لقاء إيلاف الأسبوعي مع عبد الرزاق عيد... الأجهزة الأمنية تعرف أننا نستخدم! "السرفيس" ولذلك لم تصدق وزير الإعلام حين اتهمنا بأنا نقبض من السفارات.... ... أجرى الحوار روحي عازار

الجمعة 25 يونيو 2004 05:57


 


 

برزت في سنة 2000 "لجان إحياء المجتمع المدني" في سوريا حين بادر الى تأسيسها مجموعة من الكتّاب والمثقفين والأكاديميين السوريين. وقد طالبت هذه اللجان بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية في سورية وقدمت محاضرات في منتديات ثقافية في مدن سورية مثل دمشق وحلب (منتدى الأتاسي ومنتدى الكواكبي). وبدت الوجوه المثقفة المعارضة وكأنها تنشط من جديد باسم مستعار هو "لجان المجتمع المدني" وهذا ما عبر عنه مراسل وكالة الصحافة الفرنسية ماهر شميطللي عام 2001 في تقرير له حول الموضوع والذي نال عليه جائزة الإتحاد الدولي للصحافيين. وللوقوف عند واقع عمل لجان المجتمع المدني في سوريا، المعارضة والحوار مع السلطة، دور الأدباء والكتاب السوريين، والمستقبل السياسي السوري التقت "إيلاف" الناشط في هذه اللجان الدكتور عبد الرزاق عيد وهو كاتب ومفكر سوري معروف أصدر مؤخرا كتاب (يسألونك عن المجتمع المدني "ربيع دمشق الموؤد ") الصادر عن مركز الإنماء الحضاري في القاهرة ودار الفارابي في بيروت.


 

*بوصفك قيادي بارز في لجان المجتمع المدني ومن مؤسسيها، هذه الحركة المدنية ماذا قدمت حتى الآن في سوريا؟

- لست قياديا بارزا في اللجان ولا في أي مكان، مثلي مثل أي عربي خرج ليس من عربة قيادة التاريخ فحسب بل من التاريخ ذاته، أظن أن علينا نحن العرب أن نقلع نهائيا عن استخدام مفردة (القيادة) شعوبا و(قيادات)! لقد وصلنا إلى درجة من المفعولية حد أن موقع الأمة بكاملها أصبح (مفعولا مطلقا) و(قادتها) أسماء مجرورة مكسورة لا رفع لها.
نعم إني من مؤسسي حركة لجان إحياء المجتمع المدني، أما ماذا قدمنا؟ فأقول : إنه الزاد المعرفي والثقافي الذي أغنى حقل التداول السياسي بمفاهيم ودلالات ساهمت بتوحيد المشترك الدلالي الثقافي الوطني بثلاثية (المجتمع المدني- الديموقراطية- حقوق الانسان)، ليس كمصطلحات سياسية فحسب بل كمفاتيح نظرية وأدوات مفاهيمية.


 

*لجان المجتمع المدني تضم مثقفين من مختلف الاتجاهات وأحيانا أسمع انتقادات لها حتى من قبل المعارضة ويقال ان مواقف بعض أعضائها لا تختلف كثيرا عن مواقف الحكومة، ما رأيك؟

- اللجان مثلها مثل المعارضة التي تنتقدها، فيها الروح النقدي المستقل، وفيها التابع، الملحق، و(الحكومي) المرسل!


 

* اعتقل بعض أعضاء اللجان مثل الأكاديمي الاقتصادي عارف دليلة، ماذا فعلت اللجان من أجل معتقليها غير صياغة البيانات وتوزيعها؟

- لقد فعلنا من أجل زميلنا عارف دليلة ما لم يتح لمعتقل سياسي في تاريخ الاعتقال السياسي في سوريا أن يفعل لأجله، وكتابي الأخير عن "ربيع دمشق الموؤد" يفرد فصلا أكثر من مئة صفحة حول قضيته، بالإضافة إلى توصيل محنته ومحنة الناشطين العشرة إلى أسماع المجتمع الوطني والقومي والعالمي من خلال نشاطنا الإعلامي والثقافي ونشاطاتنا في ندوات ثقافية وفكرية عربية، رغم اعترافنا بالتقصير!


 

* بعض اعتقال أعضاء اللجان ونشطاء آخرين أطلق عليهم " ربيع دمشق " هل يعني ذلك ان ما تبقى من نشطاء أوقفوا نشاطهم وعادوا لفترة خمول شتوية هي نفسها التي قضوها في العقود الماضية، حيث كان بعض أعضاء اللجان الحاليين يصمتون خلال عقود مضت عن اعتقال المعارضين؟

- لقد تم وأد ربيع دمشق، بوأد الحراك الديموقراطي والسياسي، ومن ثم لابد من أن نجد انعكاس ذلك على مستوى فعالية وحراك كل أطياف الحراك الديموقراطي في سوريا بما فيها (لجان الإحياء) أما عن صمت البعض في العقود الماضية عن اعتقال المعارضين، فلقد كان المجتمع بكامله يغط في سبات "مملكة الصمت" على حد تعبير رياض الترك، والتي تخيم عليها "ثقافة الخوف" كما عبرنا عنها منذ ثلاث سنوات، ولا نزال نحال إلى القضاء العسكري ضريبة لهذا التعبير رغم أنه شمله العفو على حد تعبيرهم في ملف الادعاء!


