طوبى لـ"الغرباء الأكراد" الـسوريين

تركي علي الربيعو - القامشلي

 

بشيء من النكاية التي هي احدى العلامات الفارقة للعقل السياسي الكردي، قال لي زميلي الكردي مع بدء العمليات العسكرية التي قادها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لتحرير الكويت :1991 سوف يتزامن القصف الجوي في بدايته مع الحرب البرية، وعندها سألته وانا المؤمن بأن اجتياح الكويت خطأ في الزمان والمكان ألهذه الدرجة انت متحمس لتحرير الكويت فأجاب بعبارة صريحة: كلا انا متحمس لتحرير كردستان؟!

لا يخفي الاكراد السوريون غبطتهم بالزحف الاميركي على بغداد، فمن شأن هذا ان يساهم في تفتيت الدولة العراقية وتذررها وبالتالي التمهيد لقيام دولة كردية في الشمال العراقي، تكون النواة لبناء كردستان الكبرى بحدودها التخيلية التي تميز عمل راسمي الخريطة الكردية. ولذلك ليس غريبا ان يقول الزعيم الكردي جلال طالباني قبل العدوان الاميركي - البريطاني الاخير على العراق والذي انتهى باحتلال بغداد ان هناك اكثر من عشرة آلاف كردي سوري جاهزون لأن يكونوا جزءا من الاجندة الاميركية في حربها على العراق.

وفي رأيي ان طالباني ينطق بواقع الحال الكردي في سوريا المتأثر تماما بأطروحة الاقليم - القاعدة الذي من شأنه ان يكون خطوة في بناء كردستان الكبرى. وهذا يثبت تأثر القوميين الاكراد بالقوميين العرب الذين روجوا بدورهم لاطروحة الاقليم - القاعدة التي تاه نديم البيطار كثيرا في اروقتها، كما ينطق بتبعية الاحزاب الكردية السورية لبلد المنشأ كما يقال في الادبيات التكنولوجية، وبصورة ادق، لكردستان العراق.

ولكن فرحة الاكراد لم تدم طويلا فتماسك النظام في بغداد، سرعان ما ارتد ويلا وملاحقة للاكراد، وتبخرت الاحلام بكردستان عراقية.

وعلى العكس من الحالة العشائرية الكردية التي كانت على تواصل مع العشائر العربية وعلى تحالف سياسي متين معها، وتحالف اجتماعي تمثل في المصاهرة التي غالبا ما كانت تعبر عن تحالف سياسي بين العشائر العربية والعشائر الكردية، عاشت الانتلجنسيا الكردية في المدن السورية الحدودية (القامشلي، رأس العين، الحسكة) حالة من الانكماش والعزلة والعداء الى حد كبير للوسط العربي المحيط بها. وغاب الحوار تماما بين الانتلجنسيا الكردية المحكومة بنظرة عدائية وبرد الفعل، والانتلجنسيا العربية المحسوبة على البعث والسلطة والعاجزة عن اية خطوة او مبادرة.

كذلك لم يسجل الواقع السوري خلال عقد التسعينات من القرن المنصرم، اي حوار بين الاحزاب الكردية واحزاب المعارضة السورية، وظل المثقفون السوريون بنخبتهم  يجهلون الاحزاب الكردية في سوريا ولا يعرفون شيئا عن معاناة الاكراد. كذلك لم تكترث النشرات الدورية الكردية - باستثناءات نادرة - بما يتعرض له الشعب السوري - من استبداد  وسيطرة لأجهزة الامن والفساد، وظلت النشرات الكردية تكيل المديح للرئيس الراحل حافظ الاسد، باعتباره الرئيس الاكثر تفهما للاكراد واوضاعهم كما تقول نشرة "الديموقراطي" التي يصدرها الحزب التقدمي الكردي، ويكفيه فخرا انه جعل من تاريخ الحادي والعشرين من آذار عطلة رسمية. وهو الذي يصادف عيد النوروز الكردي الذي تحول في سوريا مناسبة سياسية.

