يـوم لمناسبة يوم المعتقل السياسي السوري ....

 ياسين الحاج صالح .. النهار

 

الواقع فيه 21 حزيران والموافق ذكرى اعتقال عماد شيحة القابع في السجون منذ 29 عاما، دعا العديد من الاحزاب السياسية المعارضة وجمعيات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان الى اعتصام سلمي في ساحة عرنوس في قلب العاصمة السورية، للمطالبة بطي ملف الاعتقال السياسي والافراج عن المعتقلين السياسيين السوريين والفلسطينيين واللبنانيين والاردنيين وغيرهم، الموجودين في السجون السورية. وهذا الاعتصام هو الثاني من نوعه في دمشق بعد ذلك الذي جرى في الثامن من آذار امام البرلمان السوري واعتقل على اثره اكثم نعيسة الناطق باسم لجان الدفاع عن حقوق الانسان في سوريا. وعلى الرغم من تفريق المحتشدين ومنعهم من الوصول الى ساحة عرنوس والتعرض بالضرب لبعضهم واعتقال البعض الآخر ساعات عدة، يمكن القول ان هذا الاعتصام مر بسلام ونجح في القاء الاضواء على ملف انساني وحقوقي وسياسي لم يعد يسمح طابعه المأسوي الملح بتركه طي النسيان.

م.ع.ا

تـرويــض الـوحــش

يـاسـيـن الـحـاج صـالـح

إلى روح الصديق المرحوم هيثم الخوجة

بعد سبعة عشر عاما من غيابه

هل يمكن السجن أن يكون نمط حياة؟

لقد كان بالفعل. فقد عاش في سجون بلدنا ألوف الناس بل عشرات الألوف. لم يختاروا هذه الحياة لكنهم عاشوها. عاشوها لأنه لم يكن لهم خيار آخر، ولأنهم لم يكونوا يعرفون ماذا يفعلون في السجن سوى أن يبقوا على قيد الحياة. عاشوا ما استطاعوا، وسرقت منهم تلك الحياة حيث أراد سجانوهم أو حيث خذلتهم اجسادهم. فالأجساد هي التي دوّنت عليها التسلط ملحمة نصره المبين، وعليها أيضا سطّر سيطرته وجبروته العنيف، لكن الفارغ.

 

تجربة وطنية

السجن نمط حياة إجباري وخبرة مشتركة لعشرات الالوف من السوريين. إن امتداده الزمني الطويل و"قاعدته الاجتماعية" العريضة يجعلان منه تجربة وطنية بالفعل. وللأسف لا تزال هذه التجربة شبه بكماء. إن إضاءتها من جوانبها المختلفة ضرورية من اجل إعادة بناء الذاكرة الوطنية وتحريرها من مكبوت ثقيل، لكن كذلك من أجل تأسيس الثقافة الديموقراطية والسياسة الديموقراطية في سوريا. وليتنا نتمكن من إطلاق مشروع نشر حول السجن السوري: دراسات وكتب وشهادات ووثائق ومذكرات. سيسدي ذلك خدمة لا تقدّر بثمن لقضية الحرية في البلد.

 

ذئب الوقت

تخطيطيا، ينقسم السجناء صنفين من حيث تعاملهم مع السجن. يلجأ الصنف الأول إلى "قتل الوقت" بما قد يتاح من وسائل التسلية (أتحدث عن غير سجن تدمر وعن غير السجناء الإسلاميين). والسجين من هذا الصنف يرفض الاعتراف بالسجن، يرفض المصالحة معه وإعطاءه أي معنى. الحبس هنا زمن ضائع، مهدور، يتحمله السجين تحملا سلبيا ويتحين لحظة الخلاص. يعمد الصنف الآخر في المقابل إلى ترويض الوقت، يحاولون تدشين بداية جديدة وفتح سجل اكتساب جديد في السجن. فبذلك يدمج السجين تجربة السجن في مخطط حياته ويمنحها معنى كان يمكن أن تفتقر إليه، وبذلك أيضا يوسع من فسحة حريته، حتى وهو "وراء القضبان". وأهم طرق ترويض الوقت الكتب والأقلام ووسائل التعلم بصورة عامة.