 

* ما هي أجواء اللجان فيما بينكم.. من آراء و نقاشات.. وهل يمكن أن نتحدث عن تيارات مختلفة ضمنها من معتدلين الى راديكاليين؟

- أجواء اللجان ككل أجواء حياة (التقتير الديموقراطي) المنتزع والمتاح، فلا يزال الأصدقاء الذين يستقبلون اللقاءات والاجتماعات في بيوتهم عرضة للضغوط والاستدعاءات والتحذيرات والتهديدات، ولا يزال الـ 14 ناشطا في حلب تحت تهديد تنفيذ الحكم بالسجن، ولا يزال المكتب الذي يرعى نشاطاتنا سابقا ممنوعا ومهددا بمعاودة نشاطه حتى ولو تحت صيغة "منتدى الكواكبي" الذي يفترض أننا تقدمنا مع كل أطياف التمثيل السياسي والاجتماعي في حلب طلب ترخيص (قانوني) لشرعنة نشاطه أسوة بـ"شرعية" منتدى جمال الأتاسي في دمشق.


 

* خلال حديث الرئيس بشار الأسد لقناة الجزيرة مؤخرا تجاهلكم تماما، بينما عندكم من يبصم على مشاريع " الإصلاح " على العميانة.. هل فعلا هناك من يريد تحويل هذه اللجان الى هيئة رسمية تحمل أفكار السلطة؟

-  نحن أبناء مجتمع اعتاد على التجاهل والإلغاء بكليته منذ أربعين سنة، فلن يتوقف الأمر علينا، أما أن يبصم بعضنا على مشاريع "الإصلاح" على (العميانة)، فهذا شأنهم، نحن لسنا حزبا، أو تنظيما موحد البرنامج والرأي، والموقف.
 أما السؤال إن كان هناك فعلا من يريد تحويل اللجان إلى هيئة رسمية تحمل أفكار السلطة، فليس هناك ما يدعو للاستغراب، فهذا ديدن السلطة على مدى أربعين سنة، إلحاق ما يمكن إلحاقه، في اللجان وغير اللجان من أطراف المعارضة، وإلا ما معنى وجود الجبهة الوطنية التقدمية؟


 

* هل صحيح انه لولا صحيفة النهار اللبنانية لما سمع أحد بأخباركم وأوضاعكم؟

- نعم صحيح، ولقد عبرت عن ذلك في مقدمة كتابي الصادر في القاهرة وبيروت (يسألونك عن المجتمع المدني –"ربيع دمشق الموؤد") إذ توجهت بالشكر إلى جريدة (النهار) ورئاسة تحريرها، وعبرت عن أننا مدينون لها بما مثلته من منبر شجاع وحر ونزيه، حيث شكلت لي ولعدد من الكتاب السوريين (بقعة ضوء النهار) الوحيد في امتدادات ظلام النفق الذي فيه نوغل...) كما عبرت في مقدمة الكتاب، لكن ينبغي أن لا ننسى أهمية المنجز الحداثي الكبير للانترنيت، حيث لم يكن للنهار التي أصبحت مقروءة أكثر من أي جريدة سورية وعربية، أن تقرأ إلا عبر الانترنيت رغم ضعف انتشاره في سوريا، بالإضافة إلى استخدام منجزات المعلوماتية السورية في خدمة حجب المعلومات، والمواقع كموقعكم، لكن عبقرية شبابنا وأبنائنا تنتصر في المآل على شيطانية الرقابة وتكتسب خبرات وهي تخوض معركة الحرية، ضد خدم الاستبداد.


 

* ألا ترى ان إقامة مجتمع مدني كما ترغبون هو حلم كبير ليس لأن السلطة ترفضكم فقط بل لأن فيكم من يبدل مواقفه كل يوم ويريد التغيير من خلال بيان يراه الناس اليوم ويتم نسيانه غدا؟

- المجتمع المدني لا يقام، وليس ثمرة رغبات مجموعة تبدل مواقعها كل يوم عبر البيانات، المجتمع المدني حقيقة قائمة في المجتمعات العربية خلال الحقبة الليبرالية التي تم وأدها شعبويا، انقلابيا، دون أن تحقق إشباعها التاريخي.
لقد انقلبنا بملء إرادتنا على النويات الأولى لمكونات مجتمع دولة القانون والحقوق والشرعية الدستورية، إلى مجتمع دولة العسكر والانقلابية الثورية بحسن نية تاريخية عبر عنها القوميون والماركسيون، وعلى هذا فإن المخلصين من القوميين واليساريين تبين لهم فداحة الخطأ الذي اقترفوه عندما اختاروا التضحية بالديموقراطية السياسية على مذبح الديموقراطية الاجتماعية، والشرعية الدستورية على مذبح الشرعية الثورية، لكن القسم الآخر من القوميين واليساريين الذين تحولوا إلى حيتان وضباع، كانوا قد تغولوا بتغول الدولة التي أصبحت أداة للسيطرة والنهب والسلب بأيديهم، فعندها لن تجد منهم أمام دعوتك لإحياء المجتمع المدني الذي كان قائما سوى المخالب والأنياب.


 

* ما هي وظيفتك في اللجان؟

-لا وظائف لنا في اللجان لأنا لسنا تنظيما، فوظيفتي فردية وهي أن اكتب وفق ما يفتيه علي عقلي وقلبي وضميري الشخصي.


 

* من يمولكم؟

-لا تمولنا سوى موازناتنا الشخصية الشحيحة والبائسة، لكنها –مع ذلك- تتيح لنا أن نسافر إلى العاصمة للقاء بعضنا بعضا أو إلى أي مدينة سورية على الأقل، والأجهزة الأمنية تعرفنا جميعا بأننا نستخدم المواصلات العامة (السرفيس) للوصول إلى مكان اجتماعاتنا،ولذلك لم يصدقو حينها وزير الإعلام الذي اتهمنا بأنا نقبض من السفارات!
 كان بيننا (رياض سيف) من الأثرياء لكنهم (شلحوه) وأفلسوه وحبسوه...! لدينا بعض الميسورين من الفئات الوسطى نسعى من خلالهم لاجتذاب ممثلي الرأسمال الوطني المنتج، لكن يبدو أن الجميع شركاء الجميع (سماسرة القطاع الخاص ولصوص القطاع العام)، لقد دمر الرأسمال الاستثماري المنتج، ولم يبق سوى رأسمال ريعي، سوق سوداء، تهريب، وبيع وشراء بالقوانين والمراسيم لتحقيق التقاسم الوظيفي بين لصقراطية السلطة وطغم سماسرة المجتمع السفلي المستفيدين من غياب الديموقراطية ودولة الحق والقانون، ولعل سر بقاء حركتنا في إطار الطموحات النظرية والفكرية، يفسرها انهيار الطبقة الوسطى وغياب الرأسمال المنتج الوطني الذي يحتاج إلى مؤسسات المجتمع المدني، هيآت تشريعية وقضائية وحقوقية، وقانون، وصحافة، وأحزاب، ونقابات.


