معهود العرب... والعلاقة بين الدين والفلسفة ..

 محمد عابد الجابري .. الاتحاد

من المفاهيم التي يعتمدها الفقهاء والمفسرون، باعتبارها المفاهيم الرئيسية التي يحددون بها مجال الدلالات في مختلف أنواع الخطاب مفهوم "المعهود"، وهو صيغة لغوية منطقية تكثف معاني كثيرة في لفظ واحد، مما يجعل منه أداة معرفية إجرائية ناجحة: قد يقصد به معطيات المجال الاجتماعي، وقد يراد به الموروث الثقافي بمجمله.وواضح أنه إذا تغير المعهود بتغير الزمان أو المكان تغير معه الفهم والحكم.وهذا سواء كان التغير في اتجاه المستقبل أم في اتجاه الماضي، فلا يجوز الحكم مثلا على وقائع الماضي من خلال معهود الحاضر.كما لا يجوز الحكم على الحاضر والمستقبل من خلال معهود الماضي.
وكما بينا في المقال السابق فعندما يتعلق الأمر بالنص القرآني، فالمرجع الأول لاكتساب فهم مطابق له هو "معهود العرب" في كل شيء.. معهودهم على مستوى اللغة، ومعهودهم على مستوى شؤون الحياة جملة. ذلك لأنه لما كان القرآن قد جاء "بلسان عربي مبين" فإن قصده الأول هو أن يفهمه العرب في إطار معهودهم في كل شيء، ولذلك استعمل المثل، والمجاز، والصور، والمتخيلات كلها بالشكل الذي يقرب الحقائق إلى أذهانهم، بما في ذلك حقائق الدار الآخرة. وهكذا أخبرهم القرآن -كما يقول الشاطبي- "عن نعيم الجنة وأصنافه، بما هو معهود في تنعماتهم في الدنيا، لكنه مبرأ من الغوائل، والآفات التي تلازم التنعيم الدنيوي... وبين من مأكولات الجنة ومشروباتها ما هو معلوم عندهم، كالماء، واللبن، والخمر، والعسل، والنخيل، والأعناب، وسائر ما هو مألوف عندهم ،اضافة الى الجوز، واللوز، والتفاح، والكمثرى، وغير ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم، بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة".هذا من جهة، ومن جهة أخرى يضيف الشاطبي:" قال تعالى "ادْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادلهم بِالتِي هِي أَحسَن" (النحل 125). فالقرآن كله حكمة، وقد كانوا عارفين بالحكمة، وكان فيهم حكماء، فأتاهم من الحكمة بما عجزوا عن مثله.وكان فيهم أهل وعظ وتذكير، كقس بن ساعدة وغيره. ولم يجادلهم إلا بالطريقة التي يعرفونها من الجدل".

وبما أن الجزيرة العربية لم تكن معزولة عن العالم، بل كانت متجاورة ومتفاعلة مع قلب الدنيا وأطرافها في ذلك الزمن.. مع الحضارات البابلية، والمصرية، والفارسية، واليونانية،والرومانية، واليمنية، والحبشية... الخ، فإن معهود العرب يومذاك كان لا بد من أن تدخله عناصر من هذه الحضارات. ويتجلى هذا في لغتهم التي تسربت إليها كلمات كثيرة من أصل "أعجمي"، كما يتجلى في تصوراتهم الفكرية "العالمة" التي تتجاوز بكثير ما تمدهم به "علومهم" التقليدية، التي اشتهروا بها كالعرافة والقيافة، والأنواء وما أشبه.وإذا أضفنا إلى هذا ما أخبر به القرآن في أكثر من آية من أنه جاء "مصدقا لما بين يديه" من التوراة والإنجيل، سهل علينا أن نفهم كيف سارع المسلمون بطلب ما عند علماء اليهود والنصارى وأصحاب علوم الأوائل من المعارف.لقد فتح القرآن للعرب أبوابا للدعوة والفتح، فكان لا بد من أن ينفتحوا هم على ما عند الآخرين، فالفتح والانفتاح متلازمان.

