مبادرات متشابكة.. للشرق الأوسط وأفريقيا.. حلمي شعراوي... الاتحاد  

 

انهالت المبادرات على بلدان العالم الثالث في الأشهر الأخيرة، بلورتها قمة الثمانية الكبار G8 في جورجيا بالولايات المتحدة، وبقيادتها، في أوائل يونيو الجاري. وبدا الاجتماع بالنسبة للعالم العربي كأنه خاصٌ بالشرق الأوسط، وقليلون من ربطوا في الخطط العالمية بين ما ذكر عن الشرق الأوسط، وما سمي أيضاً بمبادرات خاصة بأفريقيا، وإن ببعض الاختلاف في زاوية الرؤية. ولابد أنه قد لفت الانتباه منذ البداية، عودة مفهوم الشرق الأدنى أو الأوسط القديم الذي يبدأ من مصر ممتداً إلى أفغانستان، وأن المشروع المطروح سمي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبدورنا يمكن أن نمد التحليل والتوقعات إلى القول بأن "هذا الشرق الأوسط" الذي قصدوه قادماً من التاريخ يمتد ليشمل وادي النيل والقرن الأفريقي، ولذا تركزت المبادرات الأفريقية في اجتماع القمة بالفعل على القرن الأفريقي والسودان...الخ، ثم تلا ذلك القضايا العامة لأفريقيا التي لم تغب فيها كما ترى عناصر المبادرات الغربية المطروحة هذه الأيام بوجه عام.
في الإطار العام تحدث الثمانية الكبار في مبادراتهم لأفريقيا عن نفس مقولات الإصلاح الاقتصادي ذي "الأداء السياسي الملموس"، وعن أهمية المشروعات الصغيرة التي أتمنى أن يشرح لنا الاقتصاديون معنى كل هذا الاهتمام من "قمة عالمية" بالمشروعات الصغيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا على السواء. ثم يتحدثون في مبادراتهم لأفريقيا عن رجال الأعمال والمجتمع المدني، لكنهم لا يضغطون هنا في موضوع المرأة التي يتقدم وضعها أوضاع المرأة العربية عموماً (لها ربع المجلس النيابي الأخير في جنوب أفريقيا بالانتخاب العام الحر!).
ولأن القوة العسكرية الأميركية لابد أن تؤكد وجودها، باسم مواجهة الإرهاب أو دعم مواقعها الإقليمية في القارة، أو حماية المصالح الاستراتيجية مباشرة في مسائل البترول أو الماس... الخ، فإنها تؤكد مشروعها المتصل لتكوين قوات حفظ سلام أفريقية، بدعم مادي ولوجستى أميركي - على مائدة القمة العالمية، فيتقرر في مبادراتها لأفريقيا تكوين قوات من خمسة وسبعين ألف عنصر - أفريقي خلال السنوات الخمس التالية (بتكلفة 66 مليون دولار)، بل وتكليف بعض دول الأطلنطي بالمساعدة في تكوين "جندرمة" أفريقية لنفس الغرض. وإلى جانب محاولة جر الأطلنطي والأمم المتحدة لمخططها، تدفع الولايات المتحدة المجتمعين إلى ما يشبه التهديد بالتدخل العسكري الدولي أو الأطلنطي في غرب السودان، دون العناية حتى بتحية الاتفاق مع الجنوب الذي أشرفت بنفسها على عقده في نيروبي مؤخراً.

وفي المبادرة لأفريقيا - مثلما في الشرق أوسطية - رغبة في تفتيت أو تجاهل التنظيم الجماعي القائم، جامعة عربية أو اتحاد أفريقي، وهنا يجري تجاهل أي تنظيم، للاتحاد الأفريقي تماماً، لتصنع بدلا منه ما يشبه الشرق الأوسط الموسع في أفريقيا وهو تنظيم "النيباد" - للشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، حيث تمتد عمليا لمشروعات "أجوا" الأميركية ومؤتمرات "الفرنكفون" و"الكمنولث" الأوروبية وهي التي يمكن التخاطب معها عبر جنوب أفريقيا ونيجيريا، التي يحتفي بقياداتها عموماً من قبل القمة، مثل الاحتفاء الخاص، بقيادات أفغانستان والعراق الجديد"!.