هذا التصنيف تخطيطي جدا بالطبع، وهو يغفل حالات بينية عديدة.

السجن وحش، ولا يمكن المرء أن يعايشه إلا إذا روضه وسيطر عليه. وفي حين قد يلعب التكوين الشخصي  دورا حاسما في ترويض الوحش في بعض الظروف، مثلا رياض الترك كما صوره لمحمد علي الأتاسي في فيلم "ابن العم"، فإن هناك عوامل مساعدة في سجون أخرى أقل قسوة. ففي عدرا وصيدنايا والمسلمية في حلب تتوافر للسجين، بعد زمن يطول أو يقصر، أدوات تعينه على ترويض الوحش، بينما لا شك أنه بحاجة لاستنفار كل طاقته الروحية والجسدية إن ابتلي بسجن تدمر أو فرع التحقيق العسكري.

 

نسيان السجن

كيف يعيش الناس في السجن؟ لا يمكن اجابة كاتب هذه السطور إلا أن تتأثر بتجربته الشخصية سجينا. وهي تجربة لا تنتمي إلى الأسوأ والأقسى بين تجارب السوريين كسجناء.

نعيش بفضل قدرتنا على نسيان أننا سجناء. ونقدر على النسيان إذا أتيحت لنا وسائل إنساء فعالة من جهة، وإذا تيسر لنا تذكر دوري منتظم يعفينا من غزوات الذكرى المفاجئة من جهة اخرى. كلا الأمرين تيسرا لي طوال معظم الفترة التي أمضيتها سجينا.

تتعدد أدوات النسيان وتختلف باختلاف السجناء. أهمها، كما ذكرت، الكتب. أما شُغْل الخرز ولوحات النحاس على الخشب وصنع المسابح من نوى التمر او الزيتون... أو لعب الشطرنج أو الورق أو طاولة الزهر (قد تتيسر لبعض السجناء السياسيين في بعض الأوقات في بعض السجون)، فهي "تقتل" الوقت، لكنها، خلافا للكتب، لا تغير الإنسان. بالطبع يجمع سجناء كثيرون بين نوعي النشاط، يقرأون أو يتعلمون لغات أجنبية ويصنعون لوحات ومسابح. إن نسبة متعلمي لغة أجنبية واحدة أو أكثر بين السجناء السياسيين من غير نزلاء تدمر أكبر من نسبتها في أي وسط سوري آخر. فالسجن ملائم للقراءات الكثيفة الوقت، قراءات الصبر إن جاز التعبير: الكتب الضخمة المتعددة المجلدات ("قصة الحضارة" مثلا)، المؤلفات الأساسية في مجال علمي محدد، جملة آثار مفكر أو فيلسوف: هيغل، فرويد، عبدالله العروي، سميرة امين إلخ، من باب ذكر بعض الأسماء التي توافرت لنا أعمال مهمة لهم أو عنهم.

 

مديح الكتب

ميزة الكتب عن غيرها من أدوات النسيان انها لا تتعامل مع الوقت كعدو ينبغي قتله كما ربما يفعل شغل الخرز أو النحاس (حين لا يكون فنا، وهي الحال الغالبة)، إنها تجعله رفيقا نستأنس به، وأحيانا صديقا نطلبه، بل ربما نشعر بندرته.

الكتب تضاعف الحياة، تمنحنا حياة فوق حياتنا وصحبة مختلفة. وفي هذه الحياة المضافة نحن أحرار، ومع هؤلاء الأصحاب نتخفف من الابتذال الذي يغمر، حتما، علاقتنا برفقاء السجن.

لكن الشيء الأهم أن الكتب تغيرنا، تمنحنا أنفسنا، تعيد تشكيلنا، تجدد أرواحنا، وهو ما يساعد في الحفاظ على عافيتنا الجسدية بالذات.

الكتب شهرزاد تحكي قصتها كل يوم لشهريار الوقت من أجل إرجاء الموت، لكن مع كل حكاية ومع كل فكرة تتقلم براثن الملك الوحش، ويغدو حليفا للحياة.

