لماذا يصمم بعض السلطة السورية ... على وقف الحراك المدني والسياسي المحدود....

 أكرم البني ....النهار

 

بداية تتألم لما شهدته ساحة عرنوس في دمشق يوم 21/6/،2004 من انتشار كثيف لعناصر مكافحة الشغب والشرطة والأمن كأنهم في ساحة حرب واستخدامهم اساليب متنوعة كالتعنيف والضرب والاعتقال الموقت لمنع اعتصام سلمي لحمل الشموع دعت اليه أكثر من عشرة تنظيمات سياسية وحقوقية لإحياء يوم المعتقل السياسي في سوريا والتذكير بضرورة إطلاق سراح من تبقى من سجناء سياسيين.

وتأسف مرتين لقرار السلطات السورية تبليغ الاحزاب الكردية بأن نشاطاتها محظورة وتحت طائلة المساءلة والعقاب.

مرة اولى، لأن جراح القامشلي لا تزال طرية ولم تبرد بعد، ليبدو الامر كما لو أنه استهتار باسباب ما حصل او تسويغ للعقلية الامنية في معالجة هذه الازمة وتداعياتها، وربما الغرض منه تقديم "مكافأة مجزية" أشبه بالعقوبة للاحزاب الكردية على روح المسؤولية التي أبدتها في معمعان الحدث وتصديها لظواهر الغلو والتطرف، او على دورها المتميز في تهدئة النفوس والخواطر وسعيها الحثيث لرأب الصدع الذي أصاب العلاقات الكردية - العربية جراء إطلاق الرصاص على المواطنين العزل وما تلاه من اعتقالات واسعة زجت بالمئات من الشبان الاكراد في السجون وتحت رحمة محاكمات ظالمة!! ما يعني ان هذا القرار يسخر من كل ما هو منطقي وطبيعي في النظر الى ازمات مجتمعنا ومعالجة اسبابها، كأنه يتجاهل المناخ المشجع لظواهر التعصب والعنف الذي يوفره حرمان التنظيمات الكردية المعتدلة من حقها في الوجود والنشاط، ويتقصد صب الماء في طاحونة قوى التطرف القومي الكردي والعربي على حد سواء وتغذية دورها في الحياة السياسية.

ومرة ثانية لأن الحظر تم والاجواء الراهنة تنذر بمخاطر جدية على البلاد مع ارتفاع حرارة الضغوط الاميركية، المبطنة حيناً والسافرة احياناً، والتي تستدعي اول ما تستدعي المسارعة الى بعث الاصلاح الديموقراطي من رقاده وفتح باب الأمل على مرحلة جديدة من تطور الحياة السياسية، أبرز عناوينها، احترام الرأي الآخر والإقرار بصحة التباين والاختلاف وشرعيتهما، وما يعنيه ذلك من اعتراف بحق كل التيارات السياسية على اختلاف مشاربها الفكرية ومنابتها القومية في الوجود والمشاركة في رسم حاضر هذا الوطن ومستقبله.

منطقياً، توقع الكثيرون ان تشكل احداث القامشلي وما كشفته من مشاكل وامراض نقطة تحول تشجع السلطات السورية على تنشيط مسار الاصلاح السياسي والاهتمام جدياً بحاجات الناس وحقوقهم، لكنها خلافاً للمنطق بدت وكأنها منعطف لإحياء الاساليب الامنية في ادارة المجتمع وضبط أنشطته، فتلاحقت ظواهر وممارسات على مدى الشهرين المنصرمين تؤكد حضور القبضة الامنية وتنذر بعودة سياسة العصا الغليظة ضد مجتمع مسالم لم يطالب سوى ببعض حقوقه...

فكان اعتقال الناشط الحقوقي أكثم نعيسة رئيس "لجان الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان" دون سبب مباشر وإحالته الى محكمة أمن الدولة العليا محفوفاً بثلاث تهم ما أنزل الله بها من سلطان...

