رداً على رد: الاحتلال الديموقراطي أم الاستبداد الاحتلالي....

عبد الرزاق عيد ... النهار

 

نشرت "النهار" مقالاً للكاتب العراقي ثائر الدوري رداً على مقال لنا تحت عنوان "هل سقوط نظام البعث في العراق خسارة؟"، المنشور في "النهار" (18-19/5/2004)، وقد أثار هذا الرد لدينا عدداً من الاستجابات:

- عودة الكاتب الى أواخر الثمانينات من القرن الماضي ورصده لما سماه "الجو التفاؤلي" الذي أشاعه المثقفون العرب تجاه "البيريسترويكا" السوفياتية، واشارته الى ما كنا نكتبه - حينها - في مجلتي "الجبهة الديموقراطية" (الحرية) و"الجبهة الشعبية" (الهدف) بانتظام، واعتبار هذه الكتابة تضعني ضمن "كتاب الجو التفاؤلي" بـ"البيريسترويكا" السوفياتية ليتبين له أن ما كتبناه من تحاليل ظهر أنه غير صحيح، وبرهانه على ذلك ما انتهى اليه الاتحاد السوفياتي من مآلات، حيث "لم تحصد الجماهير من وعود الحرية سوى الهباء".

- نعم لقد كنا من المتفائلين بـ"البيريسترويكا" ولن يغير من هذا التفاؤل ما انتهت الى ما انتهت اليه هذه التجربة، وذلك لأنا قد تعلمنا درساً عميق الدلالة عربياً وعالمياً من تجربة الانهيار: وهذا الدرس هو استحالة بناء العدالة والمساواة (الاشتراكية) أي الديموقراطية الاجتماعية بدون الديموقراطية السياسية، أي دون أن يكون الشعب ذاته من خلال تمثيله ومشاركته في الحياة السياسية رقيباً على التجربة وليس المخابرات بصفتها ممثلة الشرعية الثورية بيد الحزب لاحتكار شرعية العنف ومن ثم السياسة (...)

نعم لقد عولنا - وقتذاك - على رهانات معنى "البيريسترويكا" السوفياتية وممكنات استعادتها لتاريخ العلاقة السياقية الموضوعي تعاقبياً بين الاشتراكية والديموقراطية استناداً الى منظار تاريخاني يرى الاشتراكية نتاجاً وتجاوزاً لتاريخها الديموقراطي، وليست تعارضاً معه، اي ليست منظومة مضادة للديموقراطية كما مارستها الستالينية بل تحقيقاً وتمثيلاً رفيعاً وتجاوزاً لها، لكن خاب فألنا وفأل "البيريسترويكا" امام عمق العطالة التدميرية التي أحدثتها الستالينية في كيان المجتمع السوفياتي، حيث ما كان لها الا أن تنتج نقيضها في صورة "اليالتسينية"، بصفتها وجهها الآخر المنحط. إنها قفاها، تماماً كما نظام البعث (الصدامي) العاطل بنيوياً عن الاصلاح وغير القابل لعطالته الداخلية لغير الاجتياح. هذان الدرسان لا يزال البعث السوري يمارس الممانعة عن استكناه مغزاهما وهو يواجه استحقاقات الاصلاح.

- لا أريد ان أناقش ما أسعفت "ذاكرة" الأخ الناقد - على حد تعبيره - أن ينقل مما قلنا عبر الذاكرة، بغض النظر عن صحة النقل، لكن الاساسي في ما استنبطنا من دروس وعبر حينها، هو بالضبط الدرس الذي كان على العراق أن يستنبطه من حربه الاولى مع الاميركيين، اذ قد عبّرنا حينها مستلهمين مغزى الدرس السوفياتي (البيريسترويكا) وقد صدر ذلك في كتاب لنا تحت عنوان "نحن والبيريسترويكا"، وقد قلنا فيه غير ما استحضرته ذاكرة ناقدنا، قلنا: "ليست الديموقراطية اليوم مدخلاً للدفاع عن حرية التعبير وانقاذ كرامة انساننا من المهانة والعبودية الروحية التي اخترقت عظامه فقط، وليست مدخلاً للدفاع عن لقمة الشعب التي غدت مهددة فعلاً، بل غدت "مدخلاً رئيسياً للنضال الوطني التحرري ضد الاستعمار"، أي "استحالة الوطنية بدون الديموقراطية" (...)