اعود للقول، ان الانكماش والتقوقع كانا السمة الرئيسة للاحزاب الكردية، وذلك طوال العقود المنصرمة من القرن المنصرم. لكن بداية الالفية الجديدة، حملت معها الجديد، فمع بروز حركة المجتمع المدني في سوريا وتنامي الحديث عن "ربيع دمشق"، افاق الاكراد على وقع الخطى الجديد، فهرعوا الى دمشق الى منتدى جمال الاتاسي والى منتدى رياض سيف، وصار من المعهود ان ترى القيادات الكردية الحزبية، بأحزابها التقليدية وكذلك الاكثر راديكالية، وهي تفترش كراسي مقهى الروضة الدمشقي في بوابة الصالحية، والذي بدا كأنه ملتقى للمعارضة السورية لتبادل الاحاديث والنشرات والمقالات المسحوبة من الانترنت.

وفي موازاة ذلك، سعت الاحزاب الكردية الى تمتين عرى علاقتها مع مثقفي المعارضة، فصار من الممكن ان ترى قياديين اكراد في مكاتب محامي المعارضة، وهو امر جيد. وتوثقت عرى الصداقة بين قياديي المجتمع المدني في سوريا والقياديين الاكراد. وفي هذا السياق، تم استدعاء بعض قياديي المجتمع المدني الى القامشلي والحسكة لالقاء محاضرات عن الديموقراطية وسط جمهور كردي متحمس، وتجاوز الأمر ذلك، الى استدعاء عدد لا بأس به من قياديي المجتمع المدني للاحتفال في القامشلي (في العام 2002 بمناسبة مرور اكثر من 45 عاما على تأسيس الحزب التقدمي الكردي بقيادة عبد الحميد درويش).

لكن الامر لم يقد الى حوار بين الطرفين، بل سادت المجاملات و"حوار الطرشان". وبدا على الطرفين، ان الامر يحتاج الى جلسة مصارحة، فقياديو المجتمع المدني يجهلون الحياة السياسية للاكراد، ويشكون بنهجهم الوطني الذي يراد له ان يقطع من اوهامهم في بناء كردستان الكبرى.

اضف الى ذلك ان "مبدأ التقية" هو الذي حكم السلوك السياسي الجديد للقياديين الاكراد. فتداعى الى اجتماع سياسي في ربيع العام 2002 في حي زوراقا الكردي الفقير من احياء دمشق منطقة دمر، وضم الاجتماع عن جماعة المجتمع المدني ميشال كيلو وجاد عبد الكريم الجباعي وحسن عبد العظيم المحامي وياسين الاخرس وعلي العبدالله وآخرين، وعن الحزب التقدمي الكردي حصرا، كل من الحميد درويش واخيه صلاح درويش ونمر مصطفى وجميل ابرهيم وفيصل يوسف.

كان المطلوب من الاجتماع ان يكون جلسة مكاشفة، وعتبة للتحول الكردي في اتجاه قضايا وطنية. وان يكون حلقة في سلسلة حوارات مقبلة، لكن الاجتماع كان فريدا فلم يتكرر بعد ذلك، والانطباع السائد بين الاكراد، ان لا جدوى من حوارات كهذه تبعدهم عن قضيتهم المركزية المتمثلة في وحدة كردستان. كذلك فان الانطباع السائد لدى المثقفين السوريين من جماعة المجتمع المدني، ان "مبدأ التقية" هو الذي يحكم السلوك الفكري للاكراد، الذين يخاطبون جماعة "المجتمع المدني" شفهيا بخطاب وطني ديموقراطي، ولكنهم في نشرتهم لا يبرحون حدود الخطاب القوموي الكردي الطفولي.

