أمـيـركـانـيـو" سـوريـا الـيـوم: ثـلاث فـئـات...

 ياسين الحاج صالح .... النهار

 

قد يكون الموضوع الاكثر تداولاً في مناقشات السوريين المهتمين بالشؤون العامة والأشد إثارة للانفعال في الوقت نفسه هو الموضوع الاميركي، اي الموقف من جملة السياسات والخطط والمشاريع الاميركية الخاصة بـ"تغيير الانظمة" والاصلاح ومحاربة الارهاب في "الشرق الاوسط". يشير هذا الحضور المتزايد لما نسميه "المسألة الاميركية" الى أن الطرف الاميركي أمسى بالفعل شأناً داخلياً سورياً (بصورة مفارقة، هذا هو مغزى التوكيد المتفاوت النبرة من قبل من سنسميهم "الاميركانيين" على أن التغيير لا يأتي الا من الخارج). من جهة اخرى يدل تحول الموقف من الشيء الاميركي الى موضوع خلافي بين السوريين على تفكك الاجماع السياسي والايديولوجي حول مناهضة السياسة الاميركية الذي ميز النخب السورية جميعاً على اختلاف مرجعياتها طوال قرابة خمسين عاماً.
تُطرح المسألة بصيغ مختلفة: هل يريد الاميركيون تغيير الانظمة العربية جدياً؟ وهل هم جادون في دفع التغيير او الاصلاح في اتجاه ديموقراطي؟ هل للسوريين مصلحة في الضغوط والعقوبات الاميركية على نظام حكمهم؟ وتتوزع المواقف قطبياً بين من يرون أن إصلاح أنظمتنا بات مصلحة اميركية بعد 11 ايلول ومن يرى أن الهدف الاميركي من وراء الكلام على الاصلاح والديموقراطية هو المزيد من إخضاع النظم العربية للأجندة الاميركية، وان اميركا مستعدة للتضحية بقضايا حقوق الانسان والديموقراطية مقابل ثمن سياسي. ومن الطبيعي ان يقوّم الاولون الاداء الاميركي في العراق تقويماً ايجابياً فيما يميل الاخيرون الى منحه درجات متدنية. واللافت في الواقع ان السؤال الثالث أعلاه، السؤال السوري، لا يقوم بدور مهم في السجال.
في النتيجة أضحت الولايات المتحدة المحور الابرز للانقسام وتوزع المواقف في سجالات تتسم دائماً بالانفعال والهوى والحدة. واذ هي في الغالب لا تترك مجالاً لغير موقف التأييد المتحمس او العداء المتشدد فإنها تذكّر بالهوى العنيف الذي كانت تتلون به النقاشات حول الاتحاد السوفياتي حتى قرابة عقدين خليا من السنين. فكأن اميركا وسياساتها وخططها وقوتها مجرد منبع جديد للعزم في سجال عقائدي قديم (ينبغي تقصي اصوله وتجلياته). وما يقوي الشعور بسبق الرؤية (deja vu بحسب التعبير الفرنسي) هو ان أكثر اميركانيينا اليوم هم من سوفياتيي الامس.
عينة نموذجية
من أجل تقديم مثال على النزعة الاميركانية نورد ما قاله سجين شيوعي سابق في تدخل له في منتدى جمال الأتاسي في 18 نيسان الماضي: "أعتقد ان الاصلاح في المنطقة لن يكون الا من الخارج لأن الازمة لدينا ليست أزمة سياسية فقط وليست ازمة ثقافية فقط وانما ازمة مجتمعية بالكامل". ولا يترك كلام السجين السياسي السابق لبسا في المقصود بالخارج: "هل لديكم مشروع آخر غير المشروع الاميركي الآن"؟
ويرى المتكلم ذاته ان ثقافتنا هي "ثقافة القتل" و"ثقافة الكره" و"التفريق بين العربي والعجمي"، وان "عجزنا الذاتي يدفعنا الى اختراع اعداء وهميين" ويجعلنا نظن ان "العالم كله يتآمر علينا"، الامر الذي ربما يفسر "علاقة المنطقة المتوترة بالعالم كله وليس بأميركا واسرائيل" وحدهما. ولا ينسى أن ينصح مستمعيه (قرابة مئتين من خلفيات يسارية وقومية عربية) بالكف عن "ترديد قصائد عفا عليها الزمن والبكاء على الاطلال". والهيكلة العامة لمقاربة المتكلم ثقافية وليست سياسية (ديكتاتورية وغياب الديموقراطية)، وهو يقارب الديموقراطية ذاتها وحقوق الانسان من زاوية كونهما "قيمتان عالميتان"، اي يساجل ضد الخصوصية اكثر مما ضد الديكتاتورية.
