبر 2001، و أهمها القانون الذي صدر في 26 أكتوبر 2001 والذي يعرف اختصاراً بقانون "حب الوطن".

وقد قامت الدكتورة منار الشوربجي بنشر دراسة شاملة عن القانون من جوانبه التشريعية والتنفيذية، ومن زاوية الضمانات التي كفلها الدستور الأمريكي والتي حكمت عمل النظام السياسي الأمريكي منذ ولادة الدولة بعنوان: الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر.

وتقرر الدكتورة منار في دراستها الممتازة أنه يمكن تحليل أهم ما جاء في القانون من خلال محورين: التوسع في صلاحيات الأجهزة التنفيذية عموماً، وأجهزة الأمن على وجه الخصوص.

وقد حددت الدراسة المثالب الرئيسية لهذا القانون في عدة نقاط أهمها اللغة الفضفاضة. ذلك أنه على الرغم من استهداف الأجانب بالأساس الذين ينتهكون القوانين الأمريكية، خصوصاً قوانين الهجرة والجنسية، إلا أن لغته الفضفاضة قد تسمح في الواقع بتطبيقه على عديد من الأشخاص، بما في ذلك المقيمين إقامة دائمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بل والمواطنين الأمريكيين أيضاً.

وقد استحدث القانون جريمة جديدة أطلق عليها اسم "الإرهاب المحلي" والتي تسمح بإدراج منظمات أمريكية ضمن قوائم الإرهاب، ويكون انضمام الأجانب لها جريمة تستدعي الاعتقال أو الترحيل.

ويعرف القانون "الإرهاب المحلي" على نحو فضفاض يسمح بإدراج عدد من أنشطة الاحتجاج السلمي. فمثلاً يدرج القانون ضمن أنشطة الإرهاب المحلي كل "ما يتضمن أعمالاً تمثل خطراً على حياة البشر". ومن السهل بطبيعة الحال إدراج أي فعل لا ترضى عنه أجهزة الأمن تحت هذه الفئة من الأفعال. ومن السمات الأساسية لهذا القانون المقيد للحريات التوسع في صلاحيات الأجهزة التنفيذية. وتدلل الدكتورة منار الشوربجي على ذلك بأن القانون نص على ضرورة أن يصدر قرار الاتهام بالنسبة للأجنبي المعتقل في غضون سبعة أيام من تاريخ الاعتقال، وإلا وجب إطلاق سراحه. إلا أنه في موضع آخر سمح باعتقال مثل هذا المتهم لمدة لا نهائية، إذا ما شهد وزير العدل بأن هناك أسساً موضوعية للاعتقاد بأن المتهم يمثل خطراً علي الأمن القومى.كما يعطي القانون لوزير الخارجية صلاحية واسعة ليس فقط في ترحيل الأجانب، وإنما في منعهم أصلاً من دخول البلاد.ويمكن القول أن القرارات التنفيذية للقانون هي التي تكشف عن جوهره المعادي للحريات، وأهم هذه القرارات تأجيل تنفيذ أحكام القضاء والتوقف عن نشر بيانات عن المعتقلين.

وقد اتجهت الإدارة الأمريكية – بالإضافة إلى إصدار هذا القانون – إلى الالتفاف حول الرقابة التشريعية. فعلى سبيل المثال لم يتم إخطار الكونجرس بقرار إنشاء المحاكم العسكرية، أو بأي من القرارات التي أصدرتها وزارة العدل.وقد أدى الاتجاه الفاشي الصريح للإدارة الأمريكية بعد 11 سبتمبر إلى تسميم المناخ الثقافي الأمريكي، وإشاعة أجواء من إرهاب نقاد السياسة الأمريكية حتى من بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات الأمريكية. ووصلت المسألة إلى سحب الدعم المالي من مراكز أبحاث الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية، بزعم أنها تضم هيئات البحوث فيها أساتذة أمريكيين يتسمون بالتعاطف مع الشعوب العربية بحكم دراستهم لتاريخها وإنجازاتها الثقافية.

وقد تعرض عدد من الأساتذة الأمريكيين ممن ينتقدون السياسة الأمريكية لعقوبات مختلفة بدءاً بالإدانة ومروراً بالإيقاف عن العمل أو الحرمان من المرتب ووصولاً إلى الفصل النهائي من الجامعة، بينما تلقى آخرون سيلاً من الرسائل الغاضبة التي احتوت على تهديدات بالقتل وذلك بسبب آراء عبروا عنها.

ومما له دلالة حقيقية على رفض السياسات المقيدة للحريات التي اتبعتها الإدارة الأمريكية من خلال التشريعات التي صدرت عقب أحداث 11 سبتمبر، أن عديداً من مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية وفئة من أبرز المثقفين الأمريكيين المستقلين، عارضت هذه التشريعات بقوة، ووجهت لها سهام النقد العنيفة، بالرغم من الجو الإرهابي الذي نشرته الإدارة الأمريكية في المناخ الثقافي الأمريكى، باسم الوطنية التي أصبح كل معارض لها يتهم بأنه غير وطني! وذلك في تقليد فج لممارسات الدول الاستبدادية في العالم الثالث، والتي كانت محل استنكار المثقفين الوطنيين في هذه البلاد.

ولعل الصيحة التي أطلقها الناشط الأمريكي في مجال الحريات ستيفن آدن من "معهد رزفولد" وهو من المعاهد البارزة في حماية الحقوق المدنية، ما يعبر عن الضمير الأمريكي حين قرر في نهاية دراسة له نشرها معترضاً على تشريعات الإدارة الأمريكية "مازال هناك أمل في أن ترفع الجماهير الأمريكية صوتها عالياً لإبراز معارضتها لعدوان وزارة العدل على الحريات المدنية".

هل هذه صيحة في البرية، أم أنها إشارة إلي أن المعارضة الجماهيرية لسياسة الرئيس بوش وإدارته ستتراكم في الآجل القصير، لتتحول – كما حدث في حرب فيتنام – إلى حركة احتجاجية تقتلع هذه الإدارة الغاشمة، وتستأصل في نفس الوقت فكرها الفاشي الذي بات يهدد الإنسانية جمعاء؟