 

*  من يرأس اللجان؟

لا رئيس للجان، سوى رؤوسها المفكرة.

يتبع


 


 


برزت في سنة 2000 " لجان إحياء المجتمع المدني " في سوريا حين بادر الى تأسيسها مجموعة من الكتّاب والمثقفين والأكاديميين السوريين. وقد طالبت هذه اللجان بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية في سورية وقدمت محاضرات في منتديات ثقافية في مدن سورية مثل دمشق وحلب (منتدى الأتاسي ومنتدى الكواكبي). وبدت الوجوه المثقفة المعارضة وكأنها تنشط من جديد باسم مستعار هو " لجان المجتمع المدني " وهذا ما عبر عنه مراسل وكالة الصحافة الفرنسية ماهر شميطللي عام 2001 في تقرير له حول الموضوع والذي نال عليه جائزة الإتحاد الدولي للصحافيين. وللوقوف عند واقع عمل لجان المجتمع المدني في سوريا، المعارضة والحوار مع السلطة، دور الأدباء والكتاب السوريين، والمستقبل السياسي السوري التقت " إيلاف " الناشط في هذه اللجان الدكتور عبد الرزاق عيد وهو كاتب ومفكر سوري معروف أصدر مؤخرا كتاب (يسألونك عن المجتمع المدني "ربيع دمشق الموؤد ") الصادر عن مركز الإنماء الحضاري في القاهرة ودار الفارابي في بيروت. ومن أبرز المؤلفات الأخرى التي أصدرها المفكر السوري عبد الرزاق عيد : أزمة التنوير (شرعنة الفوات الحضاري) – دار الأهالي – دمشق 1997، الديموقراطية بين العلمانية والإسلام – مشترك – سلسلة حوارات لقرن جديد – دار الفكر- دمشق 1999، إنجاز بحث حول النظام الأبوي وعلاقته بحقوق الإنسان لينشر كفصل في كتاب سيصدر بالإنكليزية من قبل ملتقى الثقافات (الغرب والشرق) في كمبردج – الولايات المتحدة الأمريكية – بإدارة د. سلمى الخضراء الجيوسي – عام 1998، أبو حيان التوحيدي (فصل الدين عن الدولة / فصل الدين عن الفلسفة) – الأهالي - دمشق عام 2001،ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة – دار الحوار – اللاذقية عام 2001، قراءة سوسيودلالية في " مدن الملح " – الأهالي – دمشق 2002، ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة (حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف) دار الحوار– اللاذقية- 2001، الأدبية السردية (الرواية السورية بين وهم التحقق وحقيقة التكون) دار الحوار – اللاذقية –2002، و نقد العقل الفقهي (سدنة هياكل الوهم / البوطي أنموذجا) دار الطليعة– بيروت 2003. 


 

*  عبد الرزاق عيد الكاتب والمفكر ما هي همومك الفكرية والسياسية؟

-همومي الفكرية أصبحت تنصب اليوم في العودة إلى إحياء فكر النهضة والتنوير لننتظم بسلسلتها نقديا، أي تذويب خشونة وفظاظة خطابنا القومي والوطني واليساري بل وحتى الإسلامي بماء الليبرالية، حيث يمكن التأسيس نظريا للعقلانية وقبول الآخر والتعددية، والتعايش والحوار.
ومعادل ذلك سياسيا هو إحياء مؤسسات المجتمع المدني، التشريعية والقضائية والتنفيذية، والثقافية والسياسية، حيث استعادة الحياة الحزبية والتداول السلمي للسلطة، واللجوء إلى صندوق الاقتراع كحكم نهائي، واحترام قيم الديموقراطية بوصفها ليست تمثيلا للأغلبية فحسب بل وحماية قانونية وحقوقية دستورية للأقليات القومية والاثنية والدينية ومن ثم السياسية.


 

من دراستك في باريس الى حلب : كيف تصف لي فترة وجودك في باريس طالبا وحياتك الآن في سوريا؟

- ناقشت أطروحة الدكتوراه في جامعة السوربون (باريس3) بتاريخ 18 شباط 1983، وكنت في سوريا في 21 شباط 1983 أي حجزت للعودة النهائية قبل أسبوع من مناقشتي لأطروحتي، لكن بعد عودتي مباشرة منعت دون تردد من حقي المواطنوي الدستوري من حقي في العمل في الجامعة، رغم أني كنت منتزعا لي موقعا في الحياة الثقافية في سوريا، إذ كنت قد أصدرت كتابين في حينها، ولقد قدرهما لي الفرنسيون فأعفوني من سنة دراسية، بينما في بلدي رفضوا حقي في العمل، فلك أن تتصور حياتي في سوريا منذ أكثر من عشرين عاما وحتى اليوم وأنا أعيش حالة حرب باردة من أجل الحصول على اللقمة الشريفة والكريمة.
وتخيل أي شعور بالغبن والعدوانية في التهميش والإلغاء ان أكون منذ شهر في ندوة في جامعتي السوربون باريس 3 عن الرواية السورية، ومن ثم أحاضر بعدها في طلاب الدراسات العليا عن الرواية السورية، بينما لا يتاح لي ذلك في بلدي، أنا لا أشكو ولا أطالب، بل أصف وأدين بغضب...!