***

مع العدوان الاميركي - البريطاني على العراق واحتلاله عاصمة الخلافة الاسلامية بغداد، تجددت آمال الاكراد السوريين ببناء كردستان الكبرى، فعقدت حلقات الدبكة الكردية في معظم المدن الحدودية، وعلى طول الطريق الممتدة من مدينة الحسكة الى القامشلي، ابتهاجا بسقوط النظام العراقي. ولم يأبه الاكراد بالمشاعر الوطنية والقومية للاكثرية الساحقة من العرب في المنطقة المعادية للاحتلال الاجنبي. وما يلفت النظـر هو امتناع الاحزاب الكردية السورية عن تسجيل موقف من الاحتلال في نشراتهم الرسمية، وساد الصمت الذي دلّ على اقصى درجات الحذر.

كان احتلال بغداد، قد غذى مخاوف لدى النظام السوري الذي تكاثرت عليه الضغوط من كل حدب وصوب، ومنها الضغوط الكردية في الداخل. وعندما تظاهر الاكراد من جديد امام اليونيسيف بتاريخ 25 حزيران ،2003 للمطالبة بحقوقهم المتعلقة بالجنسية انتهى الامر باعتقال 8 من قيادييهم، بحجة ان الشعارات المرفوعة تدعو الى اقتطاع جزء من الوطن. ثم عاود الاكراد في 15 تشرين الاول 2003 في ذكرى الاحصاء الاستثنائي التظاهر امام مجلس الوزراء. ولم يكتفوا بذلك فراحوا يوزعون كتابات على الجدران تدعو الى رحيل العرب "المغمورين" اي الذين غمرت اراضيهم مياه سد الفرات، عن الحزام الحدودي الذي وزعته عليهم الدولة، بحجة ان هذه القرى التي بنتها الدولة، هي اشبه بمستوطنات عربية في كردستان الغربية والمقصود بذلك الجزيرة السورية.

وعاد اليسار القومي الكردي الطفولي للحديث عن المتخيل القومي الجغرافي لكردستان كبرى، وسرعان ما بدا للمراقب، ان الاكراد يتحينون الفرصة، فرصة الوجود الاميركي في المنطقة لانتزاع مكسب من السلطة السورية التي بقيت عاجزة عن اتخاذ زمام المبادرة في رؤيتها لمسألة المواطنة والاقليات.

ولا اضيف جديدا اذا قلت ان مطالب الاكراد الوطنية والثقافية مطالب عادلة، ولكن المشكلة تكمن في بنية الاحزاب الكردية التي هي احزاب قومية بامتياز، تعلي دائما من شأن القومي على حساب الوطني، مع ان المطلوب هو العكس، اعلاء الوطني على حساب الطوبى القومية، وبذلك يصبح الاكراد جزءا من النسيج الوطني التحرري السوري، فيقطعون بذلك مع غربتهم الثقافية والسياسية عن الواقع السوري. وفي رأيي ان الامر يتطلب تجديدا في الخطاب السياسي والثقافي عند الاكراد وتجديدا في القيادات الحزبية الكردية السورية بتجاوز النسق الآغوي - الاقطاعي، القديم منه والجديد. والاهم من ذلك تجاوز حالة الانكماش التي يقف من ورائها خطاب "اهل التقية" في تلاوينه المتعددة.

ما أرجحه، ان هذا سوف يتأخر، وان التشنج القوموي -الطفولي سوف يبرز على السطح، بخاصة بعد زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لانقرة والتي اعلن فيها معارضته اية فيدرالية في العراق واي دولة كردية، معتبرا ذلك من الخطوط الحمر.

ان كل ما اخشاه، ان يظل الواقع الكردي ينوس بين بين، بين الانكماش على الذات وطوبى المتخيل القومي المشفوعة بالرهان على المتغيرات الدولية والخارجية، وبذلك تكتب على الاكراد الغربة الدائمة وطوبى للغرباء؟

---------------------

كاتب  عربي سوري