وتقترب "المبادرات" أكثر في ربطها - التقديري حتى الآن - بين الشرق أوسطية وأفريقيا، فتفرد أهم عناصرها لمعالجة الوضع في القرن الأفريقي، وهي تركز على أثيوبيا - باعتبارها القوة الإقليمية - وهي ضمن المسمى القديم للشرق الأدنى، وتطرح لها الحلول والمساعدات للبنية التحتية والاجتماعية، وتخفيف حدة الفقر والزراعة والري والمواد الغذائية لمواجهة المجاعات...الخ، ثم يرد اسم إريتريا بدرجة أقل، ولا تنشغل المبادرة بقضايا الصومال بنفس الدرجة.

وفي تقديري أن الشرق أوسطية لابد ممتدة إلى وادي النيل والقرن الأفريقي بوجه خاص إذا تأملنا اتجاه الحلول لتجاوز الإطار "العروبي" من جهة، ومراعاة مصالح إسرائيل في جو "آمن" و"مثمر" من جهة أخرى، إن بدأ بالأمن وفق القلق الأميركي فسوف يصل للاستقرار أو الأمان وفق متطلبات الحضور الإسرائيلي. وهناك تساؤل الآن لابد أن يعيه من يتحدثون عن التحرك نحو أفريقيا، ويتردد ذلك من القاهرة وطرابلس وحتى الرباط مؤخرا ناهيك عن الجزائر. فأي أفريقيا يجري الحديث عنها أو التحرك نحوها؟ هل تلك التي تعني، ما بعد حدود الشرق أوسطية، أم التي تعني تحالفاً ذا طابع وطني، أو مصلحي جامع لمواجهة تحديات جامعة الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا للتجمع والتحالف أحياناً حتى بعيداً عن الرؤى القومية والجغرافية...الخ. هل تستطيع مصر مثلاً، وهي ضلع أساسي في تجمع "الثمانية" (إسلامية) والخمسة عشر" عدم انحياز والعشرين" (تجارة عالمية) أن تلعب دوراً ملموساً في قضايا تشمل هذا الاحتواء "العالمي" بدرجة أو بأخرى لصالح مستقبل مختلف؟ وهل يساعد الخبراء والمثقفون في إضاءة ذلك بدلا من الضجيج الجزئي حول اتفاقات "نيفاشا" و"تحويل مياه النيل" ؟!

وماذا عن دوائر التعاون العربي الأفريقي؟ هل سيظل في دائرة لجانه الفنية المبالغ فيها، وفي تراكم حجمها وأوراقها، أم سيضع المال العربي نفسه في دائرة غير دائرة الاستغلال العالمية التي يعاني من الخسائر داخلها، وقد سجل الأفارقة أنهم يخسروا خمسة عشر ملياراً من الدولارات نفقات تحويل عائدات أبنائهم من العمل في الدول الرأسمالية، دون أن يستفيد منها بنك أفريقي واحد (ويمكن أن يكون عربياً مع حد أدنى من التخطيط !).

وبهذه المناسبة سجل الأفارقة أيضاً - مثل العرب - شكواهم من المعايير المزدوجة ضد مصالحهم، حيث طالبت أميركا بإسقاط ديون العراق (120 مليار دولار) كاملة لصالح استثماراتها في العراق، بينما لم تطالب - مدعومة من البنك الدولي - بالتنازل عن أكثر من عشرة بالمائة من مجموع ديون أفريقيا التي تزيد على ثلاثمائة مليار دولار. فهل تستطيع مؤسسات مالية عربية إن تدخل مغامرات دائرة الديون حتى لمعنى الاستثمار وليس العون ؟.

وليطمئن أصحاب القرار الاقتصادي العربي على الأقل أن الأوضاع في أفريقيا أسعد حالاً من كثير من الأوضاع العربية خاصة في معدلات التنمية التقليدية التي يرتاحون إليها، ويرون ذلك في تقارير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا بل وتقارير البنك الدولي والتنمية البشرية، لكن المشكلة في العالم العربي، وثقافته السياسية، هي الانغلاق على رؤية الذات وتجاهل ما يجري في العالم، وخاصة في آسيا وأميركا اللاتينية ناهيك عن أفريقيا، سواء ما يجري ضدهم، أو ما يجري من تحالفات مناهضة لخطط العولمة الطاحنة.