- فموقفنا اذن من مسألة أن لا صمود وطنياً في ظل الاستبداد، وان لا وطنية ولا فعل وطنياً ولا مقاومة بدون مواطنة وتمثيل ومشاركة الناس عبر اشاعة الحريات الديموقراطية ليس وليد "الاحتلال الاميركي الديموقراطي" كما يعنون السيد ناقدنا (...)

- نحن نقول ونكرر: إن الاستبداد هو الرافعة الموضوعية للاحتلال، فالاستبداد هو الذي يحول الشعب رعية مطواعة، مذلة، مهانة، وعندما تكون عاجزة عن الدفاع عن كرامتها وسيادتها في مواجهة حكامها المستبدين في الداخل، فلن تكون أكثر أهلية واستعداداً وشجاعة وكرامة في مواجهة عدو الخارج، ولذا فالاستبداد هو مزرعة الاستعباد، والاستعباد هو مقدمة الاستعمار (...)

- دعوتنا الى الديموقراطية اذن ليست على "الموضة الاميركية" كما يقول الاصوليون الرجعيون (قوميون أم ماركسيون أم اسلاميون)، وليست بعد خطاب القسم، كما يقول الوشاة والسماسرة والمخبرون لتحريض الرئيس الشاب على مثقفي بلده وكتابه ومفكريه ليساقوا الى الاعتقال كالناشطين الفضلاء العشرة، او الى المحاكم العسكرية كما جرى معنا بالامس، تحت ادعاء زائف مفاده ان انفتاحه على المجتمع ورغبته بالحوار والاعتراف بالآخر شجعنا - أي المثقفين والمعارضة الديموقراطية ضحايا ربيع دمشق الموؤود - على التطاول والانتقاص من مهابة الدولة.

ففتحنا لملف الديموقراطية وعلاقتها بالوطنية اذن يعود - بحسب متابعات ناقدنا - الى زمن الثمانينات، زمن مناخات الحوارات التي أشاعتها "البيريسترويكا" ومن ثم ابتعادنا عن الاصولية الماركسية (المسفيتة)، أي أن كل ذلك كان قبل التبشير الاميركي بها وقبل خطاب قسم الرئيس السوري الشاب (...)

هل من التبسيطية - التي يتهمنا بها الكاتب العراقي الطبيب الشاب - أننا "نتناول التجربة العراقية من خلال معيار واحد هو الاستبداد"؟ هل من العمق، اي عدم السطحية، أن نتحدث عن الاستبداد بصفته عاملاً بسيطاً، مثله مثل خطة عسكرية فاشلة مثلاً! او مثل عامل التفوق العسكري للخصم الاميركي كما يحلو للمدافعين عن نظام البعث في العراق؟

إن الاستبداد - يا أخي ثائر - ليس عاملاً بسيطاً واحداً يدخل في علاقة تكافؤ مع مجموع عوامل مناظرة له ضمن البنية في الوزن والفاعلية، بل هو قطب من قطبي شكل الوجود الاجتماعي للبشر، وذلك لانه لا يستدعى مقابله المضاد له الا عبر عامل آخر واحد هو "الحرية"، ليشكل جدل "علاقة الاستبداد بالحرية" توتر انبثاق رهانات المعنى واستراتيجيات انبجاس انزياحاته وتحولاته وتلوناته التي تمنح الوجود الانساني مغزاه وفاعليته، وعلى هذا فإن هزائمنا المتوالية منذ ألف سنة حتى اليوم ليست الا هزائم استبدادنا امام تفتح حرية الآخر المتواصلة حتى اليوم.