هذه عينة نموذجية عن الخطاب الاميركاني السوري. فالتنقل بين الاصولية والديكتاتورية والمزج بين تشخيص ثقافوي وآخر سياسي، ومواصلة التقليد اللينيني الخاص بنقل الوعي من الخارج عبر التركيز على خارجية الاصلاح، ثم النبرة النضالية المتيقنة من صوابها الذاتي... كلها من السمات المميزة للعقيدة الاميركانية: "اميركا هي الحل" (على غرار ما قيل يوماً: "الاشتراكية هي الحل"، وفي يوم تال: "الاسلام هو الحل"). هذا الطابع الاعتقادي يجعل منها مجرد تناسخ للعقيدة الشيوعية الموالية للسوفيات بتعصبها واستسلامها للهوى وانتحالها قيم العلم وانفتاح الذهن والتحرر من المسبقات. لكن الأهم أنها تخلط بين تسويغ للاميركانية بثمرتها الديموقراطية المأمولة وتشخيص ثقافوي لاحوال المجتمعات العربية المعاصرة. فالمشكلة هي الاصولية و"الذهنية العربية" و"ثقافة القتل" وليس الديكتاتورية، مع ميل ثابت الى اشتقاق هذه من تلكم. هذا الاشتقاق سمة مميزة وموحدة للاميركانيين السوريين، وربما لنظرائهم العرب.
ونرجح أن تحول الاميركانية السريع الى عقيدة يعكس ضيق قاعدتها الاجتماعية من جهة وفقرها الفكري وضحالتها النظرية من جهة اخرى. لكنه يأتي بالطبع على أرضية ثقافتنا المعاصرة التي أظهرت على الدوام ضعفاً خطيراً حيال كل انواع العقائد والمتاجرين بالعقائد، بما فيها العقيدة المعادية عداء مطلقاً لاميركا. ولا تختلف الاميركانية عن سابقاتها وعن طباقها اللااميركاني في كونها كفناً للعقل. فحماستها غير النقدية للاميركيين وذاكرتها الانتقائية والقصيرة في آن واحد (شيمة العقائد الشمولية جميعاً) تتعارضان جذرياً مع استقلال الضمير والعقل النقدي، وهي بهذا المعنى بمثابة طور جديد من "خيانة المثقفين" لقيم النقد والمعرفة الموضوعية واستقلال الحقيقة. خيانة لأن المثقف بحكم تكوينه وتعريفه لا يستطيع ان يعارض السلطة الديكتاتورية دون أن يعارض اولاً السلطة المطلقة في مجاله، اعني السلطة العقائدية بصفتها ديكتاتورية في مجال الثقافة او نظام حزب فكري او ثقافي واحد.
على أننا نرجح في الواقع ان تكون العقيدة الاميركانية اقل عمراً من غيرها لأنها تفتقر منذ الآن الى الاستقامة، وتتكتّم، منذ الآن ايضاً، على جوانب واسعة من الواقع. ومن غير المفاجئ اننا لا نجد لانصار هذه العقيدة نصاً تحليلياً واحداً ذات قيمة علمية حول السياسة الاميركية ودورها التغييري المفترض. إن نقطة قوتها الوحيدة هي ازمة النظم العقائدية الاخرى.
بيد ان ما يستحق اهتماماً اكبر ليس مضمون العقيدة الاميركانية بل بالاحرى تحليل المسألة الاميركية ومحاولة كشف شروط امكانها (الأهم بإطلاق طبعاً هو القوة الاميركية ذاتها وهيمنتها على مصير بلادنا ومجتمعاتنا، لكن العقيدة الاميركانية ليست المدخل المناسب للنظر فيها). ونقتصر هنا على الشروط السياسية والاجتماعية تاركين الاصول الفكرية للاميركانية لتناول مستقل.
لحظة وقعت هجمات 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة كانت أجهزة الأمن السورية تهيئ نفسها لاعتقال آخر اثنين من معتقلي ربيع دمشق العشرة. قد يكون التواقت عارضاً غير ان دلالته مهمة. فقد تزامن إجهاض الاجواء الايجابية النسبية التي ميزت العام الاول من عهد ما بعد 10 حزيران 2000 مع بدء ما سيتبين انه تغير عميق في البيئة الدولية والاقليمية أخذت رياحه تهب على سوريا ذاتها بعد وقت قصير. كان العالم يتحرك حين انتصر السكون في سوريا، وكان يتغير بعنف حين عاد "الاستقرار" العنيف يخيم على الاجواء السورية.
السنوات الثلاث المنصرمة هي سنوات الركود السياسي والجمود الاقتصادي واشتداد الفساد وسيطرته على الدولة. وهي ايضاً سنوات اعتقال وقمع يصمد للمقارنة مع ما جرى في السنوات الاربع الاولى من سلطة الرئيس حافظ الاسد، بل يتفوق. وهي سنوات عودة مناخات القطيعة وعدم الثقة بين نخبة السلطة وقطاعات تتسع من السوريين.