ومن هنا ذلك التفسير "العالم" الذي يتجاوز "علوم العرب" التقليدية المذكورة، والذي فسر به ابن عباس -كما رأينا في المقال السابق- آيات من النوع "المتشابه": بعضها يتحدث عن القرآن بوصفه الكتاب المكنون في "اللوح المحفوظ" وفي "أم الكتاب" وهما من مجال المطلق، وبعضها يتحدث عنه كتنزيل منجم مفرق، نزل بلسان عربي مبين على مدى ثلاث وعشرين سنة بارتباط مع حوادث زمانية مكانية هي المعروفة بأسباب النزول، وهذا مجال النسبي.إن التفسير الذي قدمه ابن عباس لهذا الاشتباه لم يكن يقع خارج "معهود العرب" ككل، بل كان يقع فقط خارج ما ندعوه هنا بـ "المعهود العامي".أما معهودهم "العالم" والذي كان جزءا من الموروث الثقافي لعصرهم، فقد كان يقبله.ومن هنا يمكن القول: إن مسألة "المحكم والمتشابه" في القرآن الكريم تؤول في نهاية الأمر إلى الاختلاف القائم بين المعهود "العامي" لعرب الجزيرة العربية، وبين المعهود "العالم" الذي كان يشكل جزءا من موروثهم الثقافي العام، ويضم ما انتقل إليهم من معارف، وتصورات من محيطهم الحضاري.

وهكذا فكما أن علاقات قريش التجارية قبل الإسلام مع البلدان المجاورة، والتي كانت تتجدد وتتسع من خلال "رحلة الشتاء والصيف"، قد أكسبتها معرفة بمعهود تلك البلدان، العسكري منه والجغرافي والاجتماعي، والاقتصادي، مما سهل على المسلمين، في عهد الخلفاء الراشدين، عمليات الفتح، فإن معهدوهم الثقافي "العالم"، من النوع الذي رأيناه عند ابن عباس، قد سهل على رجال العلم فيهم، عملية الانفتاح الواسع والعميق على المعهود العلمي، والفلسفي، والديني الذي كان يشكل الموروث الثقافي للبلاد المفتوحة، وفي مقدمتها فارس، والشام، ومصر.

ومن هنا نفهم اتساع أفق علماء الإسلام..علماء الدين منهم والفلاسفة، ودخولهم في حوار متواصل مع الثقافات الأخرى في الوقت الذي حرصوا فيه على تقديم الإسلام لغير المسلمين بوصفه الدين الذي لا يتعارض فيه النقل مع العقل، ولا يتناقض ما يقرره من عقائد، كوحي منزل على "النبي الأمي"، وما تقرره الفلسفة من نظريات تستند الى البرهنة العقلية.

ذلك ما أكد عليه الكندي، أول فيلسوف في الإسلام،عندما أبرز التوافق بين الفلسفة، والدين باعتبار أن الفلسفة إنما تسعى إلى "علم الأشياء بحقائقها"، ومن هذا العلم: "علمُ الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه". ثم يضيف: "واقتناء هذه جميعـا هو الذي أتى به الرسل الصادقون عن الله جل شأنه.فإن الرسل الصادقين صلوات الله عليهم إنما أتوا بالإقرار بربوبية الله وحده، وبلزوم الفضائل المرتضاة عنده، وترك الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها و(ترك) إيثارها". ويضيف: "فمن الواجب إذن التمسك بهذه القُنْيَة النفيسة (الفلسفة) عند ذوي الحق، وأن نسعى في طلبها بغاية جهدنا".

ويأتي الفارابي ليشرح كيف يتم هذا التوافق بين الحقائق التي تقول بها الفلسفة والحقائق التي يقررها الدين: انه يرى أن الفلسفة، أو الحكمة، هي علم "الأسباب البعيدة التي بها وجود سائر الموجودات كلها، بما في ذلك الأسباب القريبة للأشياء ذوات الأسباب، والتي وإن كانت كثيرة فإنها ترتقي على ترتيب إلى موجود واحد هو السبب في وجود تلك الأشياء البعيدة وما دونها من الأشياء القريبة، وإن ذلك الواحد هو الأول بالحقيقة" (الله).. هو أول لأنه السبب الأول لسائر الموجودات..وهو عقل لأنه بسيط خال من جميع أنحاء النقص، ولا يحتاج إلى مادة أو شيء آخر. أما كيفية وجود الموجودات عنه فذلك ما يتم -حسب الفارابي- بواسطة الفيض.وهكذا، فبما أن الأول عقل فهو يعقل ذاته، ومن عقله لذاته يفيض عنه عقل واحد بسيط مثله. وهذا العقل الفائض الأول يعقل ذاته كما يعقل مبدأه، فيفيض عقل ثان هو مدبر الفلك المحيط، ثم يتسلسل الفيض هكذا عبر "السماوات السبع" (أو المنظومة الشمسية): في كل سماء عقل يدبرها، لينتهي الفيض إلى العقل العاشر مدبر ما تحت فلك القمر أو "السماء الدنيا"، ويسمى أيضا "العقل الفعال"، و"واهب الصور"، إذ عنه تصدر صور الأشياء التي في الأرض، والتي تتكون موادها من التئام أجزاء من المادة الأولى (الهباء الكوني) بواسطة حركة الفلك. فعندما يتكون جسم ما على هذا النحو يفيض عليه "واهب الصور" الصورة التي تناسبه،فجسم الجنين في رحم المرأة مثلا يُِفيض عليه العقلُ الفعال (صورة) النفسَ البشرية عندما يصبح ذلك الجسم مستعدا لتقبل النفس، وهكذا يتكون الكائن البشري، ومثل ذلك الكائنات الأخرى.

