من ينقذ الشعب الفلسطيني؟

د. محمد السيد سعيد

 

يشعر المصريون اليوم بقدر كبير جدا من القلق حول مستقبل الشعب الفلسطيني وعلاقة بلدهم بقضيته. فهم يعتبرون القضية الفلسطينية قضية وطنية مصرية وبهذا المعنى مقدسة. ويزداد هذا القلق كثيرا مع الأنباء حول قيام مصر بدور أمني في غزة والقطاع. ولا يبدو القول إن الدور الأمني المصري يقتصر على تدريب الشرطة الفلسطينية مقنعا تماما.

إن أهم مصادر القلق هو الإطار السياسي الذي يتم فيه إحياء دور قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وحتى الآن يبدو هذا الإطار غامضا وهو ما يدفعنا للاعتقاد بأن ما يتم تطبيقه هو الاستراتيجية الشارونية القائلة بـ"حل" مؤقت طويل المدى. وفي تقدير معظم المراقبين الإسرائيليين أنه لا يوجد تناقض منطقي بين "خريطة الطريق" و"مبادرة الفصل من جانب واحد" التي أعلنها ويطبقها شارون من خلال جدار العزل العنصري ومصادرات الأراضي وحصار التجمعات الفلسطينية في معازل عنصرية. ويبدو مشروع الانسحاب من غزة وربما من أجزاء من الضفة الغربية جزءا من "الحل المؤقت طويل المدى". والشرط الرئيسي لنجاحه هو ضمان نزع سلاح الشعب الفلسطيني و"تسكين الأوضاع الأمنية" في الضفة والقطاع.

وحيث إن البلدين العربيين لن يقوما بدور مباشر في "حفظ الأمن" يخشى المراقبون المصريون والعرب عموما من أن يتركز هذا الدور في تقديم "ضمان سياسي" و"تحديد المهمة" و"رسم الخرائط الأمنية" ومن ثم وضع "نظم العمل" التي سيباشرها الأمن الفلسطيني. فإذا كان الإطار السياسي هو ذلك المتضمن في خريطة الطريق ومبادرة الفصل العنصري الإسرائيلي و"الحل الشارونى المؤقت طويل الأجل" فمن المؤكد أن هذا الدور سيصبح جزءا من المنازعة الداخلية بين الفلسطينيين حول مستقبل الصراع والتسوية السياسية.
ثمة وجه آخر للخوف من الدور الأمني المصري والأردني وهو وقوع البلدين العربيين في الشرك الذي ينصبه لهما شارون وحكومته. ويبدي المراقبون الإسرائيليون ابتهاجا بفكرة دخول مصر والأردن طرفا مباشرا لضمان الأمن في الأرض المحتلة لأنهم يعتقدون أن هاتين الدولتين العربيتين لن تترددا في استخدام الأساليب الوحشية نفسها التي انتهجتها قوات الاحتلال الإسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني وهو ما ينقل عبء الكلفة المعنوية العالمية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الأرض المحتلة من إسرائيل إلى كاهل الدولتين العربيتين. ولدينا بعض التطمينات من أن الدولتين تعيان كلفة الوقوع في هذه المصيدة. ولكن النظم الأمنية التي تتبعها الدولتان على المستوى الوطني الداخلي في كل منهما ليست فوق الشبهات إطلاقا. فانتهاكات حقوق الإنسان شائعة بالفعل.
وكما أشرنا من قبل فإن تعبير "نقل النظم الأمنية" ليس دقيقا. فالواقع أن قوات الأمن الفلسطينية كانت قد اجتهدت بالفعل في نقل النظم الأمنية الشائعة في البلاد العربية أثناء مرحلة أوسلو. وكانت ممارسات هذه القوات أسوأ أحيانا من تلك الشائعة في بعض هذه الدول. ونتذكر ما كان يحدث عام 1999 عندما قامت "عناصر غامضة" بضرب شخصيات وطنية فلسطينية بارزة وخاصة تلك التي وقعت على بيان العشرين الذي يطالب بضمانات للديمقراطية وحقوق الإنسان في الأرض المحتلة وينتقد استبداد الرئيس عرفات. وكان ما لا يقل عن 500 من أفضل الشخصيات الوطنية والزعامات المدنية الفلسطينية قابعة قيد الاعتقال في سجون السلطة الوطنية بدون تهم محددة وبدون محاكمات نزيهة. بل إن بعض الوزراء الفلسطينيين ضربوا في مكاتبهم بتعليمات لا شك في مصدرها. ولم تتوقف مثل تلك الممارسات حتى أثناء الانتفاضة.