في الوقت نفسه لم تستطع ما اصطلحنا على تسميتها الحركة الديموقراطية السورية تحقيق اختراق سياسي مهم. فلا هي انتزعت مساحة حرة وآمنة للعمل العام، ولا هي نجحت في التواصل مع فئات أوسع من المجتمع السوري. وهي فوق ذلك عرضة للنهش من وقت لآخر من قبل أجهزة السلطة على شكل اعتقالات ومحاكمات واشكال مختلفة من التضييق دون أن تتمكن من تطوير صيغ احتجاج فاعلة. وهو ما ينعكس عليها بصورة متزايدة ضعفاً وتفككاً.
يمتزج في الحال السورية اليوم انغلاق سياسي يزداد إحكاماً مع ضعف وشلل في الحراك المعارض. وفي ظل هذا الوضع يبدو أن الحزب الذي ينمو ويتوسع اكثر من غيره هو "الحزب الاميركاني". وقد يرصد المرء درجة من التشابه بين اللجوء السياسي لقطاعات من السوريين الى الله (نمو الحزب الاسلامي) في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين واللجوء المناظر اليوم الى الاميركيين.
وفقاً لاختلاف صورة اميركا ودورها المفترض يمكن التمييز بين نوعين او ثلاثة من الاميركانية.
ثمة اولاً الاميركانية الشعبية التي تقول: فليأت بوش او الشيطان لكي نتخلص من هؤلاء الكذا وكيت. هذه الاميركانية سياسية (وليست ثقافية) الدوافع، وقد تحول سند هذه الرغبة بالخلاص الى اميركا في نوع من إغلاظ الموقف من السلطة الموصوفة بأنها كذا وكيت، وكذلك تعبيراً عن إدراك شعبي بأن اميركا قوة واقعية قادرة على التخليص. الاميركانية الشعبية احتجاجية ترفض شيئاً أكثر مما تدعو لاميركا، لكنها تسند رفضها الى القوة الاقدر على ترجمة رغبتها بالخلاص الى واقع. اميركا هنا ابغض الملاذ.
اما الاميركانية العليا او العالمة فتسند دعاواها الى كوكتيل نظري مميز: نظرية حول التاريخ والحضارة والتقدم، ونظرية حول وحدة العالم وتحوله الى "قرية صغيرة"، ونظرية ثالثة حول تجانس داخلنا التام وعقمه سواء أسندت التجانس والعقم الى النظم الحاكمة الديكتاتورية او الى الاسلام او الثقافة العربية، ونظرية رابعة حول سجل اميركا الايجابي في القضاء على الديكتاتوريات والدفع نحو الديموقراطية. وهذا الصنف من الاميركانية هو الذي تصدر عنه العينة التي تناولناها أعلاه وهو الذي يستحق ان يوصف بالاميركانية العقائدية. وما نجده هنا هو صورة اميركا المحرِّرة، اميركا قاطرة التاريخ.
الصنف الثالث من الاميركانية هو الاميركانية الاقتصادية. الامر يتعلق هنا بطبقة من الاثرياء الذين "لا وطن لهم" والذي يرجّح أن تتعزز مصالحهم بدلاً من أن تتضرر بالالتحاق بالاميركيين وهؤلاء هم الذين يتمنون طي صفحة الصراع العربي الاسرائيلي ويتلهفون للانفتاح والخصخصة. والارجح ان مركز ثقل اميركانيي هذا الصنف يقع في اوساط جيل الابناء (بين الثلاثين والاربعين من اعمارهم) من طبقة السلطة، الجيل الذي يدخل الآن السوق ويودع الكتلة الاكبر من ارصدته في المصارف الاجنبية ويدعو للاصلاح الاقتصادي. غير ان هذا الصنف يختلف عن سابقيه في كونه اوثق صلة بالمرحلة الراهنة من تطور نظام الحزب الواحد (بلوغ جيل الابناء سن التجارة والملايين) منه بتفاعل التعفن الداخلي والاقتحامية الاميركية.
وتختلف القاعدة الاجتماعية للاميركانية اختلافاً بيّناً بحسب نوعها. فبينما هي طبقة رجال الاعمال الجدد الذين بات الاقتصاد الاوامري البيروقراطي يقيد مشاريعهم في حالة الاميركانية الاقتصادية، فإنها في حالة الاميركانية الشعبية جمهور مديني من الطبقات الدنيا التي يرجح الا "تخسر شيئاً غير اغلالها". اما الاميركانية العاملة فهي مذهب مجموعات متفاوتة الاصول تشترك في الخشية من الاصولية. ويحتل نشطاء أكراد موقعاً مميزاً ضمن هذا الصنف بالنظر الى ان مصدر قلقهم ليس الاصولية الاسلامية بل العروبية المطلقة من النموذج البعثي.
في ختام هذا المقال التخطيطي قد نشير الى ان الشرط الاعمق للاميركانية بكل تنويعاتها هو الشعور العميق بفقدان الكرامة الفردية والجمعية. إن افتقارنا للكثافة النفسية وافتقار تنظيماتنا السياسية والاجتماعية الى الثقل الذاتي يدفعها الى الدوران في مدارات الآخرين