منذ اكثر من مئة سنة يخبرنا الكواكبي انه بعد بحث طويل عن عوامل انحطاطنا وعلل هزائمنا، فإنه لم يجد سبباً الا عاملاً وحيداً وهو "الاستبداد" فأطلق بيانه الشهير المناهض لطبائع الاستبداد والداعي الى مصارعة الاستعباد، والذي لا يزال الى اليوم هو الكتاب الاكثر راهنية وتوهجاً وألقاً من كل ما كتبنا ونكتب نحن الاحفاد (...)

وكأن الكواكبي كان يتنبأ لمصير الأمة التي أنهك شرفها وكرامتها الاستبداد، فهيأها للاستعباد، فكان الاستعباد الداخلي مدخلاً للاستعباد الخارجي، حيث يراه "السير الطبيعي" الذي مداره إتاوات التاريخ كما كنا قد أشرنا الى رأي غرامشي او الحكمة الالهية التي اقتضت وقدرت بحسب الكواكبي منذ اكثر من قرن بأن الاستبداد مآله الاستعمار، لكن مع الاسف فإن البعثيين ما عادوا يقرأون فلاسفتهم القوميين، يقول الكواكبي: "فاذا لم تحسن أمة سياسة نفسها، أذلها الله لأمة اخرى، تحكمها كما تفعل الشرائع باقامة القيّم على القاصر او السفيه... وهذه حكمة... وهكذا لا يظلم الله الناس، بل أنفسهم يظلمون" وعلى هذا فتفسير الهزائم السياسية والتنموية والعسكرية بعلة الاستبداد، ليس تبسيطاً مني ولا من الكواكبي، بل ها هي هزائمنا تترى، وهي ضرورية للأمم الحية كما يقول منتقدنا، لكن شريطة أن تتعلم منها الدروس وتستخلص العبر، وعلى هذا فإن النظر الثاقب في فشل التجارب الثلاث التي يسوقها الكاتب، تجربة البعث، تجربة عبد الناصر، تجربة محمد علي، يجعلنا نستنبط بأن المشترك الاعظم بين هذه التجارب هو سيادة الاستبداد (...)

- أما الحديث عن امتحان الديموقراطية الاميركية في سجن "أبو غريب" ومدى صدقيتها، فإنه يحق لجميع شعوب الارض وأممها ودولها أن تنتقد الممارسات الاميركية غير الانسانية وتشجبها وتدينها، الا نحن العرب، علينا أن "نخرس خالص" على حد تعبير اشقائنا المصريين، لأن النظام "الرعبي او العربي" أشاع رعباً عربياً ميتافيزيقياً استقر "في النطف التي لم تخلق" على حد تعبير المتنبي. أما المعارضة العربية الضاربة والمتصدرة اليوم لوحة الصراع و"المقاومة" ضد "الانظمة العربية والاستعمار" فقد قدمت نموذجاً سينمائياً هو الاول في تاريخ الفيلم الوثائقي من حيث "استخدام تقنيات الكفار في تصوير تقنياتنا في الذبح" الى درجة من الفظاعة تعجز عنها مخيلة بازوليني حتى في فيلمه "سادوم وعمورة" بل وكل مخيلات سينما هوليوود التي على الارجح لن يسمح لها أن تنافس مخرجنا "المجاهد الزرقاوي" وهو يمارس الذبح الحلال على الطريقة الاسلامية لكن عبر وسيط عين "الكاميرا الكافرة" مما يجعل العالم مذهولاً عن جرائم "أبو غريب" التي ستبدو له مجرد فولكلور!

- من الغريب على طبيب شاب يهتم بالكتابة والثقافة أن يفجع لحديثنا عن سر هزيمتنا الساحقة امام اسرائيل، وارجاعنا سر تفوق العدو في كونه يكمن في سر تلك العلاقة العضوية بين التحديث والحداثة، ليرد علينا بأن "اسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تنهض على اساس خرافي" وانها "مثال لاندماج الخرافة والتفكير الغيبي مع أحدث منجزات التكنولوجيا".