ليست فكرة الفيض من مبتكرات الفارابي بل هي عنصر أساسي في الأفلاطونية المحدثة، التي انتشرت في القرن الثالث الميلادي بين فلاسفة الاسكندرية وشمال سوريا، وذلك في اطار التوفيق بين الفلسفة اليونانية، والدين المسيحي، وقد فعل الشيء نفسه كل من الفارابي، وابن سينا، والمتصوفة المتفلسفة إذ وظفوها في التوفيق بين الدين والفلسفة، في الإسلام.

وهكذا فـ "العقل الأول" الفائض عن الأول (الله) يقابل اللوح المحفوظ في النظام الديني، وهو "أم الكتاب" أي علم الله السابق. والعقول الأخرى المدبرة للسماوات هي "الملائكة".أما العقل العاشر،"الفعال"، فيقابل في النظام الديني السماء الدنيا، وهو كما قلنا مستودع الصور للكائنات الأرضية، فهو واهبها حسب مقتضيات الأحوال لكل متكون، وهو أيضا مستودع الحقائق الجزئية، وبإمكان النفس البشرية الاتصال به، والتشوف إلى الحقيقة الكلية، إلى ملكوت الله.

وهذا الاتصال بالعقل الفعال، الذي منزلته منزلة جبريل في النظام الديني، يمكن أن يتم في نظر الفارابي بإحدى طريقتين: الأولى طريق الفيلسوف، طريق المعرفة البرهانية التي ترتقي بالإنسان من الموجودات إلى أسبابها، فترتسم في نفسه حقائق الأشياء فيعقلها، وتصير معقولات له. والطريق الثاني طريق الوحي والنبوة.والنبي "صلى الله عليه وسلم" في نظر الفارابي إنسان أوتي مخيلة فائقة، يتمكن بها من تخيل الأشياء بحقائقها، فترتسم في نفسه "خيالاتها، ومثالاتها، وأمور تحاكيها. ويكون ذلك بما تقرره كل ملة من الأمور التي تناسب الجمهور من اتباعها"، أي بما يناسب معهودهم.

وهكذا، فالفلسفة لا تتناقض مع الدين، وإنما تفسره عقليا.قد تكون الفلسفة تابعة لملة معينة سبقتها في الظهور، وقد يكون العكس، وفي هذه الحالة قد يحدث ألا يعرف أهل ملة ما، أن ملتهم "تابعة لفلسفة، ولا أن فيها مثالات لأمور نظرية صحت في الفلسفة ببراهين يقينية"، لم تذكر في تلك الملة.وهذا يجعل أهل تلك الملة يظنون أن ما في ملتهم من مثالات ومجازات وأمثال هي نفسها حقائق، وأنها هي العلم اليقيني نفسه. "فإذا نقلت إليهم بعد ذلك الفلسفة التي هذه الملة تابعة لها في الجودة لم يُؤمَن أن تُضادَّ تلك الملةُ الفلسفةَ ويعاندها أهلُها ويطَّرحونها.ويعاند أهل الفلسفة تلك الملة ما لم يعلموا أن تلك الملة مثالات لما في الفلسفة، ومتى علموا أنها مثالات لما فيها لم يعاندوها هم. ولكن أهل الملة يعاندون أهل تلك الفلسفة، ولا تكون للفلسفة ولا لأهلها رئاسة على تلك الملة ولا على أهلها، بل تكون مطّرحة وأهلُها مطّرحين. ولا يلحق الملةَ كثيرُ نصرة من الفلسفة، ولا يؤمن من أن تلحق الفلسفةَ وأهلَها مضرةٌ عظيمة من تلك الملة وأهلها.فلذلك ربما اضطر أهل الفلسفة عند ذلك إلى معاندة أهل الملة طلبا لسلامة أهل الفلسفة، ويتحرون ألا يعاندوا الملة نفسها، بل إنما يعاندونهم في ظنهم أن الملة مضادة للفلسفة، ويجتهدون في أن يزيلوا عنهم هذا الظن بأن يلتمسوا تفهيمهم أن التي في ملتهم هي مثالاتٌ".