 

الزيارة

زيارة السجين قبل ان تكون حقا له ولأهله هي مناسبة لتنظيم جريان الزمن وضبط تدفقه. إنها مثل العيد: وتد تربط إليه خيمة الزمن لتحمينا من تدفقه العاصف. وهي أيضا تخلخل ركود الحياة في السجن وتحافظ على شيء من نضارتها، على شيء من هواء الحرية. الزيارة طعْم يمنح مناعة ضد الفجأة والصدمة. يختلف أمر السجين المُطعَّم الذي يرى أهله دوريا، ولو كل عام، عن السجين الذي يراهم بإيقاع غير دوري. فالمفاجأة تزلزل وقد تقتل. للأسف هذه حال معظم نزلاء سجن العار: تدمر. لقد قضى شبان دون العشرين او فوقها بقليل ما يعادل أعمارهم ويزيد في ذلك السجن القاتل، من دون زيارات ومن دون أن يعلم اهاليهم إن كانوا احياء ام نالوا رحمة الموت. لقد أمضي وقت بشع على هذه البلاد كانت فيه المتاجرة بمعلومة حول حياة ابن أو زوج تغمده سجن تدمر تباع بمئات ألوف الليرات وبحلى أمهات السجناء وزوجاتهم. لا أعرف جريمة اكبر من هذه الجريمة، ولا حتى إعدام ألوف بأحكام صادرة عن قضاة معدومي الضمير في محاكم ميدانية.

الزيارات الدورية نوافذ اتصال وتبادل للمعلومات والعواطف والمال تضمن درجة من معاصرة السجين العالم الخارجي. حين تفتح هذه النوافذ كل اسبوع او اسبوعين او شهر... فإنها تسمح بخروج الزمن المتراكم في الداخل وإدخال زمن طازج، تساعد في بدايات جديدة، وتسرع انسياب الزمن حتى موعد الزيارة المقبلة. في الزيارة يجلب الأهل أخبارا تسمح لنا بالتحرر من عالم السجن الضيق: أخوك تزوج وانضم شخص جديد الى العائلة لا يلبث أن يزورك. صديقك فلان تخرج من الجامعة وهو يسلّم عليك، لكن أيضا فلان لم يعد يزورنا أبدا، والأسوأ: أمك ماتت او فلانة (صديقتك أو خطيبتك) تزوجت.

 

سجناء الأمل

غير أن الزيارة نافذة لشيء آخر بالنسبة لألوف السجناء الموقوفين عرفيا، اي للأكثرية الساحقة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين لم توجه اليهم تهم محددة ولم يعرفوا متى يفرج عنهم: هذا الشيء هو أخبار عن إفراج قريب. لم يمر شهر من دون خبر عن قرب الإفراج عنا: لمناسبة ذكرى "الحركة التصحيحية" أو "8 آذار" أو رأس السنة أو عيد الأضحى أو عيد الفطر، أو حتى بدون مناسبة. هذا الأخبار التي كانت تنسب عادة الى"مصادر موثوق بها" يشيعها في الواقع طرفان متعارضان: أجهزة الأمن و... آمال الاهالي. ولم يكن نادرا أن يعلل سجين اهله بقرب الإفراج عنه ليعود التعليل خبرا أكيدا في الزيارة المقبلة!

جميع المعتقلين السياسيين في سوريا موقوفون عرفيون عمليا. إذ حتى بعدما أحيل المعتقلون إلى محكمة أمن الدولة (الإسلاميون على محاكم ميدانية في الغالب)، وبعدما صدرت الأحكام، فقد ندر أن أفرج عن المعتقلين وقت إنهاء أحكامهم. إن شهورا أو عاما او عامين أو ثلاثة فوق سنوات الحكم امر مألوف بالنسبة للشيوعيين، وهو القاعدة المستقرة في حال الإسلاميين الذين لم يعدموا (عددهم غير معروف، لكنه بالآلاف).

