اللب والقشرة في مسلسل الشرق الأوسط الكبير

يفغيني بريماكوف*



فشلت المحاولة ـ لإضفاء الشرعية عبر مجموعة الثماني على خطة الرئيس الاميركي جورج بوش ـ في فرض الديمقراطية على الشرق الاوسط الكبير، أي على العالم الاسلامي من افغانستان الى المغرب. وطرح الرئيس الفرنسي جاك شيراك وجهة نظر غير المؤيدين للخطة الأميركية فقال: ان من الواجب ان تقرر بلدان الشرق الاوسط نفسها فيما اذا كانت بحاجة الى المبشرين بالديمقراطية. ولا بد من القول انها اتخذت قرارها بصدد هذه القضية. فقد رفضت مصر والمملكة العربية السعودية خطة بوش، ولم تقبلا الدعوة للمشاركة في اجتماع قمة مجموعة الثماني. فيما لم يؤيد فكرة التبشير بالديمقراطية أي احد من زعماء البلدان العربية الاخرى باستثناء الرئيس العراقي الجديد.
ويبدو ان واشنطن كانت تتوخى لدى طرح خطتها تحقيق عدة اهداف ، بينها أولا كسب تأييد زعماء العالم المعترف بهم اليوم لتبرير عمليتها في العراق بأثر رجعي أي بتاريخ سابق. ولو حظيت خطة الشرق الاوسط الكبير بالتأييد، لجرى في اغلب الظن تصوير العملية العسكرية في العراق بأنها جزء من هذه الخطة الواسعة.
وثانيا، محاولة رص صفوف جميع الحلفاء والشركاء حولها، أي الذين اختلفوا مع الولايات المتحدة بشدة في تقييم افعالها الانفرادية ضد العراق. وأخيرا، وثالثا، الاعلان مجددا عن دورها القيادي حيال العالم الاسلامي. ولكن هذه الخطة لم تلق الدعم في قمة الثماني ، وبالتالي لم يتحقق أي من هذه الاهداف.
اما في ما يخص رد الفعل السلبي للغاية، الذي ابدته الاقطار العربية والاسلامية الاخرى نفسها حيال هذه الخطة، فذلك يعود الى أمور تخرج عن اطار القضية العراقية فيما جرى ، وعن حق، ربط قبول خطة بوش او رفضها، بقضية رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى والذي يعتبر احد المبادئ الاساسية الداخلي للبلاد من وجهة نظر خطره على السلام والأمن شيء، اما المحاولات لفرض هذا النموذج او ذاك لبناء الدولة والمجتمع على البلدان الاخرى فهو شيء آخر تماما.
في المقابل لنا أن نذكر ان خطة بوش تفترض بصراحة ان تلتزم جميع بلدان الشرق الاوسط الكبير بالاسلوب الأميركي، ولنقل، الاسلوب الغربي للديمقراطية، وان تقبله بدون أي كلام حول اصالة حضارات هذه البلدان وتقاليدها وخصائص دينها ونمط الحياة القائم ، وان تقبله بدون أي كلام عن نقائص النموذج الديمقراطي الذي يراد فرضه على هذه البلدان.
آمل في ألا يزعم احد بأن قيام الجنود الأميركيين بإهانة واذلال السجناء العراقيين يعتبر تجسيدا للعلاقات الدولية، في مقابل التساؤل بأنه ينبغي في الظروف الحالية التخلي عنه.
وعادة يشير اصحاب فكرة ضرورة طرح نظرة جديدة حيال قضية التدخل في الشؤون الداخلية الى ان الاوضاع الداخلية في البلاد غالبا ما تتحول الى خطر شديد على سلام وأمن الناس. وهذا واقع فعلا.
الى ذلك فمن المعروف ان كوفي انان السكرتير العام للامم المتحدة شكل ما يسمى مجموعة الحكماء المدعوة الى اعداد التوصيات بشأن التصدي الى الاخطار، وبينها تلك الناجمة عن الاوضاع الداخلية. وقد التحق كاتب هذه السطور بهذه المجموعة المؤلفة من 16 شخصا جرى انتقاؤهم من قبل السكرتير العام. ويمكن القول بجرأة ان اعضاء هذه المجموعة يتفقون في وجهة النظر بضرورة ان تواجه بكل القوى والامكانيات بعض العمليات السلبية، مثل قتل المدنيين بالجملة، وعجز السلطات المركزية عن السيطرة على المؤسسات غير التابعة للدولة التي تشكل خطرا على الأمن الدولي، والاقتراب بسرعة من احتمال امتلاك السلاح النووي، واحتمال تسليمه في المستقبل الى المنظمات الارهابية، ووضع النظام الحاكم اراضيه لإقامة قواعد لمنظمة ارهابية دولية. ومن جانب آخر يجب ان يتم الكشف عن وجود مثل هذا الخطر في داخل البلاد ، ليس من قبل دولة واحدة ما، بل بصورة جماعية عبر مجلس الأمن الدولي ، فيما يجب ان يحدد مجلس الأمن الدولي بالذات التدابير لإزالة هذا الخطر.
لكن ينبغي فصل اللب عن القشرة ،لأن بحث الوضع لـ«الديمقراطية الرفيعة».
وسواء أراد اصحاب خطة الشرق الاوسط الكبير أم أبوا فإنهم يعملون على تقسيم العالم وفق مبدأ الانتماء الحضاري ـ الديني. انهم يزعمون بأن الغرب المسيحي يمثل الديمقراطية. اما الشرق الاسلامي فهو معاد للديمقراطية في جوهره ويجب تغييره، وإني لأرى ان هذه الفكرة المضادة للتاريخ مصيرها الى زوال.
ولا بد من القول ان اصحاب خطة فرض نماذجهم لبناء الدولة والمجتمع على البلدان الاخرى لم يأتوا بشيء جديد. ويمكن مقارنتهم بالتروتسكيين الذين رفعوا شعار تصدير الثورة في العشرينيات من القرن الماضي. ولم يهمهم غياب الوضع الثوري في البلدان المراد تصدير هذه الثورة اليها. وكان التروتسكيون يعتزمون غرس الانظمة الثورية بالقوة خلافا لإرادة الشعوب. ولهذا لحقتهم الهزيمة النكراء.
ألا ينتظر النهاية نفسها من يصبو اليوم الى تصدير الديمقراطية ؟

* رئيس وزراء ووزير خارجية روسيا السابق
(خاص بـ«الشرق الأوسط»)