أثر الاستبداد في الحياة السياسية السورية....

منذر خدام .. السفير

إن عقوداً طويلةً من الاستبداد والديماغوجيا وتعميم العلاقات الشخصانية، وانتشار الفساد واللصوصية في المجتمع، عمقت من اغتراب المواطنين عن وطنهم، وزادت في سلبيتهم، وفي المحصلة أعاقت كثيراً مبادراتهم وإبداعاتهم.
إن النقص الشديد في الحرية، وشدة القمع واستمراريته، وتزييف إرادة الناس، وتحويل تنظيماتهم المختلفة إلى أطر للتوصيل الديماغوجي وأدوات للسيطرة...، كل ذلك زرع في نفس كل مواطن رقيباً أمنياً يشل حركته، ويمنعه من المبادرة، والتفاعل البناء مع قضايا وطنه الداخلية، وكذلك مع القضايا الوطنية والقومية.
في مرحلة الاستعمار، وخلال الخمسينات من القرن العشرين كانت الروح الوطنية عالية ومتيقظة، وكان للحرية الفردية طعم مستساغ، وكانت المنظمات المدنية فاعلة، وكان للقانون هيبة.... غير أنه في العقود التالية وبسبب الاستبداد وضغط السلطة على المجتمع، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والقضاء على الحريات، وتخريب القضاء، وتعميم الديماغوجيا.. الخ، كل ذلك أنعش موضوعياً الأطر العائلية والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية، باعتبارها ملاذاً للمواطن، يؤكد من خلالها شخصيته وحضوره، ويحقق أمنه. إن سياسة الإفساد وتعميم الفساد كأسلوب في الإدارة وضبط المجتمع، بالإضافة إلى تعميم العلاقات الشخصانية، وإنعاش جميع البنى الاجتماعية ذات الطابع التفتيتي في الحقل السياسي...، كل ذلك خرب شخصية المواطن إلى حد بعيد، وجعل الكثيرين يحنون إلى مرحلة الاستعمار، بل لا يشعرون بالحرج من المجاهرة برغبتهم بقدوم أميركا أو غير أميركا لتخلصهم.... أو يحزمون حقائبهم ويهاجرون... إن سلطة الاستبداد الراهن ذات خلفية اجتماعية ضيقة جداً، تنتمي بمجملها إلى الشرائح البيروقراطية والكمبرادورية والطفيلية من البرجوازية، وهي كما بينت التجربة زادت الأوضاع تعقيدا على تعقيد، من خلال تعميمها للفساد في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وبناء نظام في المصالح يقوم أساسا على العلاقات الشخصانية، فسادت قيم اللصوصية وأخلاقها. لقد أصبحت المناصب العامة في الدولة وأجهزتها المختلفة، على مختلف مستوياتها امتيازاً، فضاعت المسؤولية، وغابت المحاسبة وفي المحصلة زاد بؤس الناس ونما التخلف.
كيف يبدو مشهد الحياة السياسية السورية في ظل الاستبداد المزمن؟ سؤال ذو شقين: من جهة الأحزاب التي في السلطة، ومن جهة الأحزاب التي تحتل موقع المعارضة. لكن قبل الجواب عن هذا السؤال، لا بد من بضع كلمات تشخص طبيعة السلطة في سوريا. من الناحية النظرية السلطة تتكون من ثلاثة مستويات:
المستوى الأول يضم الأشخاص الحاكمين، وهم دائما أشخاص حقيقيون.
المستوى الثاني ويضم مؤسسات الحكم، وهي دائماً هيئات اعتبارية.
المستوى الثالث يضم الصيغة التعاقدية للسلطة، أي منظومة التشريعات والقوانين والأوامر الإدارية.. الخ التي تضبط عمل السلطة وتوجهه.
في السلطات الاستبدادية كما هو حال السلطة في سوريا، يندمج المستوى الأول للسلطة بالمستوى الثاني، فتفقد مؤسسات الحكم طابعها المؤسساتي، وتتحول إلى مجرد أجهزة للتوصيل الأوامري والسيطرة. أضف إلى ذلك يضيق كثيراً المستوى التعاقدي، ويبرز فيه الدور الإرادوي للمستوى الأول بحسب مصالحه، وفي القلب منها مصلحته في استمرار السلطة ذاتها، واستمرار بيئتها المحافظة على طابعها كسلطة استبدادية.
في إطار ذلك من الخطأ التصور بأن حزب البعث هو الحزب الحاكم فعلاً، بل هو كحزب ضحية الاستبداد مثله في ذلك مثل جميع الأحزاب الأخرى. لقد أفقدته السلطة طابعه كحزب وحولته إلى مجرد جهاز من أجهزتها، يؤدي دوره المنوط به في إعادة إنتاج السلطة، والمحافظة عليها. بل طاله التخريب المتعمد أكثر من بقية الأحزاب، فتم تضخيمه كثيراً من خلال عمليات التنسيب الجماعي، والتركيز على الكم دون النوع، ومنع من إعادة النظر في منطلقاته الفكرية والتنظيمية لعقود من السنين، فكثر الانتهازيون والفاسدون والمفسدون في صفوفه.
إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الأكثر تضرراً من سياسات السلطة التي تحكم باسمه، ولذلك على الشرفاء والوطنيين فيه، وهم كثر، أن يرفعوا الصوت عاليا حول ضرورة التغيير باتجاه نظام يعمم مناخات الحرية والديموقراطية، بما يعني ذلك من خلق الظروف لترسيخ فكرة القانون والمسؤولية والمحاسبة، والحق في الاختلاف، والتعدد..الخ. إن دور حزب البعث لا يزال أساسيا في حياة سوريا، سواء بالمعنى المباشر، أو باعتباره احد التيارات الرئيسة المعبرة عن حركة القومية العربية، ولا نتفق مع الفكرة التي تقول بأن الحياة قد تجاوزته. وعلى العموم فإن مصير حزب البعث وغيره من الأحزاب السياسية الأخرى في جبهة السلطة أو في المعارضة يقرره الناس أنفسهم، في ظروف الديموقراطية عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال ردود الفعل أو الأحكام المسبقة...
أما بالنسبة لأحزاب المعارضة، فهي ليست بأفضل حال من شقيقاتها أحزاب السلطة، أليس حال المعارضة من حال السلطة؟
في ضوء هذا المسح المكثف لواقع الحياة الاجتماعية والسياسية في سوريا، وهو واقع يدعو بمجمله الى الإحباط والتشاؤم، أصبح واضحاً أن المسؤول الأول والأخير عنه هو الاستبداد. وإن المخرج من كل ذلك هو في نقيض الاستبداد، إنه في نظام يعمم مناخات الحرية والديموقراطية.
(
) كاتب سوري