قد يكون التعلل المستمر بقرب الخروج من السجن مدمرا. فهو يسدي خدمة سيئة للسجين: إنه يقلل من قدرته على الاعتراف بسجنه وإصلاحه، على دمج الحبس بصورة عضوية في حياته، ويبقيه في حال انتقالية مديدة، قلقا وغير مستقر. وهذا يضعف من قدرة السجين على التكيف والعمل. وهكذا يضاعف التعلل السجن ولا يخففه: سجن الآمال الكاذبة والسجن الذي نتعلل بقرب الخروج منه. ولذلك قد تكون القاعدة الذهبية للسجن العرفي: اعمل لسجنك كأنك مسجون أبداً، واعمل لحريتك كأنك خارج غدا!    

 

وارد الحب

في الزيارة أيضا يجلب الأهل طعاما ومالا وألبسة وأشياء "محروفة": حلويات، موالح، ورود... تلك الأشياء التي يسر بها السجناء كالأطفال، ربما لأن طاقتها (وهي الكماليات) على حمل الحب أكبر من طاقة الطعام والمال، ربما لأنه ليس سوى الحب يفطن إلى جلبها. هذه الأشياء وارد عاطفي  يعين على تحمل السجن، لكنها كذلك تصون كرامة السجين. فمهما تكن علاقات السجناء تكافلية، فإن السجين المحدود الموارد يحتل موقعا أضعف من سجين جيد الموارد. لا أقول إن مكانة السجين تتحدد بهذا العامل وحده. فالحقيقة أن جو السجناء السياسيين يتميز بدرجة جيدة، وأحيانا ممتازة، من التضامن وصون كرامة الجميع على تفاوت إمكاناتهم.

 

الحق في الحميمية

قد يكون أسوأ ما في السجن أن عيوبنا ونواقصنا تنكشف بسهولة وسرعة خلافا لما هي الحال في العالم الخارجي. فالكذاب "يحترق" خلال ايام او اسابيع، والشره ينكشف في أول وجبة طعام، والجبان يفتضح أمره عند أول امتحان، ولا يستطيع البخيل أن يدراي بخله طويلا، اما المتقلب المزاج فسرعان ما يحول حياة زملائه جحيماً.

يقوض السجن حقا اساسيا لكل إنسان: حقه في تقديم الصورة التي يحبها عن نفسه، حقه في تجنب امتحان دائم يكشف عيوبه وتوازناته الداخلية القلقة أو المفقودة; وفي الجوهر حقه في الحميمية، في ألا يكون معروضا امام عيون الناس 24 ساعة كل يوم، مهما أمكن هذه العيون ان تكون متعاطفة ومعروضة هي بدروها لتفحص لا يرحم. من يحب ان تكون غرفة نومه معروضة لعيون المارة في الشارع؟ لا أسرار في السجن، إنه المكان الذي نفقد فيه حميميتنا جذريا، وإننا في حالة انكشاف تام ليل نهار.

هل ما يكشفه السجن عنا هو حقيقتنا، هو ذواتنا الحقيقية؟ أبدا، فالسجن شرط غير سوي وغير إنساني، وهو يدفع إلى تقوية ميول ونوازع كان يمكن أن نعيش ونموت من دون ان تظهر أو تهيمن في تكون كل واحد منا. إن "التجربة المكونة" لكل معتقل، وهي تجربة تعذيب أساسا، أعني "التحقيق"، تتحكم إلى حد بعيد بوضعه في السجن. وكثيرا ما تكون المسافة بين من "صمد" ومن "انهار" شعرة. وفي بلد يحكمه الاعتباط مثل بلدنا قد يحسم الحظ أو الصدفة أو "الواسطة" (حتى هنا!) سلوك المعتقل في هذه التجربة، وبالتالي مصيره سجينا وإنسانا.

ليس التحقيق هو العامل الوحيد، لكنه العامل الفرد الأكثر تأثيرا على سير المعتقل في السجن.