لنتصور أن أكثرية الفصائل والقوى المقاتلة ضد إسرائيل في الأرض المحتلة قد رفضت الإطار السياسي الذي يحكم الانسحابات الإسرائيلية وأصرت على مواصلة النضال العسكري. ماذا سيكون موقف القوات الفلسطينية والعناصر الأمنية الأردنية والمصرية؟ بكل تأكيد ستباشر تطبيق الالتزامات التي قبلتها السلطة الفلسطينية. وقد ينزلق الوضع إلى الحرب الأهلية أو على أقل تقدير إلى حملات بطش أمنية ممتدة قد يكون بعضها أشد وطأة مما عاناه الشعب الفلسطيني في سياق الانتفاضة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتتوفر قيادات أمنية فلسطينية سابقة وحالية تبدي استعدادا تاما للقيام بكل ما هو مطلوب لقمع وتصفية الخصوم السياسيين حتى لو أدى ذلك موضوعيا إلى حرب أهلية فلسطينية. وهي تملك ذرائع سياسية للقيام بهذا العمل. ومع ذلك ستتحمل الدولتان العربيتان مسؤولية أخلاقية وسياسية.
ولكن ماذا عن المنظور الفلسطيني؟ بطبيعة الحال لا يمكن لأي فلسطيني رفض أية عمليات انسحاب تقوم بها إسرائيل بغض النظر عن الذرائع. غير أنه لا يمكن لأي فلسطيني تجاهل الإطار السياسي المريع الذي قد تتم فيه هذه الانسحابات المحتملة. هذه الحقائق تضع المجتمع الفلسطيني أمام اختيارات صعبة.

أول هذه الخيارات هي الرفض التام للتقيد بالإطار السياسي الذي تتم فيه هذه الانسحابات وخاصة فيما يتعلق بقضية الكفاح المسلح التي تقع في قلب الالتزامات الأمنية التي تقبلها السلطة الفلسطينية. فإن أخذت بضعة تنظيمات فلسطينية باختيار استمرار الكفاح المسلح فإن الحرب الأهلية أو حملات البطش السياسي ستلوح في الأفق بكل تأكيد. وسيكون ذلك وضعا مدمرا للحركة الوطنية الفلسطينية على كافة الأصعدة.

ثاني هذه الاختيارات هو أن تقبل جميع التنظيمات الفلسطينية بهدنة ممتدة مع إسرائيل على أساس تطبيق استحقاقات خريطة الطريق وهي استحقاقات لا تصل بأي حال إلى الحد الأدنى المقبول فلسطينيا وعربيا. أما على المستوى الداخلي فإن مجرد قبول الهدنة الجماعية لن يحل إشكالية التحويل الديمقراطي للمجتمع الفلسطيني.

أما الاختيار الذي ندافع عنه فهو صياغة استراتيجية وطنية فلسطينية جديدة تتجاوز مشكلات وإعاقات مرحلة أوسلو ومرحلة الانتفاضة معا. ملامح تلك الاستراتيجية هي الاعتماد على النضال المدني طويل المدى – دون إسقاط الحق في المقاومة المسلحة في التوقيت وبالأساليب والضوابط الملائمة- وضمان حسن تعبئة وتنظيم الشعب والدولة وتوافقهما على رؤية متحدة للوصول إلى الحقوق السياسية والتاريخية التي لن ينتهي الصراع بدون الوفاء بها، والتمييز بين السلطة والمنظمة وضم جميع الفصائل إلى حكومة وفاق وطني وإنجاز مهمة بناء أمة ودولة ديمقراطية.

فإذا كانت هذه الاستراتيجية الأخيرة هي ما سيأخذ به الشعب الفلسطيني سيكون من المؤكد أنه يستطيع الاستغناء عن الدور الأمني المصري والأردني. فالديمقراطية الفلسطينية تضمن بديلا مقبولا وأكثر فاعلية وشرعية.