لعل من اكثر الخرافات العربية شناعة عن اسرائيل هي تلك الخرافة السائدة عن ان اسرائيل تؤسس شرعيتها على الخرافة الدينية التوراتية، بأن ارض فلسطين هي وعد إلهي لبني اسرائيل، دون أن يعرف العرب أننا - وحدنا - نحن المسلمين من يؤمن بخرافات اليهود التي وردت في اسفارهم وهي تملأ هوامش كتب تفاسير القرآن، ورغم حديث فقهائنا الدائم عن الاسرائيليات المتسللة الى هذه التفاسير، لكننا حتى الآن لم نجد منهم من يتجرأ على القيام بخطوة فعلية اجرائية على هذا المستوى، ليشير لنا الى مكامن هذه الاسرائيليات التي نتناقلها عبر القرون ومواضعها في بطون كتب التراث، وخاصة كتب التفاسير.

وفي حين انه من بين اليهود في اسرائيل الذين يقولون بأرض الميعاد الالهية، 85 في المئة لا يؤمنون بالله الذي وعدهم بمنح هذه الارض، وهذا الرقم عن نسبة الملحدين اليهود في المجتمع الاسرائيلي يسوقه روجيه غارودي ليدلل على أن اسطورة اليهود هذه هي اسطورة صهيونية "قومية" وليست اسطورة دينية خرافية كما تحضر في أذهاننا نحن المسلمين ونعتنقها ايماناً واحتساباً (...)

العهد القديم لا يعني لغالبية اليهود العلمانية منها والملحدة سوى متحف ميثولوجي ملحمي يقرأه للتذوق والمتعة الفنية كما تقرأ الملاحم اليونانية، بينما هذه الخرافات التوراتية التي يعاد انتاجها اسطورياً في الوعي الجمالي الحداثي الاسرائيلي، تتحول الى حقائق يدخلها العقل الفقهي الاسلامي في حيز معتقداته بل وعباداته. اذ ان الابطال الملحميين اليهود الصانعين للحدث التوراتي يكتسبون عندنا صفة التقديس النبوي الذي يمكن أن يكفرنا فقهاؤنا اذا خفضنا من منزلتهم النبوية (...)

هذا موضوع طويل نحن بأشد الحاجة الى الدراسات الانثربولوجية في علم الاديان المقارن للولوج الى محيطه، لنعرف إن كانت اسرائيل تنهض على اساس خرافي أم نحن العرب والمسلمين اصبح وجودنا ذاته خرافة!

ولن نتحدث في هذا السياق عن حداثة بنية النظام السياسي الاسرائيلي الذي يمكّن وظيفياً واجرائياً من استدعاء القادة التاريخيين من الصقور والحمائم للمثول امام القضاء (وايزمان، نتنياهو، بل شارون) لمساءلتهم عن اتهامات بالرشى التي تبدو - مع ذلك - تافهة (مئات آلاف الدولارات) بالمقارنة مع مصروف جيب إبن أي حاكم بل ومسؤول عربي من الدرجة الخامسة!!

وربما هذا التعبير الرمزي على الحداثة السياسية الاسرائيلية في مواجهة النموذج القروسطي العربي، يفسر لنا سر تضاعف الدخل القومي للفرد الاسرائيلي 26 مرة خلال نصف قرن برغم تضاعف عدد سكان اسرائيل سبع مرات، والذي يقابله في الغالب عربياً، تضاعف "النهب" القومي للفرد العربي 26 مرة خلال الفترة ذاتها والله أعلم!؟

لنسمع هذه الارقام عن دولة "الخرافة" هذه، فهي - بحسب احصاءات نادر فرجاني - تتفوق على العرب عشر مرات في عدد العلماء، وأكثر بثلاثين مرة في الإنفاق على البحث والتطوير، وأكثر من خمسين مرة في وصلات الانترنت، واكثر من سبعين مرة في النشر العلمي، وقرابة ألف مرة في الاختراع... هذه الارقام لا تشير بالتأكيد الى تفوق ساحق علينا نحن العرب أجمعين على مستوى تحديث البنى التقنية فحسب، بل وعبر التفاعل العضوي لهذا التحديث بحداثة البنى العقلية والذهنية طبعاً.

(حلب)

كاتب سوري