إن فرصة بروز قدرات وخصال إيجابية لدى الذي يخرج من التحقيق من دون خسائر أو بأقلها أكبر بكثير مما لدى من يخرج من هذه التجربة بكثير من الخسائر أو محطماً. ورغم أن تجربة التحقيق قد لا تلعب دورا حاسما في العلاقة بين السجناء أنفسهم (خصوصا إن لم يتعمد السجين إخفاء الحقيقة لزملائه) فإنها تلعب بالتأكيد دورا حاسما في علاقته بنفسه.

في حالات قصوى ينقلب السجين ضد رفاقه، بل ينضم إلى جلاديهم. وليس عادلا ولا هو صحيح أن نقول إن هذا هو معدنه الحقيقي.

 

صنع الحميمية

بيد أن السجن ليس مجرد مكان أو شرط لاستهلاك الحميمية، ليس محض معرض دائم للهشاشة. يمكن في السجن أن تصنع الحميمية وأن نتدبر امر هشاشتنا أو "ضعفنا البشري" ليتحول "قوة إنسانية" حقيقية (ضعف بشري وقوة إنسانية: تعبيران لسجين كان مصابا بحالة بارانويا حادة). إن الحميمية البرانية إن جاز التعبير تتلاشى بسرعة. فنحن نغيّر ثيابنا على مرأى من الآخرين، ونشخر على مسمع منهم، ونحزن ونغضب ونحرن وربما نبكي أمامهم. إنهم يروننا ونراهم في أوضاع واحوال لا نحب عادة أن نُرى فيها.

لكن قد نكتسب حميمية جوانية، حميمية أو مجالا شخصيا يقيم في داخلنا، أعني الاستقلال الذاتي أو الذات الحرة التي لا تنتهك.

الاستقلال والحرية في السجن؟ بالتأكيد. إذ قد يتبين للمرء أنه كان عبدا وهو طليق: عبد للعقيدة أو للحزب أو للسلطة... وقد لا يحوز شعورا بالحرية إلا وهو سجين. بل إن التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنى لنا أن نجعل منه مجالا للتحرر من سجون اخرى أشد فتكا، من عبوديات وقيود ومطلقات أسوأ من السجن ألف مرة. أعتقد ان هذه تجربة ثقافية وروحية لم نعشها على نطاق واسع في مجتمعنا وثقافتنا، ولعلنا لا نحتاج إلى تجربة أخرى أكثر منها: إنها تجربة الحرية، التجربة التي سنخسر أي حريات سياسية قد نكسبها إن لم نخبرها (التجربة) ونتملكها  ثقافيا. وهي ايضا التجربة التي من شأنها أن تنقذ تديننا وفكرنا السياسي وآدابنا وفنوننا من التخشب والزخرفة.

 

السجن المطلق

لنتخيل السجن من دون زيارات ومن دون كتب وأقلام ومن دون وسائل تسلية ومن دون "أدوات إنتاج" من أي نوع ومن دون تسهيلات داخلية: لوازم مطبخ، موقد كاز ومن دون ماء ساخن... مجرد مكان مغلق لا ينفتح إلا لتلقي الطعام و... لعقاب. هذا هو سجن تدمر: العار السوري الذي لا يمحي. في هذا السجن الزمن لا يمضي. يتراكم فوق السجناء ويخنقهم: ليس هناك أخبار جديدة، لا طعام شهي، لا زاد عاطفي، لا حركة من أي نوع. هذا زمن آسن، متجانس، أبدية لا فوارق فيها ولا مسام لها. هذه الحال القصوى تطابق المفهوم المثالي للسجن: المكان المغلق الذي لا تغير فيه، لا يدخل إليه ولا يخرج منه الزمن. كل السجون تشارك في هذا النموذج المثالي للسجن، ولعله في الوقت نفسه المثل الأعلى الذي حلم به كل الطغاة. لكن سجن تدمر يكاد يطابق المثل الأعلى. وإذا كان لا يطابقه تماما فبعض الفضل للفساد. ورغم ان رؤساء سجن تدمر كانوا من الموثوق بهم في النظام دائما (في النظر إلى أن ذلك السجن هو المختبر الذي كان يصنع فيه "أصنص" علاقة السلطة في البلاد، العلاقة بين السلطة والمجتمع في أنقى حالاتها وأطهرها من الشوائب، مصنع الأبدية الحقيقي، بالضبط "الدستور") فقد أثبت بعض أولئك الرجال الأوفياء أنهم يوزعون ولاءهم، حيثما استطاعوا، بين سلطة يدينون لها بمناصبهم ومال لا يشبعون منه ابدا. (الفساد مشكلة كارثية في سوريا لأنه حل. ولأنه حل فقد بات نمط حياة ونظام حكم وشرعة أخلاقية. هذا طريق الكارثة والدمار الذي يجرف البلاد بلا توقف).