وتم الاحتفاظ باثنين من الطلاب العشرة الذين اعتقلوا في احدى استراحات جامعة دمشق ليحالوا الى المحكمة بتهمة "التفكير" في إنشاء تنظيم موازٍ للاتحاد الوطني لطلبة سوريا، طالما كانوا يتداولون بعيداً عن رعاية السلطة في مصير من فصل منهم تعسفياً بسبب مشاركته في اعتصام جامعة حلب السلمي احتجاجاً على القرار الرقم 6 الذي أعفى الدولة من توظيف المهندسين المتخرجين!! هذا الى جانب صدور حكم بالسجن لعامين ونصف بحق عبد الرحمن الشاغوري لتداوله مقالات سبق أن صورها عن أحد مواقع الانترنت المحظورة في سوريا، وقبله إحالة الكاتب عبد الرزاق عيد والمترجم بكر صدقي الى محكمة عسكرية في حلب بسبب شهادتيهما في مصلحة قضية الاظناء الاربعة عشر الشهيرة وعطفاً على مقالات نقدية سبق ان كتباها في صحف عربية، دون أن يقلل من طابع هذا التصرف الانتقامي وخروجه عن المألوف تبرئتهما بعد جلسة واحدة فقط من بدء محاكمتهما.

ويمكن ان نضيف اعتقال الناشط السياسي جمعة قوبان وهو معتقل سابق أمضى في السجن خمسة عشر عاماً، وبدء محاكمته بتهمة "حيازة منشورات تحض على النزاع بين عناصر الأمة"، والغريب في الامر أن قاضي الفرد العسكري في المنطقة الوسطى قرر بتاريخ 10/6/2004 الاكتفاء بالفترة التي قضاها جمعة قوبان قيد التوقيف ومدتها شهر تقريباً وأعلن إخلاء سبيله فوراً، الا أن بعض الاجهزة رفضت تنفيذ هذا الحكم وسارعت الى اعتقاله مرة اخرى وإيداعه السجن، ليصار بعدئذ الى اطلاق سراحه مجدداً!!

كل ما سبق يجري في أجواء تتصاعد خلالها اشكال المضايقات والمتابعات الامنية ضد كثير من النشطاء السياسيين والحقوقيين، فعدد كبير منهم لا يزال يجاهد دون جدوى ليسترد حقوقه كمواطن ويرفع قرارات الحجر والتجريد من الحقوق المدنية التي اتخذتها بحقهم محكمة أمن الدولة العليا. وآخرون يكابدون الامرّين وهم يلتمسون العودة الى أعمالهم بعد طرد تعسفي وسجن طويل، وعدد آخر يحاول يائساً إزالة قرار منعه من مغادرة البلاد والسماح له بالسفر أنّى يشاء. الى جانب تعزيز الرقابة على دور بعض المحامين من "هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي" وتشديد المضايقات على أية نشاطات مدنية وسياسية، لترى "جهاراً نهاراً" عناصر أمنية تراقب باستفزاز ظاهر اجتماعات بعض المنظمات المدنية كـ"جمعية حقوق الانسان" و"لجان إحياء المجتمع المدني"، هذا ناهيكم عن الاعتقالات الواسعة التي طاولت المئات من الشبان الكرد والذين أحيلوا بالتتابع بعدما نالوا قسطهم من التعذيب، الى محاكم متنوعة، عسكرية ومدنية.

ولا ننسى حال مئات المعتقلين السياسيين القدامى وغالبيتهم أمضت في السجون اكثر من عشرة اعوام، وهم يترقبون بألم ومعاناة مريرة ساعة الفرج وحلول مسحة الرحمن على المعنيين كي يكتفوا بما اقتطعوه من أعمارهم لقاء مواقفهم المعارضة او آرائهم التي لم تتفق مع سياسات النظام، يتصدرهم عماد شيحا الذي صار يوم اعتقاله يوماً للسجين السياسي في سوريا والذي دخل في الحادي والعشرين من شهر حزيران الماضي عامه الثلاثين متنقلاً بين السجون السورية.

بعد الذي جرى في مدينة القامشلي، وبينما العيون ترنو نحو حل شامل لكل المعضلات السابقة، يظهر، ويا للاسف، ان ثمة من يعاند التغيير ويبدي اصراراً لافتاً على بقاء الاوضاع كما هي، مستمرئاً الاساليب القديمة وآليات الضبط الأمـنـي والقـمـع في تقرير شؤون البشر وحقوقهم.