 

* لحظات إبداعك في التأليف والكتابة، هي تشعر بالرقيب داخلك فتحذف بعض الكلمات التي كتبتها؟

- رغم أني أنشر في الصحافة اللبنانية (النهار) فإني أمارس الرقابة على ما أكتب، لكني لم أعود لساني على التأتأة والدوران في الفم قبل أن ينطق، ولا قلمي على أرجحة الجذع بين الكلمات، بل على ممارسة السخرية الدائمة من الرقيب من خلال ثراء اللغة العربية بالمجاز، مما أتاح لي أن أغني النص باستراتيجيات تناصية تفتح أفاقا رحبة على رهانات المعنى ومستويات تعدد الدلالة والمقروئية الملفعة ببطانة وجدانية تؤمن لك الحميمية التي يقترحها –غرامشي- لإنتاج علاقة تراسل داخلية مع المتلقي.


 

* ما هي علاقتك بالمحيط الثقافي السوري، وخاصة أن بعض كتاباتك تتميز بالراديكالية أي هل تقع خصومات بينك وبين مثقفين سوريين بسبب الاختلاف السياسي؟

- أنا لا أكتب صحافة حتى ولو كان بي خصاصة للكتابة (المعاشية) الصحفية، ولهذا فعندما أكتب في الشأن العام السياسي، انتظر حتى ينضج في عقلي رأي وفي داخلي موقف، يحتاج للتأسيس والتأصيل النظري، ولهذا فكل ما أكتبه يستدعي استجابات وحوارات وسجالات، وذلك منذ أن دخلت هذه الساحة (أكثر من ثلاث سنوات)، أي ساحة الكتابات الراهنية في جريدة (النهار)، وأنا لم اكتب مقالا لم يستدع حوارا أو ردا أو سجالا في الجريدة نفسها أو في غيرها، وهذا ما يعوض علي عزلتي على المستوى الشخصي، فأحقق تواصلا، وما يعوض بعض الفراغ في ساحة الحوار الثقافي والسياسي، ويشعرنا بأنا مازلنا أحياء في هذه المقبرة العربية، لكنا مع الأسف لم نألف بعد ثقافة الحوار والاختلاف، فتأخذ المسائل مناح شخصية وذاتية وتتحول إلى خلافات وخصومات!


 

* المثقف العضروط.. ما هي الأسباب التي دفعتك الى إبداع هذا المصطلح وماذا تقصد فيه تماما؟

- لقد أتيت إلى ساحة الفكر والثقافة والسياسة من بوابة الأدب، ولهذا فإني أجد نفسي مدفوعا بإرادة الكتابة ذاتها لكي تكون فعل متعة، لتذوق فخامة الدال بتذوق لذة النص على حد تعبير (بارت)، إذ هذا ما تبقى لنا من متعة ولذة وسط هذه الخرابات التي تلحق بعالم الروح والوعي والشعور والإدراك والإحساس، وسط هذه الدناءات وكل هذا العنف والقسوة والغطرسة والأنانية الفظيعة، وشهوة التسلط التي تكاد تغدو خصيصة وطنية في هويتنا العتيقة.
واستخدام مفردة (العضروط)، ليست إلا تعبيرا أدبيا يتغيا انتاج حالة تصويرية إيقاعية من خلال ما تحدثه علاقة هذه الحروف من محاكاة ساخرة تحاكي الحالة المنتجة أمام المشاهد، إذ هو يرى على شاشة التلفاز مشهدا ميلودرامكيا رديئا، موضوعه توظيف مجموعة من المثقفين ليستخدموا كبكتيريا في جسم وليد، وهو جسم مجموعتنا الوليدة لجان إحياء المجتمع المدني "عبر تقديمهم كبديل سلطوي"، فكان استخدام المجاز الساخر هذا بمثابة وخزة مضادة للالتهاب أعطت مفعولها المباشر، فلم يتح لمخرج الميلودراما أن ينتج هذا المسخ الذي أريد له ان يكون بديلا عن اللجان.
 رغم أني في النص ذاته شرحت معنى المفردة التي استخدمها المتنبي، بأنه كان يقصد بالعضاريط الذين وصفهم بـ (الرعاديد) حلقة المثقفين المتعيشين على مائدة سيف الدولة، أي (مثقف السلطة) النهّاز، فالكلمة في ذاتها ليست شتيمة أخلاقية، بل هي توصيف سوسيولوجي بإهاب تراثي تهكميٍ، ولهذا لم أستخدم الرعاديد لأنها تنطوي على معنى الشتيمة وهي (الجبن).


 

* كتبت ذات مرة مقالة للشاعر السوري أدونيس تقول فيها "نحبك مع أو بلا نوبل" وانتقدت خموله إزاء قضايا الحريات في بلدكم، لماذا برأيك أدونيس يرفض التدخل في هذه الشؤون والدفاع عن الحريات وغيرها رغم تمتعه بالحصانة؟

- أظن أن هذا السؤال ينبغي أن يتوجه لأدونيس نفسه، الذي رد في بعض المناسبات على عنواني "لماذا لعنة بيروت وليس لعنة دمشق؟"، بأننا لم نطلع على ما كتبه من نقد لمشكلة الحريات في سوريا؟! أنا فعليا لم أطلع، ولا أعرف أين كتب أدونيس ما لم نطلع عليه؟!


 

* هل تظن أن أدونيس تحول الى مثقف عضروط؟

- أدونيس ليس مثقفا عضروطا لأنه لم يكن في يوم من الأيام، مثقف سلطة، او متعيش على موائدها، رغم أني لازلت مصرا بأن لبلده سوريا عليه حقا في الذود ليس عن كرامة شعبها الوطنية فحسب، بل كرامة شعبها السياسية، وحقوقه الإنسانية، وحرياته الطبيعية والمدنية...


 

* اتحاد الكتاب العرب في سوريا.. هل ترى ان جيلا من الكتاب والمثقفين والأدباء في هذا الاتحاد أصبحوا حرسا قديما يعرقل الإبداع وخاصة عند الأجيال الجديدة؟

- اتحاد الكتاب في سوريا لم يكن في تاريخه، الذي يمتد إلى تاريخ رئاسة علي عقلة عرسان له، ليشكل إطارا ثقافيا للإبداع لكي يصبح فيه اليوم (حرسا قديما) يعرقل الإبداع، فتاريخه مناظر لأي جهاز من أجهزة السلطة، التي يمثل فيها الجهاز الأمني (ذات) وباقي الدوائر الرسمية صفات.
20- لقد وضعت مؤلفات عديدة في الأدب والفكر والسياسة، ما هو أبرز كتاب وضعته برأيك؟ كتاب (سدنة هياكل الوهم : نقد العقل الفقهي – "البوطي نموذجا") صدر سنة 2003 عن دار الطليعة في بيروت، وهو أيضا ممنوع التداول في سوريا لأنه ينتقد (الشيخ الرسمي) للسلطة، وهو محمد رمضان البوطي.


 

*  ما هو الاسم الدقيق للكتاب الذي نشرته في القاهرة عن ربيع دمشق؟

- اسم الكتاب المنشور عن مركز الإنماء الحضاري في القاهرة، ودار الفارابي في بيروت هو (يسألونك عن المجتمع المدني "ربيع دمشق الموؤد")


 

* ما هي ابرز أفكار ومحاور هذا الكتاب؟

- الأطروحة الأساسية للكتاب تقوم على التطلع إلى كسر ذلك الاستعصاء التاريخي الذي يطرحه النظام العربي على المستقبل في صيغة معادلة: إما الطغيان وإما خسارة الأوطان، فلا بد إذن من الخيار الثالث وهو الشروع بالتغيير من الداخل، قبل ان يأتينا من الخارج، ولذلك لا بد من إطلاق سراح المجتمع المدني وإحياء مؤسساته للانتقال إلى الشرعية الدستورية والاعتراف بالآخر والتعددية للانتقال من "تغول السلطة وشخصنتها وتوثينها واحديا" إلى "تدول الدولة وتداولها وأنسنتها وبشرنتها تعدديا" وذلك أن المجتمع الذي يعيش في ظل القمع والإقصاء والتهميش والصمت والانكفاء والعزوف عن المشاركة في الشأن العام، يعاقب أنظمته بالتربية ذاتها التي أنشؤوه عليها، وهي "تربية الصمت وثقافة الخوف" عندما تأتي جحافل "علوج" الأجنبي كما حدث في سقوط بغداد!
إن الروح الهيغلي الذي يرفرف فوق طيات الزمن، قرر فجأة ان يحط في سنة2000 في سوريا، ليتعين هذا الروح في صيغة ثلاثية (المجتمع المدني- الديموقراطية- حقوق الانسان) لقد انقدحت شرارة "روح العصر " في حلكة ليل بهيم، طال... طال...
تلك هي كلمة غلاف الكتاب.
أما محاوره فهي مجموع المساهمات النظرية والفكرية والسياسية التي نشرتها في جريدة "النهار" اللبنانية، وما استدعته هذه المقالات من حوارات وسجالات وتهديدات بلغت حد التحريض على الاعتقال تحت طائلة الاتهام بالخيانة الوطنية، سيما بعد المقال التضامني مع عارف دليلة ومن ثم مجموع الردود والردود المضادة، وصولا حتى هذه اللحظة، لحظة الاستدعاء للقضاء العسكري.وقد خصصنا لمحنة عارف دليلة هذه فصلا يبلغ أكثر من مئة صفحة مما نشر في جريدتي (النهار والحياة)، كما أسلفنا.

وفصل عن "ميثاق" الأخوان المسلمين وما كتبته حول ذلك والردود والحوارات، وفصل عن محاضرة " ثقافة الخوف" والردود في منتدى الأتاسي، ومن ثم نشر هذه المحاضرة في ملف جريدة (الحياة) التي أعادت نشرها كنموذج لخطاب المثقفين، ومن ثم مداخلة نائب الرئيس عبد الحليم خدام كنموذج لخطاب السلطة في مواجهة ربيع دمشق، ومن ثم ردنا على نائب الرئيس في جريدة الحياة التي نشرت الملف... الخ.


 

*  ما هو اتجاهك السياسي الآن؟

- وطني ديموقراطي.


 

* كيف تصف تأثير السياسي ياسين الحافظ عليك؟

- تأثير مخلخل، يشبه تأثير طه حسين على وعيي السلفي والناصري الشاب، ومن ثم تأثير الماركسية في يساريتي اللاحقة، ولازلت على قناعة أن ياسين الحافظ لم يقرأ عربيا، ولازلت أتجرأ على القول: إن سقفه الفكري والنظري أعلى من سقف الفكر العربي حتى اليوم.

يتبع


 


 

* ما هي الأسباب التي دعت الى استدعائك من قبل القضاء العسكري وكيف انتهت القضية؟

- سبب الاستدعاء وفق مذكرة الدعوى هو: قدح إدارات عامة وهيئة منظمة، وقد أرفق بمذكرة الدعوة مقالان: أولهما مقالة "ثقافة الخوف" وهو محاضرة ألقيت في منتدى جمال الأتاسي في دمشق بتاريخ 11/3/2001، وقد نشرت على حلقتين في جريدة النهار اللبنانية 12-13/3/2001، وقد نشرت أيضا في أسبوعيتكم (أخبار الأدب) 1/4/2001، كما قد نشرت في ملف جريدة الحياة اللبنانية بتاريخ 8/7/2001.أما المقال الثاني فكان تحت عنوان (لجان إحياء المجتمع المدني وخطاب الإرهاب) فهو منشور في جريدة النهار اللبنانية 24/2/2001.
لكن في جلسة المحاكمة بتاريخ 1 من الشهر الجاري 6/2004، تم تجاوز طرح السؤال عن المقالين على اعتبار أنهما مشمولان بقرار عفو صادر بعد تاريخ المقالين.لكن السؤال الذي طرح في جلسة المحكمة هو حول شهادة لي في مشكلة 14 ناشطا الذين كانوا قد حوكموا أمام المحكمة نفسها بتهمة تشكيل جمعية سرية.

وكان موضوع تهمة القدح الذي وجه لي، هو سؤالي إن كنت قد استعملت خلال الشهادة تعبير (طغم الفساد)! فأقررت التهمة، موجها سؤالا مضادا للمحكمة وهو: إن كان يسيئهم أو يزعجهم كجهة رسمية حكومية أن أقدح بفئات الفساد وأصفهم بالطغم أي ب (الأوغاد)، فنفوا طبعا انزعاجهم، فطالبتهم حينها أن يسجلوا إفادتهم مع إفادتي بأنهم كجهات رسمية لا ينزعجون من الإدانة الأخلاقية للفاسدين!
أما السؤال الآخر، فعن من قصدته بنسبة 5% من طغم الفساد الذين يستحوذون على 95% من الدخل الوطني، إذ أن تقرير الادعاء إن كان في هذا الرقم إيحاء طائفي أو سياسي يشير إلى المسؤولين في الدولة، فكان الجواب: إن المقصودين هم كل الطغم المالية التي تنهب المال العام وثروات البلد.
فكان أن أعلن القاضي حكم البراءة!؟


 

* هكذا بسرعة؟!

- هكذا وبسرعة ودون النظر في لائحة طعن المحامين الذين بلغ عددهم 112 محاميا، وهي لائحة تطعن بالمستند القانوني للادعاء لأنها تتكئ على قانون الطوارئ وإعلان الأحكام العرفية، وذلك لعدم دستورية إعلان حالة الطوارئ لأنها لم تعلن عن المجلس النيابي ولا عن رئيس مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبالأغلبية المنصوص عليها في العام 1963.
 وتخلص لائحة الطعن إلى انتفاء صلاحية القضاء العسكري، حيث تصبح المحكمة غير مختصة بالنظر بهذه الدعوى، ولهذا فقد طالبت –لائحة الطعن- برفع يد المحكمة العسكرية عن الدعوى وإحالتها للقضاء العادي أو إلى الحاكم العرفي –رئيس مجلس الوزراء- للبت في هذه المسألة.
لكن القاضي لم يتوقف عند اللائحة واكتفى بالأقوال ليحكم بالبراءة، رغم أن لائحة الطعن تحمل توكيل 112 محاميا متطوعا للدفاع كما أشرنا، بينهم نخبة من المحامين من ألمع وأكبر المشتغلين بقضايا الشأن العام وحقوق الانسان في سوريا، فقد ضمت أسماء: هيثم المالح رئيس جمعية حقوق الانسان في سوريا وهو سجين سابق، وحسن اسماعيل عبد العظيم رئيس التجمع الوطني الديموقراطي المعارض في سوريا (يضم خمسة أحزاب سياسية معارضة) ورياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري "المكتب السياسي" المعارض والسجين السابق لعشرين سنة والملقب بمانديلا سوريا، كما رئس لجنة الدفاع أمام المحكمة محمد عبد المجيد منجونة أمين سر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، وهو وزير وسجين سابق.
- ما هو تفسيرك لما حدث؟ نخلص من ذلك إلى أن الاستدعاء كان سياسيا والمحاكمة سياسية والحكم سياسي، وقد جرت غبّ المحاكمة مناقشات بين الأصدقاء لتفسير ما حدث:
- التفسير الأول: إنها رسالة تحذيرية من الاقتراب مما يسمى بالثوابت الخمسة في سوريا، وقد تم اللجوء إلى مقالات مشمولة بحكم العفو، بينما جهة الادعاء كان بإمكانها أن تقدم مقالات جديدة للكاتب لو كان الهدف تنفيذ الحكم فوريا، وهي مقالات لا تختلف في النوعية ولا في الدرجة عن المقالات السابقة.
- تزامن يوم المحاكمة مع يوم سفر رئيس الدولة إلى اسبانيا، ومدى انعكاس ذلك على نتائج الزيارة التي تأتي في سياق الحوار السوري- الأوروبي حول اتفاقية الشراكة، وشروط المفوضية الأوربية حول قضايا احترام الحريات وحقوق الانسان في سوريا.
تحكم عقلية السياسة اليومية الطوارئية (المياومة) لسوريا، وارتباكاتها المحكومة بصراع مراكز القوى، وتجاذب قيادات الحكم بين الأدمغة الحامية والباردة، ومن ثم غياب سلطة المركز!


 

* كنت من المعولين جدا على بشار الأسد وما أعلنه من توجهات إصلاحية. لكن لوحظ في مقالاتك الأخيرة أنك لم تعد كذلك. هل لا زلت تعتقد بعد أربعة أعوام من وجوده في السلطة، بأنه صادق في توجهاته، وهل لا زلت تعتقد بمقولة وجود حرس قديم في البلاد يمنعه من تطبيق الإصلاحات التي يتحدث عنها، أم أنك ترى أنه استنفذ جميع الفرص؟

- وإذا كان الأمر كذلك، كيف ترى المخرج العملي ( بعيدا عن الشعارات النظرية التي تطرحها المعارضة )؟ يا أخي أنا كاتب، مفكر، لست معنيا بالتفاصيل والجزئيات والوقائع كما يعنى بها الصحفي أو السياسي المحترف، لقد قلت لك سابقا بأني أتيت إلى ساحة السياسة من بوابة الفكر والوجدان الضمير، لأكتب رأيا، أتخذ موقفا من خلال التأصيل النظري والفكري، وأنا أطمح مع لجان إحياء المجتمع المدني لمقاربة السياسة كممارسة عليا، رغم ان بعض الجهات والأجهزة الأمنية تريد أن تشدنا وتدفعنا إلى ممارسة الإسفاف السياسي، وقد تكون نجحت مع بعض ممن يحسبون على خيارنا، لكن بالنسبة لي –على الأقل- فقد كنت قد عبرت من قبل في إحدى مقالاتي: بأن الحياة السياسية في سوريا دون مستوى النقاش الرفيع، لأنه لا حياة سياسية في سوريا ببساطة، وعلى هذا فإنني ما راهنت ولا أراهن ولن أراهن على أحد، سوى على المستقبل الذي أنتمي إلى رهاناته المستحيلة، وإذا كنا –في كتاباتنا- نقيم ملاطا مجازيا لخطابنا الفكري السياسي كنوع من التقيه تجاه الرقابة، فهذا لا يعني سوى ممارسة الدهاء والمكر في قول الحقيقة التي نؤمن بها كما ينصح بريخت عندما كان يعيش مناخات شمولية كمناخاتنا، فالمكر في سبيل الحقيقة مشروع إلهيا " والله خير الماكرين".


 

* اتهمك محمد جما باروت في العام 2000 ، وربما قبل ذلك، بأنك قلت عن الصحافي نزار نيوف بأنه ذو علاقات خفية مع السلطة، بل وذهب في اتهامك إلى حد أنه قال "عبد الرزاق عيد يقول عن نزار بأنه ظاهرة مخابراتية وعميل مخابراتي ". كيف ترد على ذلك رغم أن الجميع في سورية يعرف أنك صديقه وأنك حضرت إحدى جلسات محاكمته مع رفعت الأسد في باريس، وحين خرج من السجن أحضرت حافلة ركاب فيها العشرات من وجهاء حلب وقادة الحركة السياسية والمدينة فيها لزيارته في منزله وتهنئته بإطلاق سراحه وهذا ما قرأته حرفيا على موقع انترنت؟

- ها أنت تعود بنا في سؤالك إلى ممارسات سياسات نثرية يومية، فإذا كان لابد من ممارسة فتنة السرد وغواية الحكاية فأقول لك: إن آرائي ومواقفي السياسية لا تحددها صداقاتي، وإلا ما كنت غادرت الساحة الناصرية أو الإسلاموية أو الشيوعية ( الدوغمائية- المبقرطة) قط، فقد كان لي في كل هذه الساحات أصدقاء أحباء، لكني منذ زمن أعيش وأمارس أمثولة نيتشه:"على من يطلب الحكمة إلا يتعلم محبة أعدائه فحسب، بل عليه ان يتعلم بغض أصدقائه ".
وعلى هذا فإني عشت حياتي وأنا أتعلم محبة من كانوا أعدائي، وأبغض البغضاء بالنسبة لي هو التعصب "العقائداوية": ماركسية كانت أم قومية (ناصرية أو بعثية) أم اسلاموية...
وعلى هذا فإن حضوري لمحاكمة نزار نيوف في باريس، أو زيارتي له عند إطلاق سراحه، هو موقف مع الحرية وضد الاستبداد، لأن الأمر نفسه تم مع بعض المناضلين الذين لم أكن أعرفهم شخصيا، بل كانوا في موقع المختلف معي سياسيا كرياض الترك وعمر قشاش، كما قمت بزيارة غيرهم كثر من المناضلين الذين لم تربطني بهم معرفة شخصية من قبل من كل الفعاليات: شيوعية كانت أم ناصرية أم إسلامية... الخ.


 

* ما هي حكاية نزار إذا كان لابد من غواية السرد؟
- لقد كنا في مرحلة الفضاءات التي أشاعتها البيروسترويكا السوفياتية نبحث – بعض الكتاب والمفكرين والفنانين- عن صيغ تفعيل النضال الديموقراطي في سوريا، وكنا نتشاور ونتحاور، ولم يعد سرا يذاع إذ قلت أني وجدت لدى الراحل سعد الله ونوس أذنا صاغية، وكنا نتداول مجموعة من الأسماء ذات الرأسمال الرمزي الفكري والثقافي والإبداعي ومدى استعدادها للتجاوب مع الكرة، لقد كان تركيزنا على أسماء ذات وزن معنوي ورمزي، ليس بسبب أهميتها الإعلامية والسياسية سوريا وعربيا وعالميا فحسب، بل إن هذا الوزن يمنحها حصانة من ردود فعل السلطة الباطشة، فلا تستطيع أن تفتك بها بيسر...
فإذا بنا في هذه الفترة نسمع عن جمعية لحقوق الإنسان تعلن في لبنان من أسماء شيوعية جبهوية سورية ولبنانية ذات تاريخ شمولي عريق! وفي هذه الفترة يخبرني نزار بأنه مع مجموعة من الشباب الحقوقيين يزمعون الإعلان عن لجنة دفاع عن حقوق الإنسان، فشكل لي ذلك صدمة، وفتح صدري على أسئلة ارتياب كثيرة، إن لم تكن الأجهزة وراء المشروعين لوأد مشروعنا الذي كان يمكن ان يشكل تحديا جديا للمؤسسة القمعية لو أتيح له القيام، لكن حدث ما حدث، ماتت الجمعية الأولى كما أريد لها من دور، والجمعية الثانية قيدت بكل بساطة إلى السجن، وأحبط المشروع الذي كنا نفكر فيه مع غروب شمس البيروسترويكا، واجتياح العراق للكويت، فدخلنا نسقا آخر...
كان لدينا ارتياب ما في أوساطنا الخاصة، لكن هذا الارتياب لم يعبر عنه مكتوبا أبدا سوى اليوم، وذلك لأنه عندما بدأت تصلنا أخبار شجاعة نزار في مواجهة جلادية، ما كان لنا سوى أن ننزل له القبعة احتراما له وهو وراء الأسوار، انطلاقا من قناعة "تفضيل من هم وراء أسوار السجن الأصغر على كل من هم وراء أسوار السجن الأكبر أو المنفى" ولهذا سمي النشطاء العشرة المسجونون بـ (العشرة الفضلاء).
أما الذي اتهمني بأني قلت عن نزار أنه "عميل مخابراتي" فهو لم يستند إلى أية وثيقة مكتوبة، وقد غدا معروفا أن الرجل يكتب بتوجيهات رسمية، ويبدو يومها أن التوجيهات المخابراتية، كانت تتطلب أن يتم التسويق على لساني هذه الاتهامات لنزار.


 

* كيف كان شعورك عندما دخل الأمريكان بغداد؟

- ذهول ونحيب يشق الصدر وهتاف مرير يتردد في الداخل، ألم نقل لكم عودوا إلى شعبكم فصالحوه ليدافع عن وطنه...!؟


 

* وشعورك عندما سقط تمثال صدام؟

- شعور بمزيج من الفرح والخيبة لأني كنت أتمنى ان يكون هذا السقوط بيد العراقيين لا بيد الأمريكان.


 

* كيف ترى مستقبل العراق؟

- أوافق على توصيف وتشخيص (ابن العم) رياض الترك بان العراق اليوم عاد إلى نقطة الصفر، والصفر يمكن ان ينفتح على العد التنازلي وهو ما كان قائما، وليس هناك أسوأ مما كان قائما سوى الحرب الأهلية التي تخطى - لحسن الحظ- الشعب العراقي احتمالها، بينما يمكن ان ينفتح الصفر على العد التصاعدي أي على المحتمل الأفضل، في حين لم يكن في عهد النظام السابق أي محتمل سوى المزيد من الخراب، بينما اليوم ينفتح الباب على مستقبل محتمل مفتوح، ونحن نتمناه أن يكون مستقبل الحرية والديموقراطية الذي يصبو إليه الشعب العراقي والعربي.


 

* هل تعتقد بأن سقوط النظام العراقي وما جرى مؤخرا من تعيين رئيس جديد وحكومة جديدة يساهم في تغيير الأوضاع في سورية؟

- من السذاجة أن لا نعتقد ذلك، ولذا علينا أن (نتسابق إلى الخيرات)، خيرات المصالحة الوطنية، ووقف العمل بحالة الطوارئ والأحكام العرفية، والمبادرة الفورية إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وعودة المنفيين، وفتح الحوار الجدي مع المعارضة في الداخل والخارج، ولعل حكم البراءة الذي (منحتني) إياه المحكمة العسكرية أن يكون مؤشرا –بغض النظر عن دوافعه- لهذا الخيار، خيار المصالحة والمسالمة والموادعة والانفتاح على الآخر، وانتصار العقل البارد، وتعميم هذا الحكم على الجميع لتبرئة كل المعتقلين وإطلاق سراحهم وسراح المجتمع بمجموعه.
فليس في سوريا من لا يزال يؤمن و يدعو إلى المبارزة والمجابهة والمقارعة والمصارعة والمصاولة سوى السلطة، إذ أن الحركة الديموقراطية بكل تياراتها، بما فيها التي تورطت في أعمال العنف كالإخوان المسلمين أعلنوا جميعا نبذهم للعنف، وقلب صفحة الماضي، واختيار طريق الإصلاح السلمي طريقا. لقد عادت كل القوى السياسية في سوريا إلى صوابها، وأصبح لزاما على السلطة أن تستعيد صوابها، وإلا ليس من المعقول وفي الفترة التي تدعونا فيها (لجنة الحريات والديموقراطية) الاستشارية المشكلة والمكلفة من القيادة القطرية لحضور اجتماعاتها ومناقشاتها، وفي الآن ذاته يكون القضاء العسكري يعد لنا مذكرة محاكمة عرفية أمام قاضيها العرفي كما حدث معنا.
وإذا كنا لم نستجب لحضور هذه الاجتماعات لتحفظات ستظهرها الورقة المرفقة مع هذا الحوار، لكنا من باب حسن النوايا تجاوبنا كتابة، فعلقنا على الورقة التي قدمها الدكتور أحمد برقاوي أمام اللجنة وأرسلناها كوثيقة ملحقة، ونظرا لكونه قد أعلن نص ورقته ونشرها في (كلنا شركاء) فسننشر تعقيبنا على هذه الورقة، كملحق في خاتمة هذا الحوار. راجع هذا التعقيب في نهاية هذا الحوار.


 

*  بعد إصدار قانون محاسبة سوريا، الذي انتقدته شرائح واسعة من السوريين، وضمن الضغوط الأمريكية كيف ترى – كمفكر سوري وكاتب سياسي ناقد – مستقبل سوريا؟

- إن مستقبل سوريا رهين بعودتها إلى كل أبنائها، وعودة كل أبنائها لها عبر المصالحة الوطنية الشاملة، وإطلاق الحريات الديموقراطية العامة، وليس عبر (التكتكات والشطارات) من فوق الطاولة أو تحتها، مع هذا الفصيل الوطني أو ذاك، عندها لا خوف على سوريا، ولا خوف علينا ولا نحن سنحزن كما حزن أهلنا في العراق...!