 

السجن والزمن

كل السجون تمنع الزمن من الانصرام، لكن هناك فوارق: في المسلمية بحلب او عدرا في دمشق (وقد تشرفت بتمضية 15 عاما فيهما) وربما في صيدنايا في دمشق أيضا، ينصرف الزمان بإيقاع يتناسب طردا مع تواتر الزيارات وتوافر "وسائل الإنتاج" والتسلية والمعيشة. إذا قلنا إن الحال القصوى السلبية هي "مصنع التأبيد" التدمري، حيث لا زمن أو حيث تجمد زمن كل سجين عند لحظة دخوله السجن، والحال القصوى الإيجابية هي الحياة خارج السجن حيث تزامن حياة كل منا تقريبا حياة عامة مواطنيه، فإن السجون الأخرى تحتل نقاطا في مواقع متقاربة بينهما. نقاط أقرب إلى قطب العالم الخارجي منها إلى قطب تدمر. لقد وقف زمن السجين التدمري، الإسلامي بخاصة، عند لحظة ما من عام 1980 (بعد "التنظيف" الدموي للسجن في 27 حزيران عام 1980)، بينما تحرك زمن سجين المسلمية أو عدرا أو صيدنايا مزامنا بعض الشيء حياة الخارج.

ومن زاوية النظر هذه هناك كثير من الحكمة في الإفراج عن سجناء تدمر على مراحل: نقلهم اولا إلى سجن عادي لاسابيع او شهور ثم الإفراج عنهم. فهذه الفترة ضرورية لمزامنة السجناء أو "تعييرهم" على الزمن العائلي والوطني، وفي الخصوص لحيازة زمن شخصي. وهي ضرورية ايضا لترميمهم جسديا ونفسيا، للتدرب على رفع رؤوسهم ورفع أصواتهم والنظر في عيون الناس حولهم، هذا بالطبع إن لم يكونوا قد تحطموا نهائيا. ورغم اني لم أكد أكمل عاما واحدا في سجن تدمر، فليتني امضيت بعض الوقت في سجن انتقالي قبل الإفراج عني آخر عام 1996. كنت في حاجة لبضع أسابيع في سجن عدرا (الذي أخذت منه إلى تدمر) لاستيعاب تلك السنة بدلا من الشهور الطويلة التي لزمتني لغرض الهضم في الخارج.

 

أزمنة السجن

علاقة السجين بالزمن مركبة ومتناقضة. ففي حين قد يكون القراء منا معاصرين ثقافيا لزمن الخارج، وفي حين قد يتيح لنا الراديو والتلفزيون معاصرة سياسية وغنائية وذوقية معقولة (أمر آخر أن نتعمد نحن الشذوذ عنها أو ان نرفض "التحديث"، كله او بعض جوانبه، الذي تقترحه علينا هذه الوسائل)، فإن أبعادا أخرى من شخصياتنا تكف عن النمو وتتقزم.

هذا ينطبق في صورة خاصة على البعد العاطفي. فالسجن عالم بلا نساء (في سجن النساء: عالم بلا رجال)، بلا علاقات عاطفية، بلا "فتوحات" غرامية، بلا حياة جنسية، بلا أزمات عاطفية حادة...، هذا "النمو غير المتكافىء" ندفع ثمنه بعد الخروج من السجن. وقلما يتاح لنا أن نكبر السنوات العاطفية التي لم نكبرها في السجن بطريقة لطيفة وهادئة. بل إننا جميعا نتبهدل في علاقتنا بالمرأة بعد السجن. بعضنا يتبهدل اكثر، ولكن البهدلة ممر إجباري. ورغم أن النساء امضين وقتا اقل في السجن فإن معاناة كثير من السجينات السابقات أقسى من معاناة نظرائهن الذكور. فكالعادة العنصر الضعيف يدفع اكثر ثمن الأوضاع السيئة.     