ما يحصل اليوم لا يحتمل تفسيراً واحداً، فثمة من يرى أنه نابع من تصميم بعض السلطة على وقف الحراك المدني والسياسي المحدود، وتالياً إجهاض الاصوات الناقدة والمطالبة بالانفتاح والاصلاح السياسي، والتي بدأت تحتل عبر الاعتصامات المتكررة موقعاً بات لا يرضي اصحاب الامر والنهي. وثمة من يجد في هذه الممارسات افضل تجلٍ لحال من التخبط والارتباك في سلوك الاجهزة، او لعلها محاولة كي تظهر السلطات للرأي العام أن موقعها السياسي وهيبتها لم يصابا بأي أذى بعد الجديد الحاصل في المنطقة وأنها لا تأبه للضغوط الخارجية فكيف للمطالب الداخلية.

الواقع ان الطريقة التي عالجت فيها الحكومة احداث القامشلي والموقف من نشاط الاحزاب الكردية ومن يوم المعتقل السياسي الى جانب الكثير من الاشارات التي تنذر بتقدم الحضور الأمني في الحياة العامة تدل على أن هناك خياراً امنياً تنجز حلقاته ويتقدم ببطء في مواجهة خيار التغيير والاصلاح. ولعل العودة للتلويح باستخدام القبضة الحديدية في عصر الانفتاح والانفراجات ما هو الا دلالة على عمق المصالح الخاصة وقوتها التي تدفع السلطات للسير عكس المنطق والاتجاه الطبيعي لما هو مطلوب في معالجة أزماتنا وأمراضنا المزمنة.

لقد تنازلت معظم الانظمة الاحادية عن بعض مصالحها وامتيازاتها واستجابت لاستحقاقات الانفتاح الديموقراطي وسارعت لتأهيل نفسها لعلاقة جديدة مع المجتمع، خصوصاً لجهة طي ملف الاعتقال السياسي وتربية النفس على قبول مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر، كما بادرت الى إجراء تعديلات خففت الى حد كبير من القوانين الاحادية الناظمة لحرية العمل الصحافي وحق تكوين الاحزاب السياسية، لكن الامور لا تزال على حالها في بلادنا، فالى متى تستمر الممانعة والمماطلة؟ واين مصلحة الوطن في الاستمرار برفض الآخر ومنع نشوء قوى اجتماعية وسياسية خارج حقل سيطرة السلطة؟ ألا يستمد الوطن عافيته وعزمه من حرية شعبه ومن وحدة وطنية حقيقية تقوم على احترام تنوعه الاتني والسياسي، أم ثمة من لا يزال يعتقد رغم عمق مأساة التجربة العراقية ودروسها المريرة أن قوة الوطن من قوة السلطة ومن قدرتها على قهر المعارضة وتسييد الرأي الواحد؟!

يذهب بعض اصحاب العقلية التآمرية الى التذكير بفيلم "بنت الحارس" لفيروز وكيف تمكنت مشاغباتها من خلخلة الوضع الأمني لتنجح في اعادة الاعتبار لأبيها "الحارس الليلي" بعد ان استغنت الضيعة الآمنة عن خدماته، فيشكك بأحداث القامشلي ويذهب الى اعتبارها عملية مدبرة من بعض اطراف الحكم لفرض المناخات القديمة واعادة الاعتبار لدور الاجهزة الامنية في تقرير حركة المجتمع وضبط نشاطاته السياسية والمدنية، ولا يتوانى عن الاندفاع لاعتبار ما جرى في حي المزة بدمشق خطوة اخرى على هذه الطريق، لكن رغم سطحية مثل هذا التحليل وسذاجته وأنه لا يأخذ في الاعتبار الظروف الحرجة لبلادنا والتي لا تحتمل المؤامرات واسلوب المكائد على الناس، من المفيد طرح سؤال عن الخاتمة المحتمل ان نتوقعها لسيناريو فيلم "بنت الحارس" لو فشلت فيروز ولم تحقق ما تطلعت الى تحقيقه؟!

(دمشق)

كاتب سوري