هناك ايضا زمن الأجساد، وهذا زمن فيزيائي يتسلل إلى داخل أشد السجون إغلاقا ويحفر آثاره: الشيب والتجاعيد والصلعة، وآلام الظهر وسقوط الأسنان. هذا إن لم يكن التحقيق أو طول المقام قد تسبب للسجين بعاهة دائمة.

وبين الجسد والروح قد يخفت بريق العينين وتتلاشى الضحكة ويكتسي الوجه بتقطيبة دائمة.

 

زمن التذكر

مكان مغلق: زمان راكد. مع ذلك حين ينظر المرء خلفه يشعر ان عشر سنين أو خمس عشرة انقضت بسرعة عجيبة. إن الزمن المعيشي بطيء، أما الزمن المتذكر فسريع جدا. هذا لخلوه من الأحداث الجسام، وربما لخلوه من الاحتفالات (وقد لا تحوز الأحداث جسامتها من غير الاحتفالات). حين يحتفل الأهل بدخول الطفل إلى المدرسة ونجاح المراهق في الشهادة الإعدادية والفتى في البكالوريا فإنهم يعطون الزمن ثقلا وهيبة وامتلاء، وفي الوقت نفسه "يدفشونه" إلى الوراء ليساعدوا الولد في ان يكبر.

كما نحتفل في السجن بالأعياد، بعيدي الاضحى والفطر، وبعيدي الميلاد والفصح، وبعيد رأس السنة، لكن هذه الأعياد لم تخلق لزماننا نحن، ولا تكاد تفيد في تنظيمه. كانت أمهاتنا يستخدمنها لقياس غيابنا: منذ عيدين وهو في السجن، منذ عشرة، منذ عشرين...

كان لكل منا عيده يعّد به السنوات: تاريخ اعتقاله. لكن لم نكن نحتفل به، وأظننا مخطئين في ذلك.

كان التوقيف العرفي قد حرمنا، أعني الأكثرية الساحقة من المعتقلين السياسيين في سوريا، من معرفة كم بقي من حبسنا، من فرصة العد التنازلي. الأسوأ بالطبع، وهذه جريمة بشعة أخرى، أن ينهي السجناء مدد حكمهم ولا يفرج عنهم. يرجعون موقوفين عرفيا، ويعود الزمن مفتوحا.  

 

هيثم الخوجة

عام 1987، وبعد خروجه من السجن بأسابيع قليلة، مات هيثم الخوجة، وهو في الرابعة والثلاثين. كان يعاني في شهور سجنه الأخيرة من اليرقان، لكنه كان مثابرا على العلاج، مرتفع المعنويات، كثير المشاريع كعادته. ولما كان محبا للحلويات، شأن الأدباء جميعا كما كان يقول، فقد تقبل ضرورة الاعتماد على حمية من المربى والسكريات من دون صعوبة.

لم يكن أحد منا يقدر أن حاله الصحية خطرة إلى درجة تهديد حياته. ظننا أنه كسب إفراجا، قبل ان يصلنا بعد ستة اسابيع أن هيثم لم يعد بين الأحياء.

بعد اقل من عام على حبسه، وفي صيف 1981، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "القحط" عن "دار الحداثة" في بيروت. كان سعيدا بها جدا. وكان يخطط لرواية بطلتها ساعة مدينتنا، الرقة، وقد كانت متوقفة على الدوام.

حين خرجت أنا من السجن بعده بتسع سنوات، كانت عقارب الساعة تتحرك أحيانا، وتجمد أحيانا، وتشير إلى غير الوقت الصحيح في